مع التدويل لا معنى للحياد .. في لبنان

مع التدويل لا معنى للحياد .. في لبنان

25 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

قبل نشأته، قبل استقلاله، ولبنان يدوَّل ويعرَّب. فرنسيون، بريطانيون، روس، مصريون، في ظل العثمانيين، أصلاً. ثم من بعدهم، الأميركيون، السوفيات، مصريون أيضاً، سعوديون، بجرعاتٍ متفاوتة، وإسرائيل طبعاً وتدويلها الخاص سياسة لبنان، منذ نشأتها. هذا كي لا نذكر صغار المدوِّلين أو متوسطيهم، على اختلاف درجاتهم. وفي أيامنا السوداء هذه، لبنان مدوَّل كما لم يكُن من قبل. وأصحاب الأدوار فيه، ممن يسمّون "مسؤولين"، موزّعون الآن بين محاور التدويل المتصارعة على "ساحته".

والفرق بين قائد مسيرتنا، حسن نصر الله، اليوم، وأسلافه من أصحاب الأدوار الأكبر، أنّ الحكم نفسه، في ظلّه، جُرِّد من معانيه، وأصبح تحكّماً، "تسَلْبُطاً": يفشل، ينجح، يملي أوامر اليوم، يوجّه الخيارات، يُنزل مليشياته المسلحة إلى العاصمة، يعطّل المؤسسات والقوانين... إلى ما هنالك من أشكال اللا حُكم. وهو بذلك أقوى المدوّلين المحليين. بسلاحه الذي ولّد عشرات من الأسلحة الأخرى. وبالإعلان صراحةً أنّ وجه تدويله من وجه إيران، بوليّها الفقيه وحرسها الثوري.

لبنان الفقير بموارده كان عليه أن يخترع لنفسه نظاماً آخر من السياسة والاقتصاد، لا يفرِّق بين مواطن وآخر، بين أبناء طائفة وأخرى

قبل حسن نصر الله وحزب الله، كان لبنان يدوَّل بما يواكب تطورات العالم والمنطقة. كلّ قوي من الغرب وقليل من الشرق، وبعضه مقاوِل بالباطن، كان يلعب في الملعب اللبناني. وكلّ مرّة، بواسطة أبناء هذه الطائفة أو تلك... للحماية، للحرية، للازدهار. هذا التدويل التاريخي لم يجلب النعمات والرخاء وحسب، بل كان ينعكس كلّ مرة على لبنان اهتزازاً، واضطراباً، وحروباً أهلية مصغَّرة ومكبَّرة... كلّما مرّت تطورات العالم بمنعطفات تغيّر من موازينها.

مع ذلك، ولا مرّة بلغَ التدويل اللبناني حدّ تجويع الشعب اللبناني، وتركيعه أمام لقمة عيشه. حتى في ذروة الحرب الأهلية، وعدا عن انقطاعات ظرفية، لم يصل الفقر إلى ما بلغه الآن في لبنان. ولا جاع اللبنانيون، كما يجوعون اليوم. جوعٌ دفع حسن نصر الله إلى الطلب من أثريائه بأن يتبرّعوا لفقرائه بما فاض عنهم. أن يُحسنوا إليهم، أن يعطفوا عليهم. وهذا إقرار بأننا تحوّلنا إلى شعب من الشحّاذين.

ولئن كان حزب الله يحتجّ على مبادرة البطريرك الماروني بشارة الراعي، الداعية إلى التدويل، فالأجدر به أن ينظر إلى نفسه، وينصت إلى أيّ "تحليل"، أيّ "نقاش" جدّي أو غير جدّي للمعضلة اللبنانية، بأنّ الأمر كلّه مرهون بالمفاوضات الأميركية - الإيرانية. أكثر من ذلك: حزب الله وقائدته إيران يبنيان آمالاً كبيرة على الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، لعلّه يزيل العقوبات، ولعلّه يجنّب إيران مراجعة امتداداتها الإقليمية، فلا يضع تدخلها المليشياوي في سورية، ولبنان، موضع سؤال... أليس هذا اسمه تدويلاً؟ إن لم يكن كذلك، فما اسمه؟

