مغازي إسقاط عبد الرحمن السيّد ماكينة "أيباك" في ميشيغن

07 اغسطس 2026

عبد الرحمن السيد في ديترويت بعد فوزه ببطاقة الحزب الديمقراطي (5/8/2026 فرانس برس)

كنتُ في فبراير/ شباط الماضي ضيفاً على بودكاست عربي شهير، تحدّثت فيه عن التحوّلات العميقة الجارية أميركياً، وبصورة أخصّ داخل الحزب الديمقراطي، تجاه فلسطين وإسرائيل. ناقشت أدوات مواجهة اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، والمعركة الواقعة بين أنصار الحقّ الفلسطيني وأنصار إسرائيل، والإمكانات والآفاق المتاحة أمامنا، إن أُحسن استثمارها، وإن أجدنا التخطيط والعمل لإحداث تغييرات حقيقية في السياسة الأميركية المنحازة إلى إسرائيل. لا يحتاج الأمر إلى كثير شرح حول ما يعنيه هذا، وما سيترتّب عليه، إن نجحنا في تحقيق هذا الهدف الذي يراه كثيرون مستحيلاً، فالولايات المتحدة وإسرائيل تبدوان أفعى برأسين لا يمكن فصلهما. في الواقع، هذا ما يقوله، بتوصيف مختلف، قادة الدولتَين عن التحالف الوثيق بينهما غير القابل للتفكيك والفصل، وهو التحالف، أو التماهي، الذي مكّن (ويُمكّن) إسرائيل من الاستمرار في جرائمها من دون رادع ولا ناهر.

السيّد ناقد لجرائم الدولة العبرية، خصوصاً حرب الإبادة التي تشنّها في قطاع غزّة، كما أنّه ناقد لتواطؤ أميركا وداعمها لتلك الحرب

في ذلك البودكاست، لم أكن أتكلّم من خلفية أكاديمية وبحثية فحسب، بل من خبرة عملية أيضاً. فعلى مدى 28 عاماً من ثلاثة عقود تامّة عشتها في أميركا، انخرطتُ بفاعلية في النشاط السياسي والشعبي، خصوصاً لمصلحة القضية الفلسطينية، وكنت شاهداً ومشاركاً في التحوّلات الجارية في المشهد الداخلي الأميركي نحو الحقوق الفلسطينية. هذا لا يعني السقوط في فخّ الوهم بأنّ أميركا المؤسّسة أو "الدولة العميقة" إذا استعرنا من القاموس السياسي لدونالد ترامب، ستغيّر لونها وتتخلّى عن إسرائيل، وقد سبق لصاحب هذه السطور أن سطّر غير مقال في "العربي الجديد"، وشرح وفصّل في مقالات ولقاءات مصوّرة، حقيقة العلاقة الأميركية–الإسرائيلية وكنهها وخلفيتها وعمقها وتشابكاتها وتعقيداتها. كما كنتُ فرّقت غير مرّة بين التغيّر في المزاج العام الأميركي نحو إسرائيل وفلسطين والتحوّل في السياسات العامّة الأميركية في هذا السياق. على الرغم من ذلك كلّه، كثيراً ما اتُّهمتُ وغيري من الناشطين الأميركيين من أجل الحقوق الفلسطينية بأنّنا واهمون وبأنّنا نضيّع وقتنا في الجري وراء سراب خلخلة بنى التواطؤ والانحياز الأميركي لمصلحة إسرائيل. شخصياً، لم أتكلّم يوماً في هذا الموضوع من منطلق ترف فكري، بل أزعم أنّ جسدي يحمل كثيراً من جراحات المواجهة مع اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، بل مع الحكومة الأميركية نفسها، وهي المعارك المستمرّة منذ عقدَين، وفيها كثير من الآلام والمرارات، كما فيها انتصارات وإنجازات في ساحات المحاكم وفي حلبة الرأي العام. تلكم قصّة أخرى.
الثلاثاء الماضي، ضجَّ فضاء الأثير الأميركي، كما وسائل الإعلام العالمية، وتحديداً العربية، بأنباء فوز المرشَّح الأميركي العربي المسلم (من أصول مصرية)، عبدول السيّد (أو عبد الرحمن محمّد السيّد)، في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن. وعلى حدِّ وصف السناتور بيرني ساندرز، يمثّل فوز السيّد حدثاً "غير مسبوق حرفياً في التاريخ الأميركي الحديث، (إذ) واجه المؤسّسة الديمقراطية في ميشيغن بأكملها". وهذا توصيف صحيح، مع تعديل بسيط، إذ إنّ السيّد واجه المؤسّسة الديمقراطية، على المستوى الوطني، بأكملها. دع عنك بالطبع اللوبي الصهيوني الأخطبوط. لم تُخفِ المؤسّسة الديمقراطية التقليدية دعمها النائبة هايلي ستيفنز المحسوبة على المؤسّسة ضدّ السيّد المحسوب على التيّار التقدّمي في الحزب. لكنّ الأمور لم تقف عند ذلك الحدِّ، إذ أنفقت لجان سياسية نحو 64.7 مليون دولار لمصلحة ستيفنز مقابل سبعة ملايين دولار فقط لمصلحة السيّد، أي ما نسبته تسعة إلى واحد. وحدها لجنة "مشروع الديمقراطية المتحدة" المرتبطة بلجنة الشؤون العامّة الأميركية – الإسرائيلية (أيباك) ضخّت أكثر من 32 مليون دولار دعماً لستيفنز وتحريضاً على السيّد. ستيفنز نائبة ديمقراطية تجاهر بدعمها إسرائيل، في حين أنّ السيّد ناقد لجرائم الدولة العبرية، خصوصاً حرب الإبادة التي تشنّها في قطاع غزّة، كما أنّه ناقد لتواطؤ أميركا ودعمها لتلك الحرب. لكنّ المفاجأة كانت في أنّ السيّد نجح في توظيف "الأموال السوداء" التي تلقّتها ستيفنز، خصوصاً من اللوبي الصهيوني، ضدّها، متهماً إيّاها بأنّها إن فازت فستكون رهينة مموليها، لا رهينة مصالح ناخبيها.

