مفاوضات فيينا النووية .. حسابات واشنطن وطهران

مفاوضات فيينا النووية .. حسابات واشنطن وطهران المتعارضة

06 ديسمبر 2021
الصورة

أولى جلسات الجولة السابعة لمفاوضات النووي الإيراني في فيينا (29/11/2021/ الأناضول)

+ الخط -

أعلنت الوفود المشاركة في مفاوضات فيينا بشأن البرنامج النووي الإيراني، في الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 2021، تعليقًا مؤقتًا لها، على خلفية خلافات عميقة بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين من جهة، وإيران من جهة أخرى، على أن تُستأنف خلال أيام. وتصرّ طهران على رفع العقوبات الاقتصادية كاملة عنها، والقبول بالتطوّرات التقنية التي حققها برنامجها النووي، خلال السنوات التي أعقبت انسحاب واشنطن، قبل أن تعود لتلتزم ببنود اتفاق 2015. في المقابل، تشترط إدارة جو بايدن أن تلتزم إيران ببنود الاتفاق على نحو كامل، قبل النظر في رفع أي عقوباتٍ عنها. وتهدّد إسرائيل بأنها لن تكون ملزمةً بأي اتفاق مع إيران، وبأنها تحتفظ بخياراتها لإجهاض برنامج طهران النووي. وقد انطلقت مفاوضات فيينا في 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، برئاسة الاتحاد الأوروبي، وعضوية كل من فرنسا وألمانيا وبريطانيا وروسيا والصين وإيران، في حين تشارك الولايات المتحدة فيها على نحوٍ غير مباشر؛ بسبب رفض إيران الجلوس وجهًا إلى وجه معها. 

خلفية الجمود الحالي
تمثل مفاوضات فيينا الحالية الجولة السابعة منذ إعلان إدارة الرئيس جو بايدن، مطلع هذا العام (2021)، رغبتها في العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، عام 2018، بذريعة أنه "لا يمنع إيران من تصنيع قنبلة نووية"، فخلال فترة إلغاء الاتفاق ضاعفت إيران من قدرتها النووية عبر تكثيف عملية تخصيب اليورانيوم. ومنذ ذلك الحين، فرضت إدارة ترامب سلسلة من العقوبات الاقتصادية على إيران، شملت قطاعات النفط والتعدين والمصارف، تحت عنوان "الضغوط القصوى" لإرغامها على القبول بتعديل اتفاق 2015 بضماناتٍ معزّزة تكبح جماح برنامجها النووي وبرنامجها للصواريخ الباليستية، وسياساتها في المنطقة، وهو الأمر الذي رفضته هذه الأخيرة. وفي عام 2019، وبعد فشل الاتحاد الأوروبي، وتحديدًا ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، في توفير آلية بديلة تحمي الشركات الأوروبية من العقوبات الأميركية في حال استمرارها في التعامل الاقتصادي مع إيران، ردّت طهران بالتحلل من أكثر القيود النووية المفروضة عليها بموجب اتفاق 2015، بما في ذلك رفع مستوى تخصيب اليورانيوم بنسبٍ تقترب من المستوى المستخدم لإنتاج سلاح نووي. وكانت المفاوضات استؤنفت في نيسان/ أبريل 2021، حيث خاض الطرفان ستّ جولات منها، حقّقا خلالها تقدّمًا في طريق العودة إلى الاتفاق. ثم توقفت المفاوضات مع انتخاب إدارة جديدة في طهران، ترفض الالتزام بنتائج المفاوضات التي حققتها إدارة الرئيس السابق حسن روحاني.

تصرّ طهران على أن الولايات المتحدة هي من انسحب من الاتفاق أحاديًا، فهي التي ينبغي لها أن تتخذ الخطوة الأولى عبر رفع العقوبات الاقتصادية

