مقاومتان .. يسارية وإسلامية

مقاومتان .. يسارية وإسلامية

03 يونيو 2021
الصورة

(ضياء العزاوي)

+ الخط -

لم يأتِ الممانعون من فراغ. الجمهورية الإسلامية الإيرانية قبْلتهم ومحورهم، صحيح. لكن أيضاً، لم يكن لها أن تُحتَضن لولا "البيئات المناسبة" لذلك. ليست البيئة المذهبية وحسب، إنّما الأخرى، الأوسع، خصوصاً تلك التي تضم يساريين في أطرافها: أكانوا سابقين أم متأخرين. ومن بينهم تجد الأنشط تنظيراً، وغالباً الأشدّ تعصباً و"إخلاصاً" للممانعة، مقارنة بالمذهبيين أنفسهم. هذه الكيمياء الخاصة بين الدولة الإسلامية وفلول اليسار القديم ليست سحرية تماماً، إنّما لها جذور قديمة في الماضي القريب لهذه الفلول. جذور القرابة الفكرية والمسلكية القائمة بين الاثنين. وإليك بعض وجوهها:

أولاً: في الأخلاق السياسية. مثلما هو المقاوٍم الممانِع الآن، كان اليساري في الستينيات والسبعينيات وبعض الثمانينيات، صاحب طبائع خاصة. الحماسة الشديدة لموقفه، لموقف حزبه، أو الجماعة الأوسع حولهما. لا تخلو كلماته أو خطب قادته من عبارات النخوة والشكيمة والبطولة. وهذه الحرارة كانت تمدّ متلقّيها بطاقة خاصة، بنوع من التكبّر، أو حتى الوقاحة مع كلّ مختلف بالرأي أو التوجه. وهذا سلوكٌ طاول نواحي شخصية من العلاقة بين الأصحاب أو الأصدقاء، وسهّل، كما يسهَل الآن مع الممانعين، إلصاق تهمة الخيانة أو العمالة أو الجاسوسية لصالح "العدو" فيما تعريف هذا الأخير في الحالتين، السابقة والحاضرة، هو نفسه: الصهيونية، والإمبريالية الأميركية.

ظلّ العالم في الفكر الممانع منقسماً بين أميركا عدوة الشعوب وإيران صديقتها، من دون النظر لتحول السوفييت إلى روس قوميين إمبراطوريين

ذلك أنّ اليساري، مثل الممانِع اليوم، لم يؤمن إلاّ بالسلاح. في أيامه، كان اليساري يرى أنّ الجيوش العربية خذلت الأمة. وها نحن نحمل السلاح، نتدرّب عليه، نخزّنه، يخضع العسكر من بيننا لدورات مدفعية أو استراتيجيا في الاتحاد السوفييتي أو كوبا. نرفض مشاريع السلام التي تقدّمها الإمبريالية: مشروع روجرز للسلام (1970). ومن أهم بنوده انسحاب إسرائيل من أراض احتلتها عام 1961 (وليس 1967). وافق عليه جمال عبد الناصر قبل وفاته بشهرين. كنا نؤمن بأنّنا نصنع عالماً جديداً على أنقاض خطايا الماضي القريب وأخطائه. كان الزمن السابق إلى "مزبلة التاريخ". ونحن... نحن وحدنا، نفتتح حقبة جديدة في التاريخ. ننزل إلى الشوارع في تظاهراتٍ صاخبةٍ رفضاً لهذا المشروع، متزيّنين بالسلاح، مؤمنين على طول الخط بأنّنا سوف ننتصر، وقريباً جداً. والآن، حمَلة الشعلة الممانِعون لا يريدون سماع كلمة سلام. ومن حظهم أنّ مقرّرات أوسلو فشلت كلّها. فانقضّوا بسلاحهم على السلام انقضاض الذئب على النعجة، بعنجهية المؤمن بصحة "خطه السياسي" وبدوره صانع التاريخ أو باني التحرير.

تقسيم العالم بين معسكرين: واحدة أخرى من نقاط التشابه بين المقاومتَين، هي تلك الثنائية الحادّة المنظّمة لحركة البشر على هذا الكوكب. كما هو حاصل اليوم، مع الممانِع، كان لدى اليساري "خير" يمثله هو، مقابل "شر" يمثله خصومه. وقتها، كان هناك ما يهوِّن هذا الانقسام. العالم كلّه كان يسير على إيقاع الحرب الباردة الدائرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي: الأولى بصفتها "عدوة الشعوب" والثاني "صديق الشعوب".

بقيت الثنائية حيّة في الفكر الممانع، وربما أكثر حدّة من سابقاتها. ظلّ العالم عنده منقسماً بين أميركا عدوة الشعوب وإيران صديقتها، من دون النظر لتحول السوفييت إلى روس قوميين إمبراطوريين. والاثنان، إيران وروسيا، باتا في عداد أعداء الشعوب واقعياً. محتلون أرضها، قاتلون مواطنيها، قاصفون مدارسها ومستشفياتها وأفرانها، محاصِرون، مجوِّعون... متحكّمون بعروشها، متصارعون على نفوذهم في أجهزتها وقياداتها، مشترِكون مع النظام بارتكاب جرائم حرب، أو ساكتون عنها...

