معضلة الحل السياسي في سورية

معضلة الحل السياسي في سورية

19 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

مع تزايد الحديث عن انسداد الأفق السياسي للتوصل إلى حل للصراع المزمن في سورية، مقابل الخطوات الإيجابية التي تم إحرازها في ليبيا، واهتمام الإدارة الأميركية الحالية بإنهاء الحرب في اليمن، ومرور عقد على انطلاق الثورة/ المأساة السورية، يكتسب نقاش هذا الموضوع أهمية فائقة. ستركز هذه المقالة على المعضلة الأساسية التي غالباً ما يتم القفز فوقها، أو تحويرها، أو تأجيلها باسم البراغماتية السياسية، ألا وهي التوصل إلى تسويةٍ حول مصير رأس النظام بشار الأسد. إن تجاهل هذه المعضلة على مدى السنوات الماضية، وفي أغلب الجهود الدبلوماسية الدولية، هو السبب الرئيس لفشل تلك الجهود.

في تجارب أغلب الدول التي انتقلت من الحكم السلطوي، فإن البداية الحقيقية لعملية التحوّل تكمن في لحظة رحيل الحاكم الدكتاتور. ومع تسليمنا بأن رحيل رأس النظام السلطوي لا يعني، بالضرورة، التحول إلى نظام ديمقراطي، فمن الدول العربية التي رحل رأس النظام فيها عن الحكم، لم تبلغ إلا واحدة منها، وهي تونس، مرحلة التحول إلى الحكم الديمقراطي، على الرغم من التحدّيات الكبيرة التي تواجهها. الدولة الوحيدة التي لم تبلغ غاية رحيل رأس نظامها هي سورية. ولعل هذا ما يفسّر، جزئياً، أن هذه الدولة شهدت أقسى حالات الصراع، ودفع أهلها أثماناً إنسانية ومادية باهظة، وطالت فيها الحرب إلى ما يزيد عن السنوات العشر. فكما هو معلوم، للثورة السورية أسبابها الموضوعية المتجذّرة في استبداد نظام الأقلية القمعي وفساده. ومع أن إرهاصات الثورة السورية بدأت بمطالب إصلاحية محدودة، إلا أنها لم تلبث أن تحوّلت إلى ثورةٍ بالمعنى الشامل، تبنت الشعار الشائع "الشعب يريد إسقاط النظام". وللإنصاف، كانت قطاعات واسعة من المهتمين بالشأن العام قد ناشدت بشار الأسد أن يقود عملية إصلاحية يكون جزءاً منها، وهكذا فعلت حكومات منها قطر والسعودية وتركيا. التحوّل إلى المطالبة بتغيير النظام، المتضمنة رحيل بشار الأسد، بدأ بشكل مبكر في عمر الثورة السورية، بسبب رد الفعل العنيف الذي أظهرته الأجهزة القمعية في تصدّيها للتظاهر السلمي. ويعتبر الخطاب الأول الذي ألقاه الأسد في مجلس الشعب، في نهاية شهر مارس/ آذار 2011، نقطة تحول بالنسبة لسوريين كثيرين كانوا ينتظرون من الأسد خطواتٍ إصلاحيةً لاحتواء الغضب الناجم عن قمع قواته للتظاهرات السلمية. كما كان للنجاحات الأولى التي حققتها حركات الاحتجاج في باقي دول الربيع العربي دور في إقناع أغلبية الشعب السوري بضرورة رحيل النظام ورأسه. واحتل شعار "إرحل إرحل يا بشار" مكانته المحورية بين الشعارات الثورية الأخرى، باعتبار هذا المطلب هو البداية المنطقية للتغيير المنشود.

احتل شعار "إرحل إرحل يا بشار" مكانته المحورية بين الشعارات الثورية الأخرى، باعتبار هذا المطلب هو البداية المنطقية للتغيير المنشود

بالنسبة إلى الغالبية من الشعب السوري القابع تحت ثنائية القمع والفساد، فإن رحيل بشار الأسد أمر منطقي، فقد أتم "الولد" ما يزيد عن عقد، لم يحقق فيه وعوده المتواضعة بالإصلاح والتطوير. ومع انحيازه لخيار القمع والقتل بحق المتظاهرين السلميين فقد بدّد كل ادّعاء بالشرعية. لكن وللحقيقة، ارتأى مؤيدو النظام أن بقاء بشار الأسد في السلطة يتجاوز رمزية الإقرار بأن لدى الحركة المناهضة للنظام مطالب مشروعة إلى أن استئثاره بالحكم هو الضمانة في وجه التهديد الوجودي، خصوصا بالنسبة للطائفة العلوية. أما المستفيدون من النظام من باقي مكونات الشعب السوري، فإن رحيل الأسد يعني فقدان الامتيازات الاستثنائية التي يتمتعون بها بغير وجه حق. ولذا استثمر النظام في سردية مفادها بأنه الحصن العلماني المدافع عن الأقليات في وجه التطرّف الإسلامي القادم. وطرح هذا المعسكر، خصوصا في جناحه المتطرّف "الشبيحة"، شعاراً مقابلاً للشعار المطالب برحيل بشار، وهو: "الأسد أو نحرق البلد".

