مغامرة الانتخابات الفلسطينية

مغامرة الانتخابات الفلسطينية

06 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

مع أنّ كلّ عمل أو خطوة أو إجراء ما، ينطوي على قدر من المغامرة، بمعناها الإيجابي، سواء على النطاق الشخصي أو على المستوى العام، إلا أنّ الانتخابات التشريعية الفلسطينية، المقرّرة في 22 مايو/ أيار المقبل، تستحوذ على كلّ ما في مفردة المغامرة من معنى، نظراً إلى افتقار المعنيين بهذه اللعبة الانتخابية القدرة على التحكّم بالنتائج المرجوة، وهذا جيد، أو لضعف اليقين إزاء قبول الجميع بمخرجات صندوق الاقتراع كما هي، ناهيك عن استمرار عقدة القدس الانتخابية المفتوحة على احتمال وقف هذه العملية، أو تعليقها إلى أجل مفتوح.
وفيما كان من المنطقي أن تتركّز الأنظار على الميزان التصويتي بين كلّ من حركتي فتح وحماس، المتنافستين على أصوات الناخبين، وأن تتباين التقديرات والترجيحات بين الحركتين الكبيرتين، انشدّت الأبصار على الفور نحو قوائم حركة فتح الثلاث، وتركزت الاهتمامات والتكهنات على ما قد تؤول إليه النتائج بعيدة المدى، المترتبة على هذا الوضع الانقسامي داخل الجسم السياسي المهيمن على مقاليد السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينتين، فضلاً عن اختلاف الآراء في ما إذا كان تشتت الحركة الأم يعمل لصالحها انتخابياً، أم أنّه يصبّ مزيداً من القمح في طاحونة الحركة المحاصرة في قطاع غزة.
ولعلّ السؤال الذي لا جواب له حتى الآن، ما إذا كانت هذه الانتخابات، المؤجّلة منذ عقد وأزيد، سوف تسهم في دفع الوضع الفلسطيني إلى الأمام، أم أنّها ستزيده سوءاً، لا سيما إذا أتت بمفاجآت غير متوقعة، مثل خسارة "فتح" رهانها على تجديد شرعية النظام الفلسطيني، وزيادة وزنها في المجلس المنتخب، ومن ثمّة تجويد صورتها وتعزيز أهليتها قائدة للمشروع الوطني، أو ما إذا فقدت حركة حماس أغلبيتها المتحققة في آخر انتخابات تشريعية، وقوّضت، جرّاء هذه "المغامرة" غير المحسوبة بدقة، أهم الركائز التي بنت عليها مشروعية سلطة الأمر الواقع في غزة، وطرحت نفسها، من ثمة، بديلاً لقيادة السلطة والمنظمة.
يضاعف من خطورة هذه المغامرة الانتخابية التي أملتها، من جهة أولى، احتياجات داخلية ملحة، وفرضتها من جهة ثانية ضغوط خارجية معلومة، أن المساعي التمهيدية المبكرة لطرفي الأزمة المديدة قد فشلت لأسبابٍ لا حصر لها، إلاّ أنّها نجحت في تحويل الانقسام إلى اقتسام للسلطة، وبالتالي التوافق على إدارة الوضع الداخلي بالحدّ الأدنى من المناكفات المعهودة، حتى لا نقول إنّ الطرفين نجحا في شرعنة الوضع شبه الانفصالي، القائم فعلاً بين الضفة وغزة، وإبقاء العربة أمام الحصان، إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولا.
يستمد الحديث عن "مغامرة" الانتخابات هذه من تقدير موقفٍ مفاده أنّ المجتمع الفلسطيني، باتجاهاته وتفضيلاته وأولوياته المختلفة، قد تبدّل تبدّلاً كبيراً عما كان عليه الحال قبل خمس عشرة سنة، عند إجراء آخر جولة انتخابية، تماماً نحو ما تبدلت إليه الأحوال في البيئة المحيطة، غداة انطلاق أولى موجات الربيع العربي، وهو أمر يمكن ملاحظته من خلال عدة معطيات ملموسة، أولها تسجيل نحو 800 ألف مواطن، من جيل شاب غير مؤطّر حزبياً، ولم يسبق له أن مرّ بتجربة الانتخابات، الأمر الذي لا يمكن معه التنبؤ باختياراته. وثانيها دخول 36 قائمة متنوعة، تضم آلاف المرشّحين، على خط الاقتراع في دائرة نسبية واحدة، وهو أيضاً سابقة فلسطينية غير مسبوقة. وثالثها أنّ التنافس لا يدور هذه المرّة حول البرنامج السياسي مثلاً، أو حتى على العقائد الحزبية، وإنما يحتدم وفق اعتبارات شخصية وحمائلية وجهوية، فيه أقل القليل من الدسم السياسي والحدّ الأدنى من المسوّغات والانتماءات الفصائلية.
وهكذا تبدو الانتخابات الفلسطينية، إن جرت في موعدها، بمثابة مغامرة سياسية لا مفرّ منها، كون الإقدام عليها، قبل تحقيق المصالحة مثلاً، أقل ضرراً من ترك الحبل على غارب وضعٍ يتآكل مع مرور الوقت، وأجدى نفعاً من الوقوع في حالة فراغ داهمة في أيّ لحظة (والأعمار بيد الله)، فيما لن تنجح هذه المغامرة، على الأرجح، في إشفاء النظام السياسي من داء الانقسام الذي قد يتعمّق أكثر، أو في وضع القطار على السكّة، إذ من السذاجة الاعتقاد أنّ "حماس" ستتخلى عن حكمها في قطاع غزة تحت أيّ ظرف، أو أنّ إسرائيل ستمكّنها من السيطرة على الضفة الغربية، حتى وإن حازت على كامل مقاعد المجلس التشريعي، غير أنّ هذه "المغامرة" تبقى، في مطلق الأحوال، الخيار الأقلّ ضرراً من بين كلّ الخيارات المتاحة.

45AB6A9D-38F9-4C2C-B413-9E5293E46C8D
عيسى الشعيبي