مغتربو لبنان: قضية ومهمّة

مغتربو لبنان: قضية ومهمّة

02 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

من المقرّر مبدئياً إجراء الانتخابات النيابية اللبنانية في 27 مارس/ آذار المقبل، وفقاً للقانون النسبي الذي طُبّق للمرة الأولى في انتخابات 2018. لهذا القانون، كما معظم القوانين السابقة، والتي تمحورت حول النظام الأكثري ضمن تقسيماتٍ إداريةٍ مناطقية، وفي ظلّ تحالفات هجينة سمحت للأحزاب اللبنانية بإعادة إنتاج نفسها مراراً، سلبيات عدة. أبرزها التحكّم باقتراع المغتربين اللبنانيين، ومنعهم من المشاركة التي قد تؤدّي إلى قلب موازين القوى في الداخل اللبناني. يتفاوت عدد المغتربين اللبنانيين، والمتحدّرين من أصول لبنانية، بشدّة بين إحصاء وآخر، فضلاً عن صعوبة تحديد انتماء عديدين منهم دينياً، وهي أساسية في نظام طائفي مقيت. يعود الأمر إلى أن جزءاً من الهجرة اللبنانية بدأ أيام السلطنة العثمانية في القرن الـ19، حين كان لبنان مجرّد جبل لبنان، لا لبنان الحالي الذي تأسس عام 1920، بعد ضمّ مناطق عدة. وكان أبناء تلك المناطق سوريين، وفقاّ لتلك التقسيمات.

دفعت إشكالية انتماء المغتربين اللبنانيين إلى لبنان أو سورية إلى بروز نزاعات طائفية، سمحت، في جزء منها، بعدم إجراء بيروت أي إحصاء سكاني بعد إحصائها الأول والأخير في عام 1932. وظلّت "التقديرات" التي تنشرها الأمم المتحدة أو موقع المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) الأقرب إلى العدد الحقيقي للبنانيين المقيمين، علماً أن في وسع لوائح الشطب التي تصدر قبل كل انتخابات إبراز عدد السكان، وانتماءاتهم الطائفية، بنسبة كبيرة، على الرغم من أن عدداً مهماً من المقيمين مسجلون في لوائح "قيد الدرس"، ما يمنعهم من الحصول على أبسط حقوقهم المدنية والاجتماعية والسياسية.

اعتاد لبنان الاستعانة بمغتربيه في مرحلة ما بعد الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، خصوصاً بعد أن ازداد عددهم بسببها. الدافع الأول أن الميزان الديمغرافي يميل إلى لبنان المهاجر على حساب لبنان المقيم. والثاني يتعلق بجذب الاستثمارات بحجّة "بناء لبنان الذي نعرفه". وهو في الواقع لم نعرفه ولا نعرفه ولن نعرفه، لعدم القدرة على الإجابة على سؤال أبدي: أي لبنان نريد؟

حضرت الإشكالات المرتبطة بالاغتراب اللبناني إلى الواجهة أخيرا، مع خشية معظم الأحزاب اللبنانية من مشاركة هؤلاء في انتخابات مارس المقبل. لا يعود السبب فقط إلى الثقل الديمغرافي للاغتراب، وتحرّره من ترهيب الداخل وترغيبه، ولا إلى احتمال ارتباطه بسياسة الدول التي يسكن فيها إن وُجد، بل خصوصاً إلى الهجرة الكثيفة التي بدأت منذ صيف 2019، وإلى حجز أموال المغتربين في المصارف اللبنانية. هذان العاملان قادران على حشد المغتربين للاقتراع ضد من يظنونه سبباً لأزمتهم، قبل الحديث عن أي عوامل أخرى. وعلى الرغم من مساوئ القانون الانتخابي اللبناني، إلا أن في وسع 10% من المقترعين الإضافيين من المغتربين في كل دائرة انتخابية قلب النتائج التقليدية، وتغيير خريطة البرلمان. فكيف إذا شارك %20 و30% منهم، وحتى 50%؟ ففي انتخابات 2018، كان يحق لنحو مليون مغترب الاقتراع، لكنه تسجّل 92 ألفاً منهم، انتخب نصفهم فقط. تكفي تلك الأرقام، مضافة إلى السخط الشعبي من سياسات النظام اللبناني، للتأكيد على أن "الزلزال الانتخابي" سيكون عنوان انتخابات مارس، في حال سُمح للاغتراب بالتصويت.

ولهذه الأسباب، لن يُسمح للمغتربين بالاقتراع. وسيعترف المجتمع الدولي بأي انتخابات، مهما كانت معلّبة ومركّبة سلفاً، ولن يتطرّق إلى الضغوط التي ستفرض على الناخبين المقيمين، من التهديد بالإقالة من وظائفهم في القطاعين، العام والخاص، أو استغلال الوضع الاقتصادي لتمنينهم بصندوق "إعاشة"، أو دفع قسط مدرسيّ لأولادهم، أو حتى تهديدهم بالاعتداء. في المقابل، سيكون المغتربون أمام تحدّ آخر: كيف يُمكن نقل مزيد من المقيمين إليهم، لأن لبنان أصبح أرض قانون اللاقانون، ولأن النظام يريد البقاء على قيد الحياة على جثث من بقوا، ولأن من دمّر البلاد لن يبنيها.