معضلة المرتزقة في ليبيا

29 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

نجحت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا، بقيادة ستيفاني ويليامز، في تحقيق اختراقات مهمّة في الأزمة الليبية، فتمكّنت في فترة قصيرة من تجميع الفرقاء الليبيين وإذابة الجليد بينهم، وعقدت جلسات تفاوض مثمرة في برلين، وجنيف، وبوزنيقة، وغدامس، وتونس، رسّخت وقف إطلاق النار، والتوجّه نحو بلورة حلّ سياسي جامع، وأفضت إلى اتّفاق أطراف الأزمة على تنظيم انتخابات تشريعيّة ورئاسية في ديسمبر/ كانون الأول2021. لكنّ التطوّر المشهود على الصعيد الدبلوماسي لم يواكبه تحوّل نوعي على الأرض، فما زالت البلاد محكومة إداريا بحكومتين، إحداهما في الشرق وأخرى في الغرب. وما زال يسود البلاد "جيْشان"، أحدهما مدين بالولاء للواء المتقاعد خليفة حفتر، والآخر موال لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوْليا. يُضاف إلى ذلك أنّ المقاتلين الأجانب ما زالوا فاعلين في المشهد الليبي، يستعين بهم كلّ طرفٍ لتثبيت وجوده على الأرض، ويستند إليهم استعدادا لاحتمال اندلاع الحرب من جديد. ويُمثّل استمرار وجود المرتزقة في الساحة الليبية خطرا قائما يُهدّد سيرورة العملية السياسية والسلم الاجتماعي. مدار السؤال هنا: ما هو الوضع القانوني للمرتزقة ؟ وما هي تداعيات انخراطهم في معترك الأزمة الليبية؟

ما زالت ليبيا محكومة إداريا بحكومتين، و"جيْشين"، يدين أحدهما لخليفة  حفتر، والآخر موال لحكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوْليا

عرّفت المادة 247 من بروتوكول1977 الملحق باتفاقيات جنيف لسنة 1949 المرتزق بأنّه "أي شخص يجري تجنيده خصيصاً محلياً أو في الخارج ليقاتل في نزاع مسلح، ويُشارك فعلاً ومباشرة في الأعمال العدائية، ويحفّزه للاشتراك في ذلك الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويُبْذل له فعلاً من طرف في النزاع أو نيابة عنه، وعد بتعويض مادي، يتجاوز بإفراط ما يُوعد به المقاتلون (...) في القوات المسلحة الرسمية، وهو ليس من رعايا أي طرفٍ في النزاع، ولا مواطناً مقيماً في إقليم يُسيطر عليه أحد طرفي النزاع، وليس عضواً في القوات المسلحة لأحد طرفي النزاع، وليس موفداً في مهمة رسمية من دولةٍ ليست طرفاً في النزاع بوصفه عضواً في قواتها المسلحة". "ولا يحقّ له التمتع بوضع المقاتل الرسمي أو أسير الحرْب". (المادة /147). ومن ثمّة، المرتزق شخص وصولي، مأجور، ومقاتل غير نظامي، خارج عن القانون. وجاء في ديباجة الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم الصادرة عن الأمم المتحدة أنّ "تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم للقيام بأنشطة ينتهك مبادئ القانون الدولي مثل المساواة في السيادة والاستقلال السياسي والسلامة الإقليمية للدول وحق الشعوب في تقرير المصير" (...)، و"أي شخص يرتكب أيّا من هذه الجرائم ينبغي إما أن يُحاكَم أو يُسلّم" )المادّة1/3 ( "وكل مرتزقٍ يشترك في أعمال عدائية (...) يرتكب جريمة (...)، ويحقّ لأيّ دولة طرف يوجد في إقليمها (...) حبسه وفقاً لقوانينها أو اتخاذ تدابير جنائية أو إجراءات تسليم في شأنه."(المادّة 01/10).

تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم للقيام بأنشطة ينتهك مبادئ القانون الدولي

وتفيد تقارير متواترة، لمنظّمات حقوقية ومراكز بحثية موثوقة، بأنّ ليبيا أصبحت وجهة مفضّلة لآلاف المرتزقة الذين يعملون لحسابهم الشخصي أو لحساب شركات أمنية خاصّة متعدّدة الجنسيات. وتعزّز حضور المقاتلين الأجانب مع اندلاع الحرب العبثية التي شنّها اللواء المتقاعد خليفة حفتر على طرابلس، في 4 إبريل/ نيسان 2019، بغاية إطاحة نواة الدولة المدنية في البلاد وإقامة حكم عسكري بديل عنها. ويبدو أنّ "معركة الفتح المبين" التي أعلنها خليفة حفتر لدخول العاصمة بقوّة السلاح استنزفت الكتائب القبلية الليبية الموالية له، وكلّفته خسائر فادحة في العدد والعُدّة، ودفعه ذلك إلى استقدام آلاف المقاتلين الأجانب لتعزيز جبهته القتالية، ودفع بمعظمهم إلى الخطوط الأمامية. وجلّهم من الجنجويد السودانيين، ومن السوريين، والمصريين والتشاديين (حوالي 6000). والتحق أغلبهم بصفوف المرتزقة في الحرب الأهلية الليبية، بسبب أوضاعهم المعيشية المتدهورة ومعاناتهم الخصاصة والبطالة في بلادهم، أو بسبب عدم قناعتهم بمِهَنِهم المتواضعة في بلدانهم، وشوقهم إلى الحصول على رواتب عالية، أغرتْهم وزيّنت لهم الانخراط في أتون حرْب دامية كلّفت بعضهم حياتهم (بين 1000 و1500 دولار شهريا). كما استعانت المجموعات المسلّحة الموالية لحفتر بمرتزقة من شركة "فاغنر" العسكرية الروسية الخاصّة (بين1200 و1600منتدَب)، المعروفة بخبرة عناصرها، وبانخراطها في بؤر التوتّر في سورية، والقرم، وأوكرانيا، ودول أفريقية. ويمتهن أفرادها القتال برّا وبحرا وجوا. ويتقاضون مبالغ خيالية (بين 2300 دولار شهريا مقابل خدمات لوجستية و5000 دولار شهريا مقابل المشاركة في عمليات قتالية مباشرة). وكشفت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) التابعة لوزارة الدفاع الأميركية من خلال تقارير موثّقة بالصور حركة مكثفة لعناصر "فاغنر" في التراب الليبي، في أثناء معركة الفتح المبين وبعدها. واضطلعوا بدور فعال في فرض طوقٍ محكمٍ على العاصمة طرابلس. لكنهم لم يفلحوا في اقتحامها لما وجدوه من صد وضراوة في القتال من قوات "بركان الغضب" التابعة لحكومة الوفاق الوطني. وكان لهم دور بارز في قيادة طائرات روسية الصنع في حوزة كتائب حفتر وإصلاحها وصيانتها. يضاف إلى ذلك أنهم قاموا بتأمين تراجع قوات حفتر من حول طرابلس، ليتمركزوا لاحقا في الجفرة وسرت ومنطقة الهلال النفطي. ويذكر أنهم درّبوا جنود حفتر على استخدام الأسلحة الثقيلة ومنظومات الدفاع الجوي، روسية الصّنع من طراز "بانتسير"، وكذا كيفيات زراعة الألغام وتوجيه الطائرات المسيّرة. ومارسوا مهام غير قتالية من قبيل رسم سياسات إعلامية لتلميع صورة حفتر وسيف الإسلام القذافي، وذلك من خلال توجيه الرأي العام عبر صحيفة صوت الشعب وقناة الحدث في الشرق الليبي. وفي المقابل، تفيد تقارير أخرى بأن حكومة الوفاق الوطني استقدمت مقاتلين غير نظاميين من سورية والصومال وتشاد. وأوكلت إليهم مهام عدة، من قبيل الرصد والتدريب، وحراسة الشخصيات، وحماية المواقع الإستراتيجية.

