مقاومة التطبيع .. تحصين فكرة

15 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

يرسل الأب ابنته إلى سوبرماركت، ويطلب منها شراء خضار وفواكه، يوصيها بشراء الأفوكادو، فوالدته تحب هذه الفاكهة. تذهب البنت، وتعود وقد اشترت جميع الأغراض إلا الأفوكادو، فيسألها والدها عن ذلك، فتردّ البنت إنها فعلا وجدت الفاكهة، وبجودة عالية، لكنها لم تشترها، لأن مصدرها من إسرائيل. يرد الأب على ابنته مستحسنا ما فعلته، ويذهب عند أمه معتذرا، فيشرح لها سبب عدم شراء الأفوكادو، ترد الوالدة إنه لا حاجة لها في فاكهة تأتي من الكيان الصهيوني. .. حدث هذا في باريس. الأب مهاجر منذ عقود، وابنته ولدت في فرنسا، ولا تُحسن اللغة العربية، وتعتبر نفسها فرنسية، لكنها تربت على قيم العدالة ونصرة الحق ومقاطعة الغاشم المحتل، ولا تشتري أيا من منتجات الكيان الصهيوني.

أوقفت الدعوة إلى مقاطعة منتوجات الكيان الصهيوني في 2006 مسار نائبة فرنسية في البرلمان الأوروبي ذات أصول مغربية، بعد اتهامها بمعاداة السامية، مُنعت من الترشح، لكن هذا لم يمنعها من استمرار دعمها للقضية الفلسطينية. وقانون فرنسا يمنع أي انتقاد جريء لدولة الاحتلال الصهيوني وجرائمها، وقد يعتبر جريمةً يعاقب عليها القانون، ما دفع المفكر الفرنسي باسكال بونيفاس إلى تأليف كتابه "هل يمكن انتقاد إسرائيل؟"، وثمّة مقالات تشرح كيفية الانتقاد من دون الوقوع في فخ القانون.

إسرائيل لا تراهن على التطبيع الدبلوماسي، ولا على علاقاتها مع أنظمة عربية وإسلامية معروفة منذ عقود، وإنما على تغيير في العقليات العربية

لم يمنع التطبيع الدبلوماسي، وهو تحصيل حاصل في فرنسا الداعمة لإسرائيل، عديدين من أصحاب الضمائر الحية، ومن أبناء الجيلين الثاني والثالث من أبناء العرب والمسلمين في الغرب، أن يناصروا القضية الفلسطينية بسلاح المقاطعة. وإسرائيل لا تراهن على التطبيع الدبلوماسي، ولا على علاقاتها مع أنظمة عربية وإسلامية معروفة منذ عقود، وإنما على تغيير في العقليات العربية، يمكّنها من اختراق المجتمعات العربية ومنظور هذه المجتمعات إلى طبيعة الصراع، وأهم اختراق تراهن عليه هو الاختراق الثقافي الذي يمهد للاختراقات الأخرى. والغرض من هذا أن يُمحى ضمير الأمة الذي يربي الأجيال الصاعدة على مقاومة الاحتلال، وعلى اعتبار فلسطين أرضا محتلة، وعلى الاعتقاد بوجوب القيام بتحريرها، طال الزمن أم قصر، وعلى منع توارث الفكرة التي دفعت تينك الفرنسيتين إلى مقاطعة إسرائيل. ومن هنا، يمكن القول إن مقاومة التطبيع فكرة قبل أن تكون تربية، وتربية قبل أن تكون خصلة، وهي خصلة قبل أن تكون تصرّفا وحركة، وهي حركةٌ قبل أن تكون خطابا وكلمة. ولذا لا يتعجب المرء من التطبيع الرسمي، بقدر ما يتعجب من التطبيع الشعبي. وإذا كان ذاك مؤطَّرا ومخططا له، ويجد له أصحابه الأعذار والتبريرات، فإن التطبيع الشعبي لا يمكن لأي شخص أن يقنع حتى نفسه بأسبابه ودواعيه، بله بفائدة ومنفعة عامة له.

إذا كان التطبيع الرسمي يتم داخل "قرى محصنة أو من وراء جدر"، فإن التطبيع الشعبي، إذا يحدث، نراه في الأزقة والشوارع، ومن ثمّة مقاومته أسهل بتربية النشء وإعداد الأجيال، ولنا في التاريخ عبرة. من قال إن فلسطين ستتحرّر من الصلبيين، عندما كانوا في أوج قوتهم؟ من قال إن القدس ستتحرّر بعد 88 عاما على الاحتلال الصليبي؟ من قال إن الجزائر ستتحرّر بعد أكثر من 130 سنة من الاستعمار؟ لم يخطر على بال القادة الفرنسيين، وهم يعطون الاستقلال للمغرب وتونس، أن الجزائر لن تبقى أرضا فرنسية، بعد بضع سنوات فقط.

تحصين الفكر، وتحصين الفكرة، هما اللذان دفعا النائب العربي في البرلمان الإسرائيلي (الكنيست)، سامي أبو شحادة، أن يعيب في تدخله من داخل الكنسيت على إماراتيين الدخول في التطبيع، ويقول لأحدهم "إذا لم تستح فاصنع ما شئت"، ويزيد "عيب، عيب، بالعربي هذي اسمها عيب". رجل ولد عاش ويعيش وسط الاحتلال، ويحمل الجنسية الإسرائيلية، درس بالعبرية وينطق بها، يتعامل بالشيكل كل يوم، لكنه لم يُطبّع، لأن الفكرة راسخة في ضميره، ورثها عن أبيه وسيورّثها لأبنائه.

واجب الإعلام الحر، والمنابر الملتزمة، وجمعيات المجتمع المدني، تحصين فكرة مقاومة التطبيع

ومن هنا، يمكن القول إن الحقوق لا تسقط بالتقادم، وإذا فرّط جيلٌ بسبب ضعفه، وتنازل بسبب هوانه، وتعامل عنوة بسبب إكراهه وإكراهاته، أو رغبة بسبب عمالته وخيانته، فعلى المربّين والمثقفين والمؤرخين ألا ينسوا إبقاء جذوة المقاومة حيةً في الضمائر، ولو في أضعف حالتها.

رسّخت فكرة "اليهودي التائه" أن اليهودي التائه مهما تاه تبقى "إريتس إسرائيل" (أرض إسرائيل)، أرض الميعاد، وأن الصعود إليها (علية بالعبرية)، هو الهدف. ومهما اختلف اليهود بين صهاينةٍ يعتقدون بوجوب الصعود الفوري، مع العلم أن أغلب منظّريهم لم يكونوا متدينين، ومن يظن أن التيه قدر من الله، في انتظار مبعث المسيح، فإنهم يتفقون جميعا على مضمون الفكرة. وعليه، الموروث الثقافي، بجانب الدين وطريقة التدين، يلعبان دورا أساسيا في تحصين الفكرة. ومن ثمّة يتضح واجب الإعلام الحر، والمنابر الملتزمة، والضمائر الحية، وجمعيات المجتمع المدني، والمثقفين والأكاديميين والفنانين، في تحصين فكرة مقاومة التطبيع، والسهر على إبلاغها إلى الجيل الحاضر، وتعزيزها في فكره، ومن ثمّة توريثها للأجيال القادمة.