مقتدى الصدر الساعي إلى كلّ الولايات

مقتدى الصدر الساعي إلى كلّ الولايات

18 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

كان الحزبُ الشيوعي العراقي أوضحَ من الجميع في التعبير عن امتعاضه مِن تغيير نظام انتخابات العام 2014 بتوزيع العراقِ إلى دوائر بعدد المحافظات بعدما كانت دائرةً انتخابية واحدة.
وقتها، سألتُ عضوَ اللجنة المركزية في الحزب، رائد فهمي، وأصبح بعدها سكرتيرَ اللجنة، عن جدوى الامتعاض ما دام نظام الدوائر أكثرَ قدرة على التمثيل المحلي. كان جوابه أنّ حزبه لا يمتلك جمهوراً محلياً إنما يمتلك جمهوراً عابراً للمناطق، باعتباره حزباً علمانياً في بلد موزّع مذهبياً وقومياً. بالطبع، علمانية الحزب وتجاوزه الأطر الضيقة اصطدما مراراً بخيارات مخلّة، فهو، الحزب غيرِ القومي وغير المناطقي، انقسم إلى حزبٍ شيوعي وحزب شيوعي كردي بعد المؤتمر الخامس عام 1993. وهو بوصفه حزبا لا دينياً وجد نفسه أسيرا للخيارات المذهبية، عندما شارك سكرتيره السابق، حميد مجيد موسى، في مجلس الحكم عن حصة للشيعة. هذا عدا عن تحالفَيْه مع حزب البعث في العهد الملكي وسبعينيات القرن الماضي. على الرغم من ذلك، أدرك، حين توزيع العراق إلى دوائر انتخابية عديدة، أنه حزبٌ عابر للمناطق والقوميات والمذاهب. غير أنّ حماس الشيوعيين تجاه الأمر لم يعد كما كان خلال الأعوام الثلاثة الماضية، اختاروا طريقاً ثانياً، وعراً ومثيرا للغط. ذهبوا إلى الصدريين، اقتربوا كثيراً من بعضهم في مظاهرات 2016 التي قامت على أنقاض الاحتجاجات الحاشدة وغير المتحزّبة العام الذي سبقه. ثم تحالف الطرفان انتخابيا. هي مفارقة، فالاختلاف بينهما ليس في العقيدة السياسية والفكرية فحسب، بل في طبيعة الجانبين. هو تقاربٌ بين تيارٍ شعبي موجود بكثافة في كلّ حي من أحياء المناطق الشيعية، وحزبٍ نخبوي موزّعٍ في أنحاء البلاد.

يمتلك الصدريون قدرة تنظيمية عالية، وجمهورهم موجّه بطاعة والتزام كاملين

ثم اندلعت احتجاجات 2019 - 2020. كان الشيوعيون موجودين، وبالتأكيد حضر الصدريون بقوة، وكانت بين الطرفين شرائح غير منتمية تمثل روحَ الحراك غير المتحزّب ونسق الطلبة والكسبة. تغيّرَ النظام الانتخابي، وانقسمت الدوائر الانتخابية نفسها إلى دوائر، وبدا الأمر استجابةً للحراك. نظريا هو كذلك، فالبرلمان يمثل إرادةَ الناخب، وكلما صغرت دائرة الاقتراع كان الاختيار أكثرَ تمثيلاً لاحتياجات الناس. لكن عملياً سيكرس نظامُ الدوائر الانقساماتِ المناطقية والمذهبية والقومية والحزبية داخل البرلمان، وستفوز الأحزاب القادرةُ على مخاطبة المناطقية، وليس الأحزابُ القادرة العابرة. خصوصا وأنّ نتائج الانتخابات العراقية كشفت عن استمرار التكتلات في التعبير عن نفسها بوصفها تكتلات، وليس أفراداً يمثلون أهاليهم ومناطقهم. ربما الاستثناء الرئيس في هذا الصدد هو مدينة الناصرية التي نجح فيها عددٌ ممن يمثلون قائمة امتداد الممثلة لشريحة واسعة في الحراك. هذا الاستثناء أوجدته الناصرية لنفسها، فهي عاصمة الحراك، واستمرّت في احتجاجاتها ونجحت في شلّ إرادة الأحزاب الكبرى فيها. لكن، حتى فيها، كان الصدريون القوةَ الرئيسية. وفي عموم المحافظات، قفزت كتلة مقتدى الصدر من 54 نائباً إلى 73. قد يعتقد بعضهم أنّ الرجل زادت شعبيته، بينما من الصعب افتراض أنّ تياراً شعبياً واضح الجمهور تكون الزيادة فيه دراماتيكيةً إلى هذا الحد. الأمر يكمن في النظام الانتخابي الجديد، الذي أصرّ عليه مقتدى الصدر، وخسر حلفاؤه السابقون، الشيوعيون، ما كانوا يريدون.
يمتلك الصدريون قدرة تنظيمية عالية، وجمهورهم موجّه بطاعة والتزام كاملين، فمنذ انتخابات 2010 كان ناخبوهم موزّعي الأصوات بما يضمن حصول مرشّحيهم على كفايتهم لكسب مقاعدهم. إذ لم يحصل أكثرُ مرشحيهم على أصوات فائضةٍ يخسرها بقية زملائهم في القائمة الانتخابية لصالح مرشّحي القوائم الأخرى. وجاءت الفرصة في انتخابات 11 أكتوبر/تشرين الأول الجاري لإيجاد مزيد من التنظيم داخل دوائر صغيرة تسهل السيطرة عليها. وبالفعل، نجح الصدر في تغيير صورة انتخابات 2014 المشتّتة بثلاث كتل متقاربة في عدد المقاعد إلى صورةٍ يحصل فيها هو على ضعف عدد مقاعد أقرب منافسَيْه، محمد الحلبوسي ونوري المالكي.

