مقامة يرويها السروجي في سيرة حمد بن خليفة
الشيخ حمد بن خليفة في مؤتمر صحفي في قصر الإليزيه بباريس (12/7/2008 Getty)
قال السروجي: ما أكثر ما طوفتُ في البلاد، ورأيتُ من عجيب الزمان ما يملأ الأسماع والأبصار، حتى حسبت أن الدهر لم يعد يخفي عليَّ سرّاً، وأن الأيام قد فرغت من مفاجآتها. غير أنني، لمّا وطئت أرض قطر بعد رحيل أميرها الوالد، أيقنتُ أن للأوطان رجالاً لا تُقاس أعمارهم بما عاشوا، وإنما بما أبقوا.
دخلتُها، فإذا وطنٌ صغيرٌ في جغرافيّته، كبير في حضوره، تسمع اسمه في أقصى الأرض كما تسمعه في أدناها، وترى أثره في المجالس كما تراه في المحافل. فقلتُ: أيُّ رجل غرس هذا الغرْس، حتى أثمر بعد رحيله، وبقيت البلاد تحدّث عنه بلسان حالها قبل مقالها؟
وبينما أنا أطيل النظر في مدينةٍ يختلط فيها البحر بالعمران، والماضي بالغد، إذ لقيت رجلاً وقوراً، تبدو على وجهه ملامح من عاش الحكاية، لا من سمعها. قلت له: ما بال هذا الوطن، كأن كل زاوية فيه تروي سيرة رجل؟ فقال: لأن بعض الرجال يتركون آثارهم في الكتب، وبعضهم يتركونها في الحجر والشجر والبشر. فإذا غابوا، تولت الأوطان رواية سيرتهم. قلت: ومَن هو؟ قال: ذاك حمد بن خليفة.
... فسرنا حتى انتهينا إلى البحر. وكان ساكناً، كأنه يستعيد ذكرى قديمة. قال صاحبي: هنا تبدأ الحكاية. فكم من عينٍ نظرت إلى هذا البحر فرأت ماءً، ونظر إليه هو فرأى مستقبل وطن. لم يخدعه حاضرٌ ضيّق، ولم ترهبه حسابات العاجزين. كان يؤمن بأن الله يفتح للأمم أبواباً لا يراها إلا من أحسن النظر، وأن نعمةً مدفونة في الأعماق قد تكون سبيل أمةٍ إلى الكرامة والاستقلال.
بعض الرجال يتركون آثارهم في الكتب، وبعضهم يتركونها في الحجر والشجر والبشر. فإذا غابوا، تولت الأوطان رواية سيرتهم
قالوا: مخاطرة. وقال: رؤية. قالوا: الطريق طويل. وقال: وما قيمة الطريق إن لم يبلغ المستقبل؟ فمضى، حتى صار ما كان حلماً اقتصاداً، وما كان رجاءً قوة، وما كان مشروعاً أساس دولةٍ تنظر إلى الغد بثقةٍ لا بخوف. فعلمتُ أن الفرق بين الرجل وغيره أن الناس كانوا يرون الواقع، وكان هو يرى ما وراء الواقع.
... ثم تركنا البحر، فإذا المدينة تمتدّ أمامنا. قلتُ: ما أكثر ما تغير! قال: بل ما أكثر ما تحقّق.
البناء لا يبدأ بالحجر، وإنما يبدأ بالفكرة. ولقد كانت قطر في ذهنه أكبر من مساحتها، وأوسع من حدودها، وأبعد من حاضرها.
لم يكن يريد لها أن تكون دولة غنيّة فحسب، بل دولة يلتفت إليها العالم، ويحسب لها حساباً، ويثق بكلمتها إذا قالت، وبوعدها إذا وعدت. ولهذا لم يعد الناس يسألون عن صغرها، بل عن مكانتها. ولم يعد اسمها يقترن بالموقع، بل بالدور.
... ومضينا، حتى وقفنا عند ساحة تلتقي فيها وجوه من شتى الأمم. فقلت: ما الذي جاء بهؤلاء؟ قال: هذه ثمرة الثقة. أما تذكر يوم اجتمع العالم كله في قطر؟ قلت: مونديال 2022. قال: بل تذكَّر ما قبله. فالمونديال لم يولد يوم أعلن عنه، وإنما ولد يوم آمن رجلٌ بأن وطنه قادر على أن يحمل مسؤوليةً ينوء بها الكبار. ولذلك، حين فتحت قطر أبوابها للعالم، لم تكن تستضيف بطولة رياضية فحسب، بل كانت تستقبل شهادة العالم كله، بأنه يثق بهذا الوطن، وبقدرته، وبأهله. فقلتُ: إذن، لم يكن المونديال غاية. قال: بل كان ثمرة. والثمرة لا تُرى إلا إذا نسي الناس الجذور.
