مقطع فلسطيني من وردة الجزائرية

مقطع فلسطيني من وردة الجزائرية

18 مايو 2021
الصورة

وردة الجزائرية في 1962 (يوتيوب من Tamtammagreb.com)

+ الخط -

اكتملت أمس، 17 مايو/ أيار، تسعة أعوام على وفاة وردة الجزائرية عن 73 عاماً. ولعله من التقليدي أن يُستعاد في ذكراها ما كانتْه صاحبةَ واحدٍ من أصوات زمن الغناء العربي الجميل، وأن يُؤتى على سيرتها الشخصية والفنية، وأظنّها سيرةً ذائعة، منذ مولدها في باريس من أب جزائري وأم لبنانية، ثم ارتحالها مع أسرتها في صباها الأول إلى لبنان، وتسجيلها أولى أغنياتها في الإذاعة السورية، في 1960، واستدعائها إلى القاهرة في ذلك العام، للمشاركة في أوبريت "وطني الأكبر" (كلمات أحمد شفيق كامل، لحن محمد عبد الوهاب)، مع عبد الحليم حافظ وشادية وفايدة كامل (من مصر) ونجاة الصغيرة (من سورية!) وصباح (من لبنان)، ولتكون وردة فتّوكي (اسمها قبل شهرتها) ممثلةً جناح المغرب العربي. ثم تأديتها في مقامها في مصر أغنياتٍ جديدةً بدعم من حلمي رفلة، ومشاركتها في فيلمين سينمائيين، وجها لمغنيةٍ في بواكير عشرينياتها من الجزائر في فضاء مصر الفني، في زمن النجوم وجمال عبد الناصر، قبل أن يُجبرها والدها على المغادرة إلى بلدها، فيزوّجها من مسؤول كبير في السلطة، بعد رفضه طلب ملحنٍ شابٍّ اسمه بليغ حمدي الزواج منها. لتعتزل الغناء، وتُنجب ابنها وابنتها، حتى إذا طلب الرئيس بومدين مشاركتها في 1972 في حفل عيد الاستقلال، ويكون بليغ من المدعوين في الأثناء (بديلا عن رياض السنباطي)، تنعطف حياة الفنانة إلى طلب الطلاق من زوجها، ثم تعود إلى القاهرة، فتغنّي باندفاعةٍ أقوى، ونضجٍ فني أرفع، وبألحانٍ بديعةٍ لبليغ حمدي، زوجها سبعة أعوام، قبل طلاقهما (ألحّت عليه في مشادّة بينهما في أبوظبي، جعلت بليغ يكتب أغنية "كان يا ما كان" هناك، والتي غنّتها من تلحينه لاحقا ميّادة الحناوي). وتستمر النجمة وردة في رحلة غناء، حبّةً حلوةً في عنقودٍ رائقٍ من أجمل الأصوات (صباح، نجاة، شادية، سعاد محمد، فايزة أحمد، ..)، بألحان بليغ (غنّت له بعد الطلاق أيضا) وعبد الوهاب والسنباطي (وغيرهم) وتاليا حلمي بكر وصلاح الشرنوبي (وغيرهما).
وإلى ما هو ملحوظٌ في هذه السيرة (الموجزة هنا) من أبعادٍ عربيةٍ فيها، يحسُن التذكير بأن لوردة نحو ثلاثين أغنية وطنية للجزائر، والعدد نفسه لمصر (دعك من أغنيتها البائسة في مديح حسني مبارك في خريفه). ولمّا كانت فلسطين قضية العرب المركزية الأولى، فإنك لا تجد أيا من مغنّي الستينيات والخمسينيات لم يؤدّ أغنية أو أكثر لفلسطين (لمحمد قنديل أغنية عن غزة)، وللوحدة العربية، وللمقاومة، عبد الحليم وأم كلثوم وشادية وكارم محمود وفايدة كامل وسعاد محمد و... . كان هذا إيقاعا عاما في أجواء وطنٍ عربيٍّ واحد، يلهج كل ناسه بتحرير فلسطين السليبة. وفي تلك الأثناء، سجّلت وردة، في 1962 لإذاعة فلسطين، أغنيتها "ثلاثة إخوة"، كلمات علي مهدي ولحن عبد العظيم محمد، وأدّتها في غير حفلة في القاهرة، وتتعلق بالمذبحة التي ارتكتبها منظمتان صهيونيتان في 1948 في قرية دير ياسين. واتصف لحنُها بإيقاع المارش العسكري، وبالحسّ الجنائزي الذي يتناوب مع وقْعٍ قوي. أما كلماتها، فإلى البساطة الضافية فيها، فإنها تحكي عن ثلاثة إخوة فلسطينيين يقتحم "الغاصب" في يوم المذبحة المشؤوم، منزلهم، أمام أمهم التي بدأت تصيح و"تولول" (نعم تولول)، وقتلوها، وقتلوا اثنين من الثلاثة وأصيب الثالث. وتأتي الأغنية على رجلٍ حرٍّ اسمه جمال عبد الناصر، يداوي الجراح (!).
لم تُحرز هذه الأغنية القصيرة شهرةً عريضة، كما أخرياتٌ احتفت بفلسطين، غنّاها عبد الحليم وأم كلثوم وغيرهما إبّان ذلك الزمن، ربما لضعفٍ وسذاجةٍ ظاهريْن فيها، في كلماتها خصوصا، ولتشابه لحنها مع ألحانٍ أخرى، غير أنه يبقى لافتا أن وردة الجزائرية ظلت، حتى قبيل رحيلها في العام 2012، تأتي عليها في أحاديث ومقابلاتٍ صحافية معها، وتتحدّث عنها واحدةً من بداياتها، ربما تذكيراً بأن لها، هي الأخرى، مقطعاً فلسطينياً في مسارها الفني الطويل .. ولعل في التفاتة هذه المقالة إلى تلك الأغنية المنسية، ونحن في أجواء فلسطينية تماما في غضون الهبّة الجارية في عموم فلسطين، والمقاومة الباسلة، والاعتداءات الإجرامية الإسرائيلية، ما ينطوي على تحيةٍ خاصةٍ إلى وردة، رحمها الله، وقد أبهجتْنا زمنا طويلا بأغنياتٍ لا تُنسى.