إن كان حزب الله يحتجّ على مبادرة البطريرك بشارة الراعي، الداعية إلى التدويل، فالأجدر به أن ينظر إلى نفسه

المهم الآن، وبصرف النظر عن لعبة "طاقية الإخفاء" التي يجيدها نصر الله، نحن أمام واقعة تدويل من نوع جديد، تختلف عما سبقها. الطرف الجديد المهْيمن "على الأرض"، من بين الأطراف الأخرى، هو طرفٌ "شرقي"، يريد أن يناظر، عبر لبنان، الطرف الغربي الأقوى، أي الولايات المتحدة. وهذا أمر جديد على أرضنا. ونتائجه بالتالي تختلف عن تلك التدويلات السابقة عليه، الغربية. مع التدويل الغربي لم نفقر. ومع الشرقي هذا، نحن في مهوار الفقر السريع.

لماذا؟ لماذا كان التدويل الإيراني مبعثاً للعوز والجوع؟ عكس التدويلات الأخرى؟ لأنّ إيران، الدولة الأم لحزب الله فقيرة. غالبية سكانها فقراء. لا يستطيعون، مثلاً، لكي يعوّضوا عن حرمان لبنان من السياحة الخليجية السخيّة، أن يتسيّحوا هم بدلاً منهم. هم بالكاد يتكبّدون كلفة زياراتهم الدينية، الممولّة من المحْسنين ربما، والمؤطّرة، الموجّهة، وذات المصاريف المحسوبة. وهم أيضاً، أي الإيرانيون، ليس في وسعهم ان يجذبوا المطرودين من العمل في الخليج، أو المحرومين منه، أو الممنوعين عليه، ولا أولئك المسدودة في وجوههم جامعات بلادهم، والتواقين إلى الدراسة في بلدان الغرب، لا في إيران. أو الطافشين من لبنان، والذين لا يخطر في بالهم أن يهاجروا إلى إيران.

بانتظار ان يفضي الإشتباك الإيراني - الأميركي إلى نتيجة، أو من دون هذا الانتظار، سيبقى لبنان "ساحة" لتدويلٍ لم يعُد مقنّعاً

بطالة وفقر كما في لبنان. ليس لأنّ إيران فقيرة بالموارد، فهي غنية، بل لأنّ كلّ ما تعرف أن تصدّره إلى محمياتها هو الصواريخ والمال. تذوب هذه الأموال في النشاط العسكري والعقائدي والإعلامي، ورواتب الحزبيين و"المجاهدين" وعوائل "الشهداء"... إلخ. وليس في مقدور إيران، بعد كلّ هذه التكاليف، وهي تحت العقوبات، أن تعِدنا بمؤتمر "مانحين"، ينقذ لبنان من الفناء. هي بالكاد في سورية، تخلّص نفسها مع الروس. وصراعها معهم على حصتها وقف على ما تجْنيه مليشياتها ومخازنها العسكرية من ضربات إسرائيل. ثم إنّ القاعدة الذهبية لحكام إيران وفقاً للأيديولوجيا الإيرانية، ليست رفاهية الشعوب، ورخاءها، لكي لا نقول سعادتها، بعدما أطّرَها حكام إيران في بكائياتٍ خالدة، مدعومة برصيدها في "محاربة" الإمبريالية والصهيونية، حتى لو كانت هذه الشعوب مهلهْلة، فاقدة للرغبة بـ"محاربةٍ" كهذه، حالمة بحياة هانئة، مستقرّة، مكْتفية. يقابلها فاسدون، أثرياء "حرس ثوري" جدد - قدماء، تجار الفقر والموت... ولا تهتز شعرة نظامهم، طالما أنّ الأفواه مكمّمة، والإحسان والصدَقة يلجمان آفات الفقر إعلامياً.

