معنى أن تكون "وطنيّاً" في أيامنا
(أسعد عرابي)
تقوم فكرة "اللجنة" أو الذباب الإلكتروني، كما يسمّونها، على تجنيد مجموعات منظّمة من "الأنفار" في مواقع التواصل الاجتماعي، وتوجيه خطاباتهم عبر أجهزة الدولة لصناعة الرضا الكاذب أو السخط الكاذب أو ترويج سرديات بعينها، تخدم مصالح الدولة التي تدفع، مديحاً أو تشويهاً وانتهاكاً. وقد أثبتت فكرة اللجان فاعليتها في معركة الأنظمة العربية مع ثورات شعوبها، وتحوّلت سردية الثورة إلى ما أرادت الأنظمة الاستبدادية التي قامت الثورات لإزاحتها، الأمر الذي وصل في بعض الدول (مصر وسورية مثلاً) إلى تماهي قطاع كبير من نخب التيار الديمقراطي مع سرديات الأنظمة الاستبدادية، السابقة والحالية، والتطوّع لخدمتها في إنتاج خطابات يحتال فيها الكاتب على انحيازاته السابقة، تماهياً مع سلطة الأمر الواقع، خوفاً من مزايداتها، أو طمعاً في العودة إلى حظيرتها.
من هنا، ومن محطة الثورات العربية تحديداً، أنفقت بعض دول المنطقة (وما زالت) عشرات الملايين من الدولارات على لجانها، لمواجهة تحدّيات العالم الرقمي، بوصفها تهديداً أمنياً ووجودياً، وأشارت تقارير إلى السعودية ومصر، بوصفهما الأكثر إنفاقاً عربياً في هذا المجال، وهو أمر ليس في وسع أحدٍ أن ينكره، فهو واضح في منصّات التواصل الاجتماعي، كما أن الرئيس المصري نفسه اعترف به، وبأريحية يُحسد عليها، حين تحدّث عن الكتائب الإلكترونية، وقدرتها على "قفل الدائرة"، فلا سبيل هنا إلى الادعاء بأن الخطابات التي تتحرّك فيها آلاف الحسابات في وقت واحد، وبخطاب واحد، عفوية، ولا يعني نجاح هذه الخطابات في إثارة نعرات طائفية أو عنصرية لدى قطاع من "الجمهور العادي" أن هذا هو الأصل في مشاعر الجماهير أو ثقافتها أو توجهاتها أو انحيازاتها، فقد بات "حيونة" البشر علماً وصناعة، خصوصاً لدى أنظمة لا ترى في محكوميها سوى مصفّقين "وطنيين" أو خونة، ومن ثمّ فلا بأس من توظيفهم في الحالتَيْن.
من هنا يمكننا فهم هوجة التراشق في مواقع التواصل بين لجان النظام في السعودية وحلفائها من ناحية، ولجان النظام المصري من ناحية أخرى، وهو التراشق الذي تشكّل لجانُ النظامَيْن نواته الأساسية، ومصدر أحجاره التي تنتج بقوة الأشياء دوائر سجالٍ مُسمَّمة، لا تخلو من متطوّعين نجحت لجانهم، أو لجان الطرف الآخر، في تسخينهم. وليس السؤال هنا "مَن فعلها؟"، لأن الإجابة التي يعرفها من يعيشون معنا، في هذه المنطقة وفي هذه الدنيا، هي الأنظمة، ولكن لماذا؟ لمصلحة مَن؟
لا أحد يملك "المعلومة" سوى الأنظمة، ومن ثمّ تنطلق التحليلات، مهما بدت منطقية، على أرضية غير ثابتة، ولا أرى شيئاً يستحقّ وصف "الثبات"، هنا والآن، سوى غزّة، وقدرتها على أن تكون "معياراً" سياسياً وأخلاقياً، يتجاوز قدرات الأنظمة العربية في الكذب والتزوير والتضليل، كما أنها (في تقدير الكاتب) تبدو أحد أهم أسباب تراشق هذه "الدكاكين" التي انكشفت أحجامها الحقيقية في اختبار غزّة، كما انكشفت سردياتها نفسها، وتحالفاتها (مع العدو)، وقيمة هذه التحالفات للقضية الفلسطينية، إلى آخر هذه الخطابيات التي لم تكن يوماً "واقعية" إلا في تعبيرها عن أصحابها.
تشير تحليلات إلى رفض مصر ما اعتبرته السعودية وغيرها فرصة للتخلّص من حركة حماس. لا شيء هنا أخلاقي أو أيديولوجي، فالنظام المصري الحالي يتعامل مع "حماس" ببراغماتية ميدانية، ترى في المقاومة المسلّحة، أيّاً كان موقعها الأيديولوجي، خطّ دفاع أول عن الحدود المصرية، وترى في إضعافها أو نزع سلاحها أو التخلّص منها، فرصة العدو في مزيد من الاجتياح للمنطقة، وتهديد أمنها، الأمر الذي يخصّ مصر، ولا يخصّ الآخرين، وفق تصوراتهم. ثمة بُعد آخر لهذه الغزوة الإلكترونية، لا يمكن إغفاله، وهو أن الشعوب التي كانت حتى وقت قريب مع غزّة ضدّ الجميع، باتت مع أنظمتها ضدّ بعضها بعضاً، وتراجعت غزّة، التي لم تنته حرب الإبادة فيها بعد، كما تراجع غيرها (الفاشر في السودان مثلاً)، إذ لا صوت يعلو فوق صوت القبيلة... هذا هو معنى أن تكون "وطنيّاً" في أيامنا.