مفوضيّة الانتخابات ومعارضة التغيير السوري

28 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

ثارت ضجّة كبيرة بوجه رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، نصر الحريري، إثر إنشائه المفوضية الوطنية للانتخابات، بقرار أصدره في 19 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري. وعلى الرغم من وقف العمل بالقرار المذكور، إلا أنّ الحملة ضدّ الائتلاف ورئيسه مستمرة، أقله حتى ساعة كتابة هذه الكلمات.
بعد مضيّ عدّة أيام على بدء حملة التشهير والتخوين تلك، بدأت تتبيّن خيوطٌ أولية تشيرُ إلى أنّ الحرب بدأت من داخل أروقة "الائتلاف" ذاته، عبر تسريب نصّ القرار الداخلي القاضي بإنشاء المفوضية، والذي لا تُنشر أمثاله من القرارات عادة. بدت تلك الحرب ممنهجةً ومبرمجةً لتشمل أكبر وأوسع طيف ممكن من السوريين، وكان لا بدّ من التجييش والتحشيد، عبر افتراض قضايا غير منطقية، وغير قابلة للحصول، حتى ولو أراد أصحابها ذلك، مثل القول برغبة "الائتلاف" بتبييض صفحة نظام الأسد وغسل يديه من دماء السوريين، بمشاركة بشار الأسد في انتخابات 2021، وكأنّ القيام بهذا الأمر يحتاج لإنشاء مفوضية خاصة بالانتخابات!
شارك في الحملة عشراتُ بل مئاتُ الأفراد والكيانات، ولا يمكن اعتبارهم جميعاً متآمرين على "الائتلاف" ورئيسه بكل تأكيد، فمنهم أشخاصٌ مشهود لهم بالنزاهة والثورية، ومن الكيانات ما هو واضح المبادئ والقيم والأهداف. دخل على خط المواجهة أصحاب الأجندات القذرة، مثل هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)، والجيش السوري الإلكتروني، عبر نشر تسجيلاتٍ صوتيةٍ وإشاعات دنيئة، باتت معروفة للقاصي والداني من السوريين. وكانت الحصيلة النهائية تحريك المياه الآسنة، وإخراج رواسب قديمة من قاع تاريخ الثورة ومسيرتها عبر سنوات عشر بين الانتصارات والهزائم، فكانت تلك الحملة بمثابة دعاية مجّانية لـ"الائتلاف"، والخط الجديد الذي يحاول رئيسه انتهاجه منذ تسنّمه مهام منصبه قبل أربعة أشهر تقريباً.
اللافت للنظر أنّ خطوة "الائتلاف"، نقل مقرّه إلى مدينة اعزاز في ريف حلب، قد قوبلت بترحيب وتأييد كثيريْن من قوى مدنية وعسكرية وثورية عديدة في الداخل، لكنها لقيت عدم تجاوبٍ وصل أحياناً إلى التعطيل والصدام من الحكومة السورية المؤقتة التي يُفترض أنّ رئيسها ووزراءها يعيّنهم "الائتلاف" ذاته. كذلك لقيت هذه الخطوة خوفاً وتوجسّاً كبيرين من عدد لا بأس به من أعضاء الهيئة العامة في "الائتلاف"، ومن بعض أعضاء الهيئة السياسية فيه أيضاً.

خطوة "الائتلاف" نقل مقرّه إلى مدينة اعزاز لقيت عدم تجاوبٍ وتعطيل وصدام من الحكومة السورية المؤقتة التي يُفترض أنّ رئيسها ووزراءها يعيّنهم "الائتلاف" ذاته

يمكن تفهّم هذه الصدامات وهذه المخاوف طبعاً، فالحكومة المؤقتة تتحصّل على أموال موازنتها من إيرادات المعابر بين سورية وتركيا، وكذلك قوات الجيش الوطني والمجالس المحلية، وهذا ما سيضعها تحت رقابةٍ مباشرةٍ من "الائتلاف" حال استقراره في الداخل، وقد يؤثر، مع الوقت، على امتيازات المتنفذين فيها. كذلك يمكن تفهّم خوف أعضاء كثيرين في "الائتلاف" من خطوة الانتقال إلى المناطق الداخلية الخارجة عن سيطرة النظام، والخاضعة لحماية تركية مباشرة، فهؤلاء يرغبون بالنضال عن بعد، فهو أسلم وأريح لهم.
الانسياق وراء حملات التخوين والتشهير وافتتاح حفلات الشتائم والسباب ليس أمراً غريباً علينا، نحن السوريين، ففي مقال سابق قارنت بين شعب الجبارين وشعب الشتّامين، وأوضحت أنّ بعضهم يحاول إثبات ذاته من خلال نفي الآخر. وقد عقدت مؤتمراتٌ لإسقاط "الائتلاف"، والحقيقة أنّ بعض المؤتمرين إمّا أنهم كانوا أعضاء فيه أو حاولوا الانتساب إليه أو سيقبلون الدخول فيه إن عُرض عليهم ذلك. وهناك من لا يعترف به، وعندما تسأله كيف تُسقط شرعية من لا تعترف به أصلاً، لا يحيرُ جواباً أو يبدأ حفل الشتائم.