حسابات متعارضة
يتمحور الخلاف بين الطرفين، الأميركي والإيراني، بالأساس، حول من يقوم بالخطوة الأولى للعودة إلى الاتفاق النووي؛ إذ تريد إدارة بايدن من إيران أن تعود إلى اتفاق 2015، وتتراجع عن الانتهاكات التي قامت بها لبنوده، شرطًا مسبقًا لرفع العقوبات الاقتصادية الأميركية المتعلقة ببرنامجها النووي. في المقابل، تصرّ طهران على أن الولايات المتحدة هي من انسحب من الاتفاق أحاديًا وأخلّت بالتزاماتها فيه، ومن ثم، فهي التي ينبغي لها أن تتخذ الخطوة الأولى عبر رفع العقوبات الاقتصادية، ثمّ التفاوض حول الالتزامات الإيرانية الجديدة بموجبه. غير أنّ التفاصيل تظهر تعقيدات أكبر، وفيها حسابات متضاربة جذريًا. ويمكن حصر أهم نقاط الخلاف بين الطرفين، الأميركي والإيراني، في أربع:
1.    تطالب الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون أن تستأنف المفاوضات من حيث توقفت في حزيران/ يونيو 2021، ويقول الطرف الأوروبي إن الجولات الستّ السابقة أنجزت ما بين 70-80% من الاتفاق المنشود، إلا أنّ توقف المفاوضات حينها، جرّاء الانتخابات الرئاسية الإيرانية، ثمّ وصول الرئيس الحالي المحافظ، إبراهيم رئيسي، وتجميدها بعد ذلك قرابة ستة أشهر غيّر معطياتٍ كثيرة. ويرى الطرف الأوروبي في المفاوضات النووية، أنّ المفاوضين الإيرانيين الجدد في فيينا قدّموا مسودتين جديدتين بشأن العقوبات الاقتصادية الأميركية، والإجراءات التي ينبغي لإيران اتخاذها من أجل العودة إلى الالتزام بالاتفاق النووي، تتعارضان مع شروط الاتفاق الأصلي، إضافة إلى أنّهما أدخلا "تغييرات كبيرة وجوهرية" على ما كان تمَّ الاتفاق إليه في حزيران/ يونيو 2021 مع مفاوضي حكومة الرئيس روحاني. وأعلن الأوروبيون والأميركيون رفضهم المطالب الإيرانية الجديدة، في ظل حديثٍ عن "إحباط" و"خيبة أمل" وقلق من القدرة على تجسير هوة الخلافات "ضمن إطار زمني واقعي".

حققت إيران قفزات مهمة في تخصيب اليورانيوم، بما في ذلك إعلانها، الشهر الماضي، تخصيب 30 كيلوغرامًا من مخزونها منه بنسبة 60%

2.    إصرار المفاوضين الإيرانيين على ضرورة أن تكون القيود على برنامجهم النووي أقلّ من التي جاءت في الاتفاق الأصلي لعام 2015، ذلك أنّ البرنامج النووي الإيراني حقق قفزات كبيرة منذ عام 2019، وتحديدًا في الأشهر الستة الأخيرة. ويجادل الإيرانيون بأن ثمّة رئيسًا جديدًا منتخبًا، وأنّ قانونًا صدر عن البرلمان الإيراني العام الماضي يُلزم الحكومة برفع نسبة تخصيب اليورانيوم، فضلًا عن استمرار العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران، على عكس ما ينصّ عليه الاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة ترامب، ولم تتراجَع عنها إدارة بايدن. وتذكر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنّ إيران بدأت في تخصيب اليورانيوم بنسبة 20% في منشأة "فوردو" شديدة التحصين قرب مدينة قم، وهي تستخدم في ذلك أجهزة طرد مركزي متطورة كان الاتفاق النووي قد حظرها. في المقابل، تصرّ واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون على ضرورة التزام طهران بنسبة تخصيب لا تزيد على 3.67%، كما ينص الاتفاق النووي لعام 2015، وأن لا تتجاوز مخزوناتها من اليورانيوم 300 كيلوغرام.  
3.    ترى إدارة بايدن أنّ إيران حققت قفزات مهمة في تخصيب اليورانيوم، بما في ذلك إعلانها، الشهر الماضي، تخصيب 30 كيلوغرامًا من مخزونها منه بنسبة 60%، وهو ما يجعلها، نظريًا، قادرة على صناعة سلاح نووي بعد أشهر قليلة فقط؛ لذلك تريد واشنطن تمديد آجال بعض القيود المنصوص عليها في اتفاق 2015 على برنامج إيران النووي التي ينتهي بعضها عام 2025، وهو ما ترفضه طهران. وتطالبها واشنطن بأن تسمح، من دون أيّ قيود، لمراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالدخول إلى كل المواقع النووية في البلاد، وبأن توقف استخدامها أجهزة الطرد المركزي المتطوّرة، وأن تتخلّص من كميات اليورانيوم العالية التخصيب.