رجل لا يمكن التغاضي عما سفكته مليشياه من دماء تنتمي إلى كلّ الطوائف، وما يزال يمتلك المليشيا بمسمّى آخر

في السنوات الأولى بعد 2003، ضحك كثيرون على عالم الدين الموصوف وقتها بالزعيم الشاب. وبالفعل، مرتين كاد أنْ يخسر كلَّ شيء، الأولى في معركة النجف 2004 التي خاضها رئيس وزراء ذلك العهد، إياد علاوي، وفي معركة صولة الفرسان في البصرة 2008 التي أعلنها رئيس وزراء تلك السنوات، نوري المالكي. هُزم الصدر في المرّتين، بعد جرائم مهولة ارتكبتها المليشيا التابعة له، جيش المهدي، وكان محظوظا لأنّ توازناتٍ داخليةً وإقليميةً أبقته حياً.
غير أنه وخلال كل أعوام رفعِه السلاحَ ضد الأميركيين، وضد مخالفيه من العراقيين، نجح في أنْ يكون بيضة القبّان في اختيار رؤساء الوزراء، سواء كان إبراهيم الجعفري أو نوري المالكي. واستطاع، منذ عام 2012، العودةَ إلى الواجهة بقوة، مقدِّماً هذه المرّة خطاباً مختلفاً عن ذلك المتهمِ بجرائم، والمرفوعةِ عليه دعوى قتل عبد المجيد الخوئي، إلى درجة أنه جلس مع خصمه علاوي في أربيل، كي يستعين به على إسقاط المالكي.
هنا تكمن خطورة الصدر. رجل لا يمكن التغاضي عما سفكته مليشياه من دماء تنتمي إلى كلّ الطوائف، وما يزال يمتلك المليشيا بمسمّى آخر، وفي الوقت نفسه، يتحدّث عن حصر السلاح بيد الدولة. عالم دين تقيم أسرته في إيران، ويسافر إليها كلما شعر بالخطر، ويستعرض خصما لها. زعيم تيار مشارك في السلطة بقوة، ثم يقدّم نفسه زعيما للمعارضة. هذه القوة غيرُ قابلة للسيطرة أو التحكم. وليس مستبعداً أنّ كلَّ ما قاله عن السلم والمشاركة، في كل مرّة يتحدّث فيها عن الدولة، هو مجرّد مرحلة، سينقلب عليها حين يمسك بآخرِ أزِمَّة القوة، رئاسة الدولة.

لم يقم الصدر بخطوة صريحة تنهي نفوذ إيران، لكنه قام بما يزعج وجودَها في العراق. وهنا نقطة الحسم