جهاتٌ أخرى لا يجب أن تغيب مشاركاتها في الحرب الدائرة عن البال، فالمنصّات المعارضة التي لا وجود لها في الشارع بطبيعة الحال، وهي تأخذ في هيئة التفاوض مقاعد تزيد بمئات بل بآلاف المرّات عن حجمها الطبيعي، لن يعجبها أن يتميّز "الائتلاف" عنها بالدخول إلى المناطق التي يعيش فيها السوريون الثائرون والمعارضون، لأنّ هذا ببساطةٍ سينقله إلى مرتبة أخرى مرتفعة عنها، وسيجعله أقرب إلى الواقع ونبض الشارع منها. منصّة القاهرة، التي لا يزيد عدد أعضائها عن أصابع اليد، منصّة موسكو التي فرضتها روسيا بحدّ السيف، منصّة الرياض التي لا تزال قيد التشكيل تحت مسمّى "هيئة المستقلين"، وتصارع من أجل الدخول إلى هيئة التفاوض لاحتلال مقاعدها هناك، هيئة التنسيق التي لها بعض الحضور في الواقع، حتى في مناطق سيطرة النظام ومناطق سيطرة قوات سورية الديمقراطية (قسد)، وأخيراً بعض القوى الكردية التي تحاول وضع أقدامها في كل الأماكن، علّها تفوز بنصيبٍ من الكعكة، حتى ولو كانت محروقة. هؤلاء جميعاً يخوضون صراع الإخوة الأعداء، تاركين أعداءهم الحقيقيّين المتمثّلين بالنظام وحلفائه من جهة، وبتنظيم القاعدة وأميرها أبو محمد الجولاني من جهة ثانية، وبحزب العمال الكردستاني وحكومة الأمر الواقع التي يفرضها شمال شرق سورية بالقوة أيضاً من جهة ثالثة.

يفتقد "الائتلاف" الثقافة المؤسّسية التي تحكم أو يجب أن تحكم أي مؤسسةٍ، فلا ولاء ولا انضباط ولا رقابة أو محاسبة بالمعنى الحقيقي والمُجدي للمصطلحات

ليس هذا المقال للدفاع عن "الائتلاف"، بل لتوصيف الواقع المرّ الذي تعيشه سورية وأهلها، فـ"الائتلاف" الذي يفترض فيه أن يترجم نضالات السوريات والسوريين الكبيرة، وتضحياتهم الهائلة، ليس بأفضل حالٍ ممن هاجموه. يفتقر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية لبنية مؤسسية حقيقية، فهو مُصمّمٌ أساساً ليبقى رهينةً بيد مكوّناته التي يتألف منها، فلا يستطيع الفكاك منها، ولا يستطيع بناء مؤسسة وطنية حقيقية. مبدأ المحاصصة الذي أقيمت عليه أساسات هذا الكيان، وآليات التصويت لإنشاء نظامه الأساسي وتعديله، والتحالفات المتغيّرة بين الجماعات التي تتنازعه، وعقلية التكسّب الشخصية، والأنانية المفرطة للكثرة الكاثرة من أعضائه، تجعل إصلاحه مسألةً عسيرةً بكل معنى الكلمة. كذلك يفتقد "الائتلاف" الثقافة المؤسسية التي تحكم أو يجب أن تحكم أي مؤسسةٍ، صغرت أو كبرت، فلا ولاء ولا انضباط ولا رقابة أو محاسبة بالمعنى الحقيقي والمُجدي للمصطلحات.
علينا أن ننتظر معجزة ربّانية، لتنقذنا من هذا الحال المأساوي الذي نعيشه، ومعجزةً أخرى لتمنع عنّا المستقبل القاتم الذي بأيدينا نرسمه، والوقت الآن ليس وقت المعجزات ولا الخرافات. فإن لم ننهض من سباتنا لنصنع التغيير بأيدينا، سنبقى ثورةً بلا أفق، ومعارضةً من ورق، تناطح طواحين الهواء، مثل فرسان دون كيشوت.