تماماً، كما فعل نصر الله في كلمته أخيراً: على الشعب اللبناني المنكوب أن يستدير نحو التسوّل والاستعطاف. كلّ هذا لا يهمّ، طالما أنّ حزب الله ممْسِك بالخيوط العريضة. ويتعاظم شأنه، ويمتد دولياً: الرئيس الفرنسي خصص بضع دقائق للتكلم جانبياً مع ممثل كتلة حزب الله النيابية. والروس استقبلوا هذا الأخير أربعين دقيقة، فسجّل الحزب بذلك "تثبيتاً للانتصار السياسي بعد الانتصار العسكري في سورية" (هذا هو عنوان مقال في صحيفة الممانعة شبه الرسمية، في تغطيتها زيارة وفد حزب الله أخيراً موسكو). وهذا كلّه والفرنسيون والروس "ليسوا بمتدخِّلين". والدليل على عدم تدخّلهم أنّهم يدعون الأطراف الأخرى، المنافِسة، إلى "عدم التدخل في شؤون لبنان".

في هذا السياق بالذات، تأتي مبادرة البطريرك بشارة الراعي، الداعية إلى التدويل والحياد. والأخير، أي الحياد، لا معنى له مع التدويل، فالتدويل تدخل في شؤون لبنان، والحياد يعني الامتناع عن اتخاذ موقف "خارجي"، حفاظاً على المصالح الوطنية. لكن، عندما تكون مصالح "المدوِّلين" الاقتصادية، الجيوسياسية... إلخ، متناقضة مع مبادئ الحياد هذه، كيف سيتحقّق الحياد؟ وكيف ستُقاس "المصالح"؟

الراعي يستعين بالغرب، المتدخِّل أصلاً، لكن بتواضع، إلى رفع درجة أريَحيته. أي تدويل مقابل تدويل

 

لكنّنا الآن، أولاً، في التدويل. ماذا يريد البطريرك بشارة الراعي؟ تدويل القضية اللبنانية، وبدفع من الفاتيكان الذي لا يخرج عن الغرب عموماً. حسناً. نحن هنا أمام معادلة واقعية (من واقع)، وإن لم نكن عارفين بخباياها الدبلوماسية وقنواتها المتفرعة. وقِوام هذه المعادلة أنّ حزب الله متورِّط في التدويل حتى أذُنَيه، من الأساس. وخصومه أيضاً متورّطون في التدويل. واحد شرقاً والآخر غرباً. والفرق بين الطرفَين أنّ الحزب أقوى منهم، تمويلاً وتنظيماً، وأكثر احتضاناً من بيئته المباشرة. ولذلك كفّته هي الغالبة، فيما خصومه مدوّلون بعيارات ضعيفة. ومبادرة بشارة الراعي الداعية حزب الله إلى التخلّي عن سلاحه، تبدو بعد ذلك، كأنّها تهدف إلى تعديل الكفّة، وربما أكثر. أي إنّ الراعي يستعين بالغرب، المتدخِّل أصلاً، لكن بتواضع، إلى رفع درجة أريَحيته. أي تدويل مقابل تدويل.

وبانتظار ان يفضي الاشتباك الإيراني - الأميركي إلى نتيجة، أو من دون هذا الانتظار، سيبقى لبنان "ساحة" لتدويلٍ لم يعُد مقنّعاً. حتى تستقر موازين القوى بين اللاعبيْن، الإيراني والأميركي، وربما الأميركي والصيني، وننْعم نحن ببرَكة وقف نزولنا إلى الجحيم الأقصى.

كل هذا مكتوب له أن يستمر. لبنان الفقير بموارده كان عليه أن يخترع لنفسه نظاماً آخر من السياسة والاقتصاد، لا يفرِّق بين مواطن وآخر، بين أبناء طائفة وأخرى، فلا يحتاج الضعيف فيه للاستقواء بالخارج. نظام مساواة، تعدديا. بدلا من نظام لا يمكن أن يستمر إلاّ بتدخّل دولي، أو إقليمي "مغطّى دولياً"، كما يقولون. وهذا حلّ جذريٌّ لمعضلةٍ لا تقلّ جذرية.