مقاطع من صلاح فضل

24 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

ليس من أعرافنا، نحن أهل الصحافة، أن ننجذب إلى أخبار أهل الأكاديميا والمشتغلين في اختصاصاتٍ معرفيةٍ ضيقةٍ، أو من ينحصر شغلهم في دوائر علماء وباحثين وخبراء ومدرسيين، إلا إذا تأتّى لأحدٍ منهم حضورٌ في المجال العام، وتوالت أخبارٌ له وعنه، تتجاوز العاديّ والمألوف عن نتاجات وبحوث وإصداراتٍ له، ومشاركاتٍ في مناسباتٍ علمية، إلى ما هو مختلفٌ وغريبٌ أو شاذٌّ أو مثيرٌ أو درامي (أو مضحك؟)، وما إلى ذلك من صفاتٍ مثيلةٍ، تُغرينا، في مهنتنا، بالاهتمام بصاحب هذه الأخبار وما يفعله، وما يَشيع بصدده. ولسنواتٍ طويلة، ظلّ أستاذ النقد الأدبي والأدب المقارن في جامعة عين شمس، وفي غير جامعةٍ أجنبيةٍ وعربية، صلاح فضل (82 عاما)، ذلك الدؤوب في درس نظريات النقد الأدبي ومناهجه، فكانت كتبٌ له عن الواقعية وعلم النص (و...) مصادر مهمة، تدلّ على اجتهاداتٍ نابهةٍ لدى الباحث في الأندلسيات والآداب القديمة والحديثة، الناقد بحسّ الذواق المتمكّن من أدوات تحليل النصوص وتفكيكها، حديثةٍ وقديمة. وظل يطلّ على أعمالٍ إبداعيةٍ لأسماء جديدة، ولا تسمع من زملاء من عدة بلادٍ عربيةٍ أشرف فضل على أطاريحهم الجامعية إلا إعجابا به.
بقيت هذه صورة صاحبنا سنوات، ناقدَ الأدب المكين، حتى إذا ما اختار أن يتجاوزَها إلى صورة المثقف صاحب الرأي في الشأن العام، في بلده مصر خصوصا، وبصدد الأسئلة المطروحة أمام الثقافة العربية الراهنة، صرنا أمام صلاح فضل عجيب، لا يكفّ عن إعلان مواقف تخصم من صفته ذلك الأستاذ الجامعي المتمهّل، ليبدو متعجّلا في سيره إلى الإنتحار، عندما يتخلّى عن وظيفة النقد، وهو عارفٌ بها، إلى وظيفة الملتحق بالسلطة الغاشمة، المتجبّرة، بل والسلطة التافهة أيضا. صرت تُصادف له سلوكا تلو آخر يضطرّك إلى أن تتخفّف مما كنت عليها من مقادير الإعجاب به والتقدير له، اسما نقديا وأستاذا جامعيا محترما. ما يجعلك تسأل نفسك ما إذا كان الرجل مضطرّا إلى أن يصنع في نفسه ما يصنع. وتُحدّثُ نفسك، أحيانا، بأن من حق الرائد المبكر في الكتابة عربيا عن البنائية وعلم الأسلوب (وغيرهما) أن يأخذ الموقف السياسي الذي يريد، بل وله أن ينحاز إلى أي نظام سياسيّ يراه مقنعا له، لكنه يذهب في هذا إلى قيعانٍ مخجلةٍ، لا يرضاها له ناقدوه. 
من عجائب في أمر صلاح فضل أن كثرة أخباره باتت تماثل أخبار ممثلات السينما الخفيفات، سيّما وأنه، بعد كل واقعةٍ مستهجنةٍ، تخصّه، يُطنب في بث الكلام تلو الكلام، عساه يفلح في إقناع مشاهديه وقرّائه ومستمعيه بسقطاته التي يقترب بعضُها من الفضيحة. ومن جديد هذه، أخيرا، رضاه بتعيين السلطة في مصر له قائما بأعمال رئيس مجمع اللغة العربية، بعد سقوطه في منافسته الانتخابية مع المرشّح حسين الشافعي (90 عاما)، أي بعد تجرّؤ النظام على نتائج انتخاباتٍ رضي فضل نفسُه المنافسة فيها، وفق أنظمتها، ليكتشف من عندياته، بعد سقوطه، أنه لا تجوز ولايةٌ ثالثةٌ لرئيسٍ تولّى المنصب ولايتين متتاليتن. والمؤكّد أن صاحبنا لو أنه يصدّق كلامه هذا لما بادر إلى المنافسة أصلا، وهو الذي يعرف أن رؤساء سابقين للمجمع انتخبوا لولاياتٍ ثلاث. ومؤسفٌ، ومحزنٌ، أن يذهب صلاح فضل إلى التحريض ضد منافسه الشافعي، بالحديث عن "هوىً إخواني" فيه، فالأدعى أن يترُك هذه اللغة للمخبرين. أما استرساله عن "برنامج" العمل الذي سيؤدّيه في رئاسته، التي ستستمر، بحسب قرار وزير التعليم العالي، حتى إجراء انتخاباتٍ صحيحة (!!)، فلا يمكن تلقيه بغير الإشفاق على صاحبه، فمهما فيه من وجاهة، فإن الصيغة الانقلابية التي وقعت لا تمنح أي كلامٍ من هذا النوع الشرعية والمشروعية.
لم يكتف صلاح فضل بالخرس بشأن فظاعات التمويت في سجون نظام عبد الفتاح السيسي، وبشأن تعديل الدستور الذي مدّد لرئاسة الأخير إلى ما شاء الله (كان صلاح فضل عضوا في لجنة الخمسين التي صاغت الدستور!)، وفي غير أمرٍ وأمرٍ شوهدت مصر فيها في البؤس الذي نرى، لم يكتف ببلع لسانه في هذا كله (وكثيرٍ غيره)، إنما ظل رديئا في الخصومة الفكرية والسياسيه مع مخالفيه. وكان حالُه يدلّ على استصغار نفسِه، لمّا دعا الكتاب المصريين إلى مقاطعة قطر وجوائزها بزعم دعمها الإرهاب. وكم كان كاريكاتيريا وهو يسوّغ توصية لجنة برئاسته في مناقشة رسالة الموسيقار العراقي، نصير شمّة، للماجستير، بمنحه الدكتوراه عليها. وكم كان بالغ الخفة، إبّان عضويته في اللجنة الاستشارية لجائزة القذافي العالمية للآداب، ومقرّرا لها. .. تُراه هذا كله صلاح فضل نفسُه الذي كنّا نتابع ونقرأ أيام زمان ولم نكن نعرفه؟