وعلى صعيد الجهود الدبلوماسية، طُرح موضوع ضرورة تنحّي الأسد مدخلا لأي حل سياسي، في مطالبات قادة غربيين بذلك. وكان أهم تلك المناشدات ما صرح به الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، في أغسطس/ آب من عام 2011، إن على الأسد تقديم إصلاحات حقيقية أو التنحّي. وتضمنت المبادرة الثانية لجامعة الدول العربية في أوائل عام 2012 خطواتٍ تقود إلى رحيل الأسد، فكانت الصيغة التي طرحتها الجامعة مماثلة للمبادرة الخليجية بشأن اليمن، بحيث يتنازل الرئيس عن صلاحياته لنائبه الذي يقود مرحلة انتقالية، تنتهي بإصلاحات حقيقية. وبالطبع، كان رفض النظام قاطعاً لهذه المبادرة، واختفى من وقتها النائب الأول لرئيس الجمهورية، فاروق الشرع، من المشهد السياسي.

ومع أن مبادرة مبعوث الأمم المتحدة إلى سورية كوفي عنان لم تشر صراحة إلى رحيل الأسد، فإنها شملت نقطة التوصل إلى حل سياسي يلبي طموحات الشعب السوري، وهي ترجمة لتغيير جذري في طبيعة النظام، لا يتسق معها استمرار الأسد في السلطة. ثم جاءت وثيقة جنيف الشهيرة التي أصبحت مرجعية الحل السياسي في سورية، وتبنّتها قراراتٌ دوليةٌ، أهمها قرار مجلس الأمن رقم 2254. ومع أن الوثيقة لم تنص بشكل صريح على ضرورة رحيل الأسد، لكنها قدّمت تسوية مقبولة للدول التي وافقت على الوثيقة، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا. تحدّثت الوثيقة عن ضرورة تشكيل "هيئة حكم انتقالي"، من النظام والمعارضة وأطراف ثالثة، كالمجتمع المدني، بصلاحيات تنفيذية كاملة، تقود مرحلةً انتقاليةً تنتهي بحكم ديمقراطي. كما نصّت الوثيقة على أن يكون تشكيل هيئة الحكم الانتقالي بالتوافق، وهو ما اعتبر نوعا من الغموض "الإيجابي". وكانت نقطة التوافق هذه تعني إعطاء نوع من "الفيتو" لكل من المعارضة والنظام، برفض أي شخصٍ غير مقبول منهما. وبحلول صيف عام 2012، وقت إقرار الوثيقة، كان هناك إجماع بين القوى الثورية والمعارضة على ضرورة رحيل الأسد مدخلا لأي حل سياسي، باعتباره مسؤولاً مباشراً عن كل أشكال القتل والقمع والدمار التي حلّت بالبلاد. وتتفق أغلب الجهات الدولية على أن تشكيل الهيئة بالتوافق يعني استثناء الشخصيات المرفوضة من كلا الطرفين. ولم تشذ عن هذا التفسير إلا روسيا التي تمسّكت بحق الأسد في أن يكون جزءاً من المرحلة الانتقالية، كما أن لديه الحق في الترشح للرئاسة مستقبلاً.

لم تتخذ الأطراف الدولية الداعمة للمعارضة موقفاً تجاه الانحراف الروسي عن اتفاق جنيف، بل نصح بعضها المعارضة بأن تشارك في هذه المسارات

كانت الجهود الدبلوماسية التي جرت على أساس الوثيقة تتأثر بالوقائع على الأرض، وقناعة كثيرين من السوريين والمجتمع الدولي بأن نظام الأسد ساقط لا محالة. من هنا، اتخذت المعارضة موقفاً مفاده أن رحيل الأسد شرط للدخول في المرحلة الانتقالية. لكن ومع تأخر هذا التوقع، بفعل القمع الوحشي للنظام، وتدخل حليفه الإيراني الحاسم بأذرعه المختلفة، مقابل تقاعس داعمي المعارضة عن مجاراة حلفاء النظام، بدأت قوى غربية ووسطاء أمميين تنصح المعارضة بضرورة إبداء بعض المرونة تجاه هذا المطلب. وبالفعل، استجابت المعارضة على أن يكون أمر رحيل الأسد نتيجة العملية الانتقالية، وضمن جدول زمني واضح. وتمسّكت المعارضة السياسية بهذا الموقف في أثناء الجولات الأولى من مفاوضات جنيف، بينما كانت استراتيجية النظام الدخول في نقاشاتٍ عبثيةٍ لكسب الوقت، أملاً في تغيير الحقائق على الأرض لصالحه.