مقتدى، المولود في النصف الأول من سبعينيات القرن السابق، هو وريث أبيه المؤمنِ بولاية الفقيه القُطرية. هي نمط من ولاية الفقيه يختلف عن إيران بأنه ليس عابرا للحدود، بل كان يُنظِّر لها أنّ لكل بلد ولي فقيه خاصا، كي يميز نفسَه عن الآخر الإيراني، علي خامنئي. ولا يوجد ما يدلّ بوضوح على أنّ قناعةَ الصدر الابن اختلفت عن أبيه. وما يؤشّر إلى ذلك ليس أكثرَ من خطاب سياسي لعالم دين يقول الأمرَ وما يخالفه في الوقت نفسه. لا يمكن الثقة أبداً بما ينطق، ولا يُعوّلُ نهائيا على ما يقرّر. آخر ذلك كانت مشاركته في الانتخابات، بعدما أعلن قبلها انسحابه.
قد يبدو وضعُه مربكاً، لكنه ليس كذلك، بقدر ما هو محاولة لإرباك الآخرين كي يلاحقونه. الرجل لا يعيش بعيداً عن الإثارة، وغالب الظن أن في هذه الشخصيةِ الاستعراضية والعاشقةِ الإثارة تكمن نهايتُه، فمعروفٌ في الأوساط العراقية أن مقتدى الصدر أراد سابقا أن يكون حسن نصر الله العراق، لكنه الآن غير متحمّس لذلك، ليس لأنه تراجع عن أحلام الزعامة، بل لأن زميلَه اللبناني لم يعد مثالاً. تجاوز ابنُ النجف مرحلةَ نصر الله، بات يفكّر بطريقته الخاصة، ويتبع أسلوبَه، ومن سمات أسلوبِه الاستعراضُ والإثارة. وهناك أمر آخر بات خاصّا به، أنه يقدم زعامتَه بعيداً عن النفوذ الإيراني، ويرفع أنصاره أحيانا شعار "إيران برّا برّا". وبمعزل عما إذا كانت هذه حقيقةً أم مجردَ تمويهٍ وتوزيعِ وظائف داخل المنظومة الحاكمة في العراق، فإنها تمثل الشخصية الخاصة بالصدر، ذي العلاقات الجيدة مع السعودية وبلدان خليجية أخرى، والرافضِ إرسال أي مقاتل إلى سورية للمشاركة في الحرب إلى جانب نظامها، بالتزامن مع علاقاته الجيدة بطهران.
لم يقم الصدر بخطوة صريحة تنهي نفوذ إيران، لكنه قام بما يزعج وجودَها في العراق. وهنا نقطة الحسم، فمقتدى لا يلعب انطلاقاً من الرؤية الإيرانية، بل ينطلق من طموحه المحلي الذي غذّته الإرادةُ الإيرانية سابقاً، وسيخدم تلك الإرادةَ ما دامت توفّر له ما يريد. وسيصاب مَن يرون أنَّ نهايةَ إيران هي الغاية الأخيرة بخيبة أمل بعد سنوات، حين يدركون أنّ ما بعد تلك الغاية مخاطرَ أخرى كبيرة، وأنّ الدفاع عن الصدر باعتباره رجلاً وطنياً سيكون فيها مقتل الوطنية.

لم يُحب الصدرُ المالكيَ وقبلَه لم يُحب آلَ الحكيم، فكلاهما ينافسانه على ما يريد؛ السيادةِ المطلقة

أزمةُ العراق الجوهرية تكمن في الداخل قبل أي حديث عن الخارج. عانت البلاد وما زالت من طموحات أشخاصٍ أخذوها إلى النهايات المريرة. طموحات نوري السعيد، عبد الكريم قاسم، صدام حسين، نوري المالكي، مقتدى الصدر، هي المقتل. بعض أولئك كان وطنياً وبعضهم استفاد من علاقاته الموصوفة بالعمالة للبقاء على سدّة الحكم. في النهاية، كلُّهم أراد أو يريد التسيد على البلد وشعبه بمعزل عما سيعانيه المكانُ وساكنوه.
بطبيعة الحال، القلقون من النفوذ الإيراني يرونه الشرَّ الأخير، وهذا أمرٌ طبيعي في ظل ما تقوم به طهران من أفعال مدمّرة في المنطقة، غير أنّ بناء دولةٍ عراقيةٍ مستقرّة ومستقلة، وتحترم أبناءَها وحرّياتهم، لا يمكن أنْ ينطلق من ذلك القلق حصراً، لأنّه ليس قلقَ العراقي الفقيرِ أو مسلوبِ الإرادة أو غيرِ القادر على بناء وطنه ودولته العادلة. ذلك قلق المتصارعِين، ومقتدى الصدر فهِمَ قلق المتصارعين جيدا ولعِبَ عليه، إلى درجة أنّ مَن لا يؤمنون بالدولة الدينية انساقوا له. كان مبرّرَهم فضلُ الصدر على سواه في مواقفه الإيجابية خلال السنوات الأخيرة.
ومقتدى من حيث الظاهر أفضلُ من "عصائب أهل الحق" و"كتائب حزب الله" اللتين مثلتا إيران تمثيلاً إجرامياً، وسيُخرِجُ بلادَه من النفوذ الإيراني لو امتلك الفرصة، لكنّه سيدخلها في نفوذه هو، نفوذِ الباحث عن زعامة آل الصدر وولايتهم على العراقيين، أو على الأقل على شيعتهم. لهذا لم يُحب الصدرُ المالكيَ وقبلَه لم يُحب آلَ الحكيم، فكلاهما ينافسانه على ما يريد؛ السيادةِ المطلقة. بل هو تجاوزهم باحثاً عن كلّ الولايات: بغداد والنجف، السلطة والمعارضة، الانتخابات والاحتجاجات، الجيش والمليشيات، فهو ابن ولاية الفقيه.