أصبحت ليبيا وجهة مفضّلة لآلاف المرتزقة الذين يعملون لحسابهم الشخصي أو لحساب شركاتٍ أمنيةٍ خاصّة متعدّدة الجنسيات

عمليا، كان المرتزقة المنتدبون من طرفي الصراع في ليبيا مجلبة للأذى، وباباً من أبواب التدخل الخارجي وانتهاك السيادة الليبية. وساهم استخدامهم في استفحال الأزمة وفي تعميق الجراح وإذكاء نار الحرب، وكلف حضورهم الليبيين خسائر مادية وبشرية فادحة. وتفيد تقارير متواترة بأن المرتزقة كانوا لا ينسحبون من مدينةٍ إلا ويتركون خلفهم مقابر جماعية، وألغاما مبعثرة مميتة، وبيوتا مُقفرة، ومؤسساتٍ مدنيةٍ أو سياديةٍ مهدّمة (مستشفيات، مدارس، دوائر حكومية ..)، فهم من قساة القلوب الذين لا يرون حرجا في استهداف المواقع المدنية ونهب المواطنين، ويعتمدون سياسة الأرض المحروقة عند شعورهم بالهزيمة، ولا يراعون قواعد الحرب ولا شروطها ولا أخلاقها. والمرجّح أن تدفق المقاتلين الأجانب على ليبيا ساهم في انتشار فيروس كورونا. ذلك أن جل المرتزقة يدخلون البلاد من دون إجراء اختباراتٍ طبيةٍ، ومن دون التزام بالحجْر الصحي. وفي هذا الخصوص، قالت مبعوثة الأمم المتحدة إلي ليبيا ستيفاني ويليامز "إن الطرفين في الحرب يستقبلون مرتزقة، ولا توجد شفافية بشأن الإجراءات الوقائية المعتمدة، ولا يُعرف إن كان يتم عزلهم أم لا". وصرّح القائم بأعمال مدير الطوارئ الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط، ريتشارد دبرينان "هناك جماعات مسلحة تدخل بعض الدول من دون فحص ولا حجْر صحي، وهذا يؤدي إلي انتشار الوباء من دون رادع".

كان المرتزقة المنتدبون من طرفي الصراع في ليبيا مجلبة للأذى، وباباً من أبواب التدخل الخارجي وانتهاك السيادة الليبية

بناءً على ما تقدّم، المرتزقة عنصر تأزيم في الحالة الليبية، واستمرار وجودهم عقبة كأداء في وجه جهود الأمم المتحدة لإرساء السلام المستدام وتحقيق الاستقرار في بلدٍ أرهقته الحرب طويلا. والحاجة أكيدة إلى رحيلهم في أقرب وقت ممكن. والأسئلة عدّة: متى سيرحلون والحال أن الحكومة الليبية الموحَّدة لم تر النور بعد؟ وما هي آليات ترحيلهم؟ وهل يملك خليفة حفتر أو فائز السراج سلطة عليهم أم أنهم خارج السيطرة؟ وهل سيُسلّمون أسلحتهم أم الأمر خلاف ذلك؟ وقبْل هذا وبعده، ألا يعتبر رحيل المرتزقة من دون محاكمتهم في ليبيا أو أمام القضاء الدولي تكريسا لظاهرة الإفلات من العقاب؟
من المفيد الإشارة إلى أن مجلس النواب الأميركي أقرّ، في 18 نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي، "قانون استقرار ليبيا" Libya Stabilization Act، وتضمن فرض عقوبات على الجهات الخارجية التي تتدخل في الشأن الليبي، ومعاقبة الذين يؤججون الصراع في البلاد. كما اتخذ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تدابير عقابية ضد شركة فاغنر الروسية. والحاجة أكيدة الآن إلى أن تبذل منظّمة الأمم المتحدة جهودها لإقناع أعضاء مجلس الأمن والرأي العام الدولي بضرورة الضغط على أطراف الصراع، وأعوانهم في الداخل والخارج، من أجل نزع السلاح في ليبيا، وحلّ المليشيات والتخلّص من المرتزقة، وتكوين جيش نظامي وطني موحَّد وحكومة مستقلة/ متماسكة، تبسط نفوذها على كامل التراب الليبي، على نحو يضمن وضع ليبيا على سكة الانتقال الديمقراطي، ويحقّق مصالح الليبيين وشركائهم الاقتصاديين.