الرجال لا يكبرون بالخوف، وإنما يكبرون بالثقة. وكم من قرار استغربه الناس يوم صدر، ثم جاءت الأيام تشرح حكمته
... ثم سلكنا طريقاً آخر، حتى بلغنا مجلساً عامراً، على الرغم من خلوه. قلت: وكيف يكون المجلس عامراً وليس فيه أحد؟ قال: لأن الأرواح لا تغادر الأماكن التي أحبّتها. هنا كان يجلس بين الناس، لا يرفعه منصبٌ عن مجلس، ولا تحول هيبة الحكم بينه وبين بساطة اللقاء. كان سريع البديهة، حاضر النكتة، قريباً من القلوب. إذا دخل مجلساً دخلت معه الألفة. وإذا صافح رجلاً، شعر بأنه يعرفه منذ زمن. وكان يذكر المواقف الصغيرة التي ينساها أصحابها، ويعيد إليها الحياة بعد أعوام، حتى يخجل الناس من قوة ذاكرته، ويعجبوا من وفائه... فعلمت أن الهيبة لا تصنعها المسافات، وإنما تصنعها المحبّة.
... قلتُ: وهل كان هذا شأنه مع رجاله أيضاً؟ قال: بل كان أشد. كان إذا اختار رجلاً، منحه الثقة، ثم ترك له مساحة الإبداع، يتابعه من دون أن يقيده، ويحاسبه من دون أن يخذله. وكان يرى أن الرجال لا يكبرون بالخوف، وإنما يكبرون بالثقة. وكم من قرار استغربه الناس يوم صدر، ثم جاءت الأيام تشرح حكمته... فعرفتُ أن بعد النظر ليس أن ترى البعيد فحسب، بل أن تصبر حتى يراه الناس معك.
... ثم مضينا، حتى بلغنا باباً تتردّد عليه الوجوه، وتختلف عليه اللغات، ويخرُج منه الناس وقد خفّ عنهم بعض ما حملوا.
فقلت: أيُّ مكانٍ هذا؟ قال السروجي: هذا بابٌ عرفت منه الدوحة طريقاً لم تعرفه عواصم كثيرة؛ فإذا ضاقت السبل، وتشابكت العقد، وارتفعت أصوات الخصوم، التفتت الأبصار إلى قطر، لا لأنها كانت أقوى سلاحاً، بل لأنها كانت أصدق كلمة. كان يؤمن بأن الحرب قد تفرض نفسها يوماً، أما السلام فلا يفرضه إلا العقل. ولذلك، لم يجعل من بلاده ساحةً للصراع، بل مائدةً للحوار؛ يجلس إليها المختلفون، ويخرجون منها وقد عرف كلُّ واحدٍ أن للخصومة نهاية، إذا صدقت النيات... فعلمتُ أن المكانة لا تُشترى، وإنما تُبنى، وأن الثقة أعظم ما تملكه الأمم.
... ثم انحرفت بنا الطريق، فإذا مدينةٌ يلفها الحزن، ويحيط بها الركام. قلتُ: أين نحن؟ قال: في غزّة. هنا لم يتكلم الرجل بلسان السياسة، بل بلسان الضمير. لم ينتظر أن تهدأ العاصفة، بل دخل إليها وهي في قلب الحصار، ليقول لأهلها إن الأمة، وإن أثقلتها الجراح، لا تزال تعرف أبناءها. ثم عاد، ولم يتركهم لأحزانهم، بل امتدّت اليد تبني ما هدمته الحرب، وتداوي ما استطاعت من جراحها. فقلتُ: البناء بعد الخراب رسالة. قال: بل هو أصدق الرسائل.
... ثم سرنا قليلاً، فإذا قُرى خرجت من بين الأنقاض، كأنها تتعلم الحياة من جديد. قال: وهذه جنوب لبنان. لم يقف عند دمعة، ولا اكتفى بخطبة، بل رأى أن البيت الذي يعود إليه أهله خيرٌ من ألف خطاب، وأن الحجر إذا عاد إلى مكانه عاد معه شيء من كرامة الإنسان. كان يعرف أن العمران ليس بناء الجدران، وإنما بناء الأمل.