أيّ تغيير في أميركا يتعلّق بسيرورة الانحياز إلى إسرائيل سيعني تغييراً جوهرياً في قدرة إسرائيل على البطش واستمرار احتلالها

فوز السيّد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي للمنافسة على مقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغن تاريخيٌّ لأسباب عدّة. أولاً، هو أوّل عربي ومسلم أميركي يملك فرصةً حقيقيةً للوصول إلى المجلس الذي لا يوجد فيه أيّ تمثيل للعرب والمسلمين الأميركيين. ثانياً، هو أوّل مرشَّح عن التيّار التقدّمي في الحزب الديمقراطي يفوز في انتخاباته التمهيدية في ولاية متأرجحة، وليس في ولاية ديمقراطية زرقاء عميقة مثل نيوجيرسي ونيويورك وفيرمونت. ثالثاً، أكّد فوزه بالترشيح ما نعلمه منذ حين، وتؤكّده المعطيات حول تنامي نبذ إسرائيل ولوبيها بين قواعد الحزب الديمقراطي، وهو أمر سبق أن شرحتُه في مقال سابق ("كيف أصبحت إسرائيل عبئاً انتخابيّاً على الديمقراطيين"، "العربي الجديد"، 3/7/2026). صحيح أنّ فوز السيّد كان صعباً وبنقطة مئوية واحدة، ولكنّه هزم المؤسَّستين، الوطنية والولائية للحزب الديمقراطي. كما أنّه نجح في كسر نفوذ "المال الأسود" عبر التركيز على برنامج يشمل "الرعاية الصحّية للجميع"، وإنهاء المساعدات العسكرية لإسرائيل، وإصلاح تمويل الحملات الانتخابية. بمعنى أنّ ناخبين أميركيين كثيرين ملّوا من رهن مستواهم المعيشي وأمنهم وأمن بلادهم لكيان طفيلي: إسرائيل. هذا لا يعني أنّ طريق السيّد إلى النجاح في الانتخابات العامّة، بعد ثلاثة أشهر، مضمون، فميشيغن ولاية متأرجحة، والحزب الديمقراطي مُنقسَم بشأنه، والمرشَّح الجمهوري مايك روجرز يحظى بدعم ماليٍّ هائل من الحزب الجمهوري، إضافةً إلى "أيباك" التي أعلنت أنّها ستضخّ عشرات الملايين من الدولارات لمصلحة حملته. هذا فضلاً عن لجوء الجمهوريين وأنصار إسرائيل إلى خطاب إسلاموفوبي تحريضي ضدّ السيّد والعرب والمسلمين الأميركيين بصورة عامّة.
وعلى الرغم من التحدّيات كلّها التي ما زالت تعترض طريق السيّد وفرصه للفوز في الانتخابات العامّة، إلّا أنّ الثابت الوحيد هو أنّ إسرائيل أصبحت قضيةً خلافيةً أميركياً، وأنّ جدار الدعم الفولاذي لها يتضعضع، وأنّ لوبيها أصبح مضطراً إلى أن يدافع عن معاقل كان يظنّها محصّنة من قبل. وإذا عدت إلى تجربتي العملية الشخصية في أميركا في هذا الصدد، فيمكنني أن أضع ملخّصاً لها مفاده، أنّ إمكان التغيير السياسي لمصلحة فلسطين قائم، وإن كان صعباً. ولكنّ الأحرى بنا أن نموت ونحن نحاول أن نُخذّل عن شعب فلسطين ما استطعنا، فأميركا المؤسّسة هي صنو إسرائيل في العدوان عليهم، وأيّ تغيير في أميركا في سيرورة الانحياز إلى إسرائيل سيعني تغييراً جوهرياً في قدرة إسرائيل على البطش واستمرار احتلالها وعدوانها. أمّا اليائسون، البائسون، مستشرفو الفشل، فإنّ مصيرهم هو الفشل. الكارثة، إن مكّنّاهم من أن يُفشِلونا ويُيئِسونا معهم.