كنا في زمن المقاومة اليسارية، نحتقر بلداننا. نراها صغيرةً علينا، فيما نحن ذوو أفق عربي أممي أوسع

احتقار الكيانات القُطرية، إهمالها أو الاستهتار بها، نظراً لكونها "مصْطنعة" ثمرة الاتفاقات بين المستعمِرين السابقين. كنا في زمن المقاومة اليسارية، نحتقر بلداننا. نراها صغيرةً علينا، فيما نحن ذوو أفق عربي أممي أوسع. النشيد الوطني نسخر منه ومن كلماته "المائعة". والعلم الوطني، ننْعت أرْزته بـ"القرْنَبيطة". لا تفعل الممانعة شيئاً مختلفاً عندما تُسقط التفكير في أزماتٍ "محلية" خانقة، أو في إصلاح شيءٍ ما في الأراضي أو الكيانات المهترئة التي تسيطر عليها.

لكنْ ثمّة اختلاف واضح: العلاقة بين المقاوِم اليساري ونظام حافظ الأسد لم تكن على هذه "العضوية" التي تتسم بها العلاقة بين الممانِعين ووريثه بشار. كانت مغمّسة بالدم. لا يمحو آثارها ذلك الالتباس، من أنّ هذا النظام تارة هو "قلعة الصمود" وتارة أخرى هو مصدر قرارات الاغتيال أو الاعتقال أو الخطف لكلّ من تسوّل له نفسه بأن يكون "مستقلاً" بقراره. بل حتى الفصائل الممانِعة تعرّضت، في بداية صعودها، إلى مقتلة على يد النظام السوري. وهذه الواقعة تحديداً: هجوم قوات سورية خاصة على ثكنة فتح الله التابعة لحزب الله عام 1987 في أثناء حرب المخيمات، إذ كان الحزب يدعم الفلسطينيين ضد حركة أمل، التابعة لسورية، والمأمورة وقتها بخوض هذه الحرب. اليوم طبعاً، لا يمكن للمرء أن يتخيّل نوعاً كهذا من الاشتباك. إذ باتَ حزب الله أقوى من النظام السوري، فقُبلته الإيرانية تحتل شيئاً كبيراً من سورية "المفيدة". أي أنّ نظامها أقوى من النظام السوري. هو الذي أنقذه من السقوط. وهذه حصانةٌ لا تتحلّى بها كلّ الأطراف، وإنْ كانت ممانِعة.

العلاقة بين المقاوِم اليساري ونظام حافظ الأسد لم تكن على هذه "العضوية" التي تتسم بها العلاقة بين الممانِعين ووريثه بشار. كانت مغمّسة بالدم

التيار اليساري التقدّمي المقاوِم خسر معركته نهائياً في صيف 1982. التلاحم اللبناني الفلسطيني انتهى، فاختلفت المصائر، بين موزَّع على أنحاء الأرض كافة، أو راضٍ بالإقامة في أيّ دولة عربية، وشتات يتعاظم... كما انهار التيار القومي العربي بعد معركة 1967، كذلك انهار التيار التقدّمي اليساري، فكان فراغ، أملته الثورة الإسلامية الإيرانية، بالذي نعرفه من تأطير وتمويل وتلقين ديني - مذهبي. وتلك المفارقة، من أنّ السلاح بقي على الكتف، بشعاراته وأهدافه وخطابه. لكنّ الأيديولوجيا صارت في مكان آخر، هو النقيض. من يسارية إلى إسلامية.

والأرجح أنّ الأمر لا يختلف كثيراً الآن في فلسطين، بعدما هُزمت "فتح" سلمياً، بأن فشلت مشاريع "أوسلو" التي وقّع عليها ياسر عرفات عام 1993، فصارت "حماس" وعلى يسارها "الجهاد الإسلامي" تحمل ما حمله أوائل الفدائيين الفلسطينيين من سلاح، وتعتنق فكر "الإخوان المسلمين" وتستمد من إيران صواريخها وتقنياتها، ومحكومة بمجاورة مصر وإسرائيل.

قد تستقر العلاقة بين إيران والولايات المتحدة على اتفاق أو افتراق، على النووي وعلى "مناطق النفوذ". ساعتئذ، قد تربح الممانعة أدواراً وسلطة، أو تخسرهما. لكنّها في الحالتين سوف تضعف في ميدان "النضال من أجل تحرير كلّ فلسطين". ومع بداية نهايتها هذه، سوف تُضاف قشرة جديدة على طبقات التجارب التي لم تجرِ مراجعتها، إلاّ لماماً.