أضاءت الدوحة، فبدت كأنها تروي سيرته من دون أن تنطق
ثم طال بنا السير، حتى وقفنا أمام صورةٍ لرجلٍ يسلم الراية إلى ابنه. فسكت السروجي طويلاً. ثم قال: هنا بلغ الرجل تمام حكمته. فقد رأيت في أسفاري من قاتل ليبلغ الحكم، ومن قاتل ليبقى فيه. أما أن يختار رجل، وهو في عزّ حضوره، أن يسلّم الأمانة بملء إرادته، مطمئناً إلى وطنه، وواثقاً بمن يخلفه، فتلك خصلةٌ لا يهبها الله إلا لقليل. لم يترك منصباً، بل سلّم رسالة. ولم يودّع حكماً. بل ودّع مرحلة، وهو يرى أمامه مرحلةً أخرى أكثر نضجاً واستمراراً. فعلمتُ أن عظمة القائد لا تكون في حسن البداية وحدها، بل في حسن الختام أيضاً.
... ثم قلتُ للسروجي: لقد بلغني نبأ رحيله وأنا خارج الوطن... فسكت. قلتُ: ما أثقل الخبر إذا سبقك إليه البعد. شعرتُ يومها بأن الطريق إلى الدوحة أطول مما عرفتُه في كل أسفاري، وبأنني لا أعود إلى وطنٍ فحسب، بل أعود لأشارك في وداع رجلٍ كان جزءاً من ذاكرة العمر. ولم يكن يؤلمني أنني سأشهد الجنازة، بل كان يؤلمني أنني سأدخل قطر، ولن أجد فيها وجهاً ألفته سنين طويلة. فقال السروجي: وما أقسى أن يعود المرء إلى وطنه، فيجده كامل المكان، ناقص الحضور.
... ثم ابتسمت ابتسامةً خالطتها دمعة، وقلتُ: وقبل أن أغادر، التفتت إليّ حفيدتي، وقالت ببراءةٍ لا تعرف كيف تصوغ الفقد: "هل سيغيب بابا حمد وحين أعود لن يكون في قطر؟ أنا لا أتصوّر هذا الأمر". فما وجدتُ جواباً. ليس لأنني عجزت عن الكلام، بل لأنني، مثلها، لم أكن أتصوّر أن يأتي يومٌ تكون فيه قطر، ولا يكون فيها بابا حمد. فقال السروجي: الطفل لا يعرف التاريخ، ولا يقرأ السياسة، لكنه يعرف من أحبّ. فإذا استعصى على قلبه الصغير أن يتصوّر الغياب، فاعلم أن الرجل لم يسكن القصر وحده، بل سكن وجدان وطن.
بقيت قطر تتحدّث عنه، كلما ارتفع فيها بناء، أو اجتمع فيها حوار، أو علت رايتها بين الأمم
... ثم أقبل الليل، وأضاءت الدوحة، فبدت كأنها تروي سيرته من دون أن تنطق. قال السروجي: أتدري الآن لماذا قلتُ لك إن الكبار لا يموتون؟ قلتُ: أدري. قال: لأن الموت يأخذ الجسد. ولا يأخذ الأثر. وربّ رجلٍ عاش سبعين عاماً، ثم انقضى خبره بانقضاء عمره. وربّ رجلٍ عاش عمراً، ثم وزّعه على وطن، فإذا رحل بقي الوطن يروي حكايته.
ذلك هو حمد بن خليفة. ترك في البحر رؤية. وفي العمران نهضة. وفي السياسة حكمة. وفي الإنسان ثقة. وفي الأمة موقفاً. ثم مضى هادئاً. وبقيت قطر تتحدّث عنه، كلما ارتفع فيها بناء، أو اجتمع فيها حوار، أو علت رايتها بين الأمم.
ثم رفع السروجي بصره إلى السماء وقال: رحم الله رجلاً أحيا وطناً. فأحياه الوطن بعد الرحيل.
______________________________________________
*السروجي في مقامات الحريري شخصية أدبية رمزية، راو جوال، كثير الأسفار، واسع التجربة، يروي ما يشاهده بلغة تجمع الحكمة والأدب