تقول واشنطن "إن كل الخيارات على الطاولة" في التعامل مع الملف النووي الإيراني

4.    يطرح الإيرانيون شرطين، تقول إدارة بايدن إنها لن تقبل بهما أبدًا، وهما: أن ترفع الولايات المتحدة جميع العقوبات المفروضة على إيران، حتى تلك التي لا علاقة لها بنشاطاتها النووية. أن تقدّم واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون ضماناتٍ بعدم فرض عقوبات جديدة عليها في المستقبل في حال حدوث تغيير في الإدارة الأميركية، ومجيء رئيس جديد.

ضغوط متبادلة
لا يخفي الطرف الأميركي تشاؤمه من مصير المفاوضات النووية جرّاء الخلاف الواسع مع المواقف الإيرانية. ويرى وزير الخارجية، أنتوني بلنكين، أنّ المؤشّرات لا تبعث على التفاؤل. وفي وقتٍ يحمّل فيه كل طرف الآخر مسؤولية تعثّر المفاوضات، فإنهما لا يتردّدان في تبادل التحذيرات من تداعيات فشلها. وتلوّح الولايات المتحدة بالخطة "ب" في حال فشلت الدبلوماسية، التي تقول إنها تبقى خيارها الأول. في حين تقول إيران إنها ستسرّع خطواتها النووية، بما في ذلك مستويات تخصيب اليورانيوم، إذا لم تُرفع العقوبات الاقتصادية عنها. ويراهن كل طرفٍ على جملة من المعطيات التي يراها في صالحه ليضغط على الطرف الآخر.
وتقول واشنطن "إن كل الخيارات على الطاولة" في التعامل مع الملف النووي الإيراني. ويوضح مسؤول التفاوض الأميركي، روبرت مالي، أنه إذا لم تعد إيران إلى الاتفاق، واستمرت في تسريع وتيرة برنامجها النووي، فستكون هناك ردود أميركية "دبلوماسية وغيرها". وعلى الرغم من أنه لا يوجد تعريف أميركي رسمي وواضح للخطة "ب"، فإنّ مسؤولًا سابقًا في وزارة الخارجية الأميركية يرى أنّ إدارة بايدن بدأت تتحرّك بالفعل نحوها. وتشمل هذه الخطة تكثيفًا للضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على إيران، خصوصًا أنّ هذه الأخيرة تعاني وضعًا اقتصاديًا صعبًا، بما يعنيه ذلك من تنامي الضغوط الشعبية على النظام الحاكم. وتشمل الخطة "ب"، هجماتٍ سيبرانية ضد برنامج إيران النووي ومنشآتها الحيوية، وحتى عمليات عسكرية محدودة، ومحددة، لإلحاق أضرار بهذا البرنامج، بما في ذلك غضّ الطرف عمّا قد تفعله إسرائيل التي تعارض مبدئيًا استئناف المفاوضات مع إيران، وتسعى إلى عرقلتها، وتعلن أنها غير ملزمة بها، حتى إن نجحت.

يزداد الموقف الأميركي صعوبة إذا ما صحّت المزاعم الاستخباراتية التي تروّجها إسرائيل ومفادها أنّ طهران تسعى إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 90%

ومع ذلك، إنّ عملًا عسكريًا ضد إيران لن يكون سهلًا، خصوصًا أنّ إدارة بايدن تعلن، بوضوح، أن تركيزها الأساس منصبٌّ على احتواء الصين الصاعدة عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا، ثمّ روسيا التي تحشد قواتها على الحدود مع أوكرانيا. لذلك، هي تريد استثمار القدرات والموارد الأميركية وتوظيفها، بما يخدم قدرتها على احتواء الصين وروسيا، وليس استنزافها في معارك هامشية. أضف إلى ذلك أنّ شكوكًا فعلية ظهرت تتعلّق بنجاعة أيّ هجمات عسكرية موضعية ضد المواقع النووية الإيرانية الموزّعة على مناطق واسعة والمحصّنة جيدًا.  وأيّ ردّ عسكري إيراني سيقتضي أن تنشر الولايات المتحدة مزيدًا من القدرات العسكرية في المنطقة، وهو ما لا تريده إدارة بايدن. 
ويزداد الموقف الأميركي صعوبة إذا ما صحّت المزاعم الاستخباراتية التي تروّجها إسرائيل ومفادها أنّ طهران تسعى إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 90%، وهو ما يعني أنّ إيران، نظريًا، تقف على أعتاب امتلاك سلاح نووي. وتعتبر إدارة بايدن هذه المزاعم، إن صحّت، "عملًا استفزازيًا"، في حين تنفي إيران ذلك. وتعترف إيران بامتلاكها ثلاثين كيلوغرامًا من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، فضلًا عن تخصيب اليورانيوم الآن بنسبة 20%، وهو ما يعني أنّ إيران قد أنجزت ما نسبته 90% من العمل اللازم لصناعة السلاح النووي. وتذكر تقديرات متخصصة أنّ إيران، اعتمادًا على مخزونها الحالي من اليورانيوم المخصب، تحتاج إلى شهر واحد لصناعة سلاح نووي، في حين أنّ الاتفاق النووي عام 2015 رفع المدة عمليًا إلى سنة. ومع ذلك، ليس من الواضح إن كانت إيران تمتلك حقًا البنية التحية اللازمة لفعل ذلك، على اعتبار أنّ الـ 10% المتبقية لامتلاك سلاح نووي هي الأصعب.

الحقيقة التي لا يمكن أن تغفلها إيران تتمثل بأنّ اقتصادها يئنّ تحت وطأة العقوبات الاقتصادية

وتعتمد إيران في مواجهتها مع واشنطن على تردّد إدارة بايدن في حرف اتجاهها عن الصين وروسيا، والتوجه نحو مواجهة عسكرية معها، لكن هذه قد تكون مجازفةً غير مضمونة العواقب، خصوصًا إذا تدخلت إسرائيل لتجرّ واشنطن إلى صراعٍ أوسع، لا تريده لا هي ولا طهران. 
صحيحٌ أنّ نسب التخصيب العالية لليورانيوم التي حققتها تشكّل عاملَ ضغط على الولايات المتحدة لمحاولة الوصول إلى تسويةٍ دبلوماسية معها، إلا أنّ الحقيقة التي لا يمكن أن تغفلها إيران تتمثل بأنّ اقتصادها يئنّ تحت وطأة العقوبات الاقتصادية. وعلى الرغم من محاولات النظام الإيراني إظهار أنه تكيّف مع العقوبات القاسية عليه وبناء "اقتصاد مقاومة"، مسنودًا بمبيعات النفط إلى الصين، فإنّ تذمرًا شعبيًا واسعًا من الصعوبات التي يواجهها المواطن الإيراني يضع نظام رئيسي في وضع حرج. 

خاتمة
ليس من السهل التنبؤ بالنتيجة التي ستفضي إليها مفاوضات فيينا النووية، خصوصًا في ظل التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، بحيث قد لا تجد الدولتان حافزًا لمساعدة واشنطن في مساعي العودة إلى الاتفاق النووي وإلزام إيران ببنوده مجدّدًا. بل على العكس، قد يجد البلَدان مصلحةً في دفع طهران إلى التصلّب في مواجهة الضغوط الأميركية، على أمل أن يؤدّي تفاقم الأزمة بين واشنطن وطهران إلى تخفيف الضغوط الأميركية على بكين وموسكو. لا يلغي هذا احتمالية أن تحصل تفاهمات ثنائية أميركية - إيرانية، كما حصل في عُمان عام 2013، خصوصًا أنّ إدارة بايدن على عكس سابقتها إدارة ترامب، تبدو جادّةً في تقديم مخرج دبلوماسي لطهران يسمح برفع العقوبات المرتبطة ببرنامجها النووي، بالتزامن مع عودتها إلى تنفيذ التزاماتها المنصوص عليها في اتفاق 2015، مع أنّ هذا الأمر لا يبدو قريبًا بحسب المعطيات الراهنة.