ومع تدخلها العسكري الحاسم في سبتمبر/ أيلول 2015، أعقب ظهور ما سميت الدولة الإسلامية (داعش)، انتهجت القيادة الروسية منحىً جديداً في تحوير العملية السياسية، ومحاولة تغيير مرجعيتها من وثيقة جنيف إلى ما سمي مسار أستانة وسوتشي لاحقاً. وترافق مع هذه التطورات تزايد الخلافات بين داعمي المعارضة، بينما استطاع الروس استعادة المبادرة على الأرض، والنجاح باستمالة تركيا إلى مسار أستانة. ونجحت روسيا بتقزيم العملية السياسية، وذلك بتقسيمها إلى جزئين: أولهما، التركيز على ما سميت عملية تثبيت وقف إطلاق النار المحلية التي عنت تدمير مناطق المعارضة وترحيل مقاتليها إلى الشمال الغربي. وتمثل القسم الثاني في إعطاء الأولوية لتشكيل لجنة دستورية، تنظر في تعديل دستور الأسد لعام 2012، أو صياغة دستور جديد. وقد جاء هذا التحوير للعملية السياسية مناقضاً للقرار الأممي 2254 الذي نص صراحة على تسلسل منطقي، يبدأ بتشكيل "حكم انتقالي"، تتبعه عملية دستورية، ومن ثم انتخابات برلمانية ورئاسية. ولم تتخذ الأطراف الدولية الداعمة للمعارضة موقفاً تجاه هذا الانحراف، بل نصح بعضها المعارضة بأن تشارك في هذه المسارات، باعتبارها الجهود الوحيدة المتاحة.

لم يكن بشار الأسد رئيساً لكل السوريين في أي وقت، وأصبح عدواً للملايين المشرّدة وغريماً لأهالي الضحايا الذين تجاوزا المليون بين قتيل وجريح ومعتقل

ومع النجاحات العسكرية للنظام، بفعل الدور المحوري الروسي - الإيراني وتراجع الدول الداعمة للمعارضة، تراجع موضوع رحيل الأسد من أولويات الجهود الدبلوماسية. وغدا السقف السياسي للروس (أهل الحل والعقد في سورية) هو إقناع بعض الشخصيات "المعارضة" بالدخول في حكومة برئاسة الأسد إلى حين الانتخابات التي تعطي الأسد الحق في الترشح والنجاح سبع سنوات أخرى، استناداً إلى دستوره الذي أقرّه عام 2012. لكن لحظة إعلان انتصار النظام على شعبه لم تكن لتدوم طويلاً، لأنه أصبح مسؤولاً عن المناطق التي أعاد السيطرة عليها، وعن إعادة إعمارها، وهو أمر أكبر من قدرته، ومن إمكانات داعميه الروس والإيرانيين.

وأخيراً، حمل عام 2020 تطورين هامين في غير صالح النظام: الدور التركي العسكري في إيقاف تقدم النظام باتجاه إدلب؛ الموقف التركي الحاسم كان مدفوعاً بفعل التخوّف من احتمال نزوح ملايين السوريين المقيمين في تلك المناطق تجاه أراضيه، وإقرار الولايات المتحدة قانون قيصر، ودخوله حيز التنفيذ. وقد حرم تطبيق العقوبات المتضمنة في قانون قيصر على النظام السوري وداعميه نظام الأسد من تحويل "نصره" العسكري إلى نصر سياسي، وعقّد إمكانية إعادة تأهيله إقليمياً ودولياً عندما ربط عملية إعادة الإعمار بالحل السياسي. ومع أن النظام حاول تحميل فشله في إدارة الأزمة الاقتصادية القاتلة التي تعصف بالبلاد (بينما تعاني أغلب الدول بما فيها داعمو النظام من أزمة كورونا)، فإن الأكيد أن النظام قد وصل إلى طريق مسدود في كسب معركة السلام.

مع النجاحات العسكرية للنظام، تراجع موضوع رحيل الأسد من أولويات الجهود الدبلوماسية

لم يكن بشار الأسد رئيساً لكل السوريين في أي وقت، وأصبح عدواً للملايين المشرّدة وغريماً لأهالي الضحايا الذين تجاوزا المليون بين قتيل وجريح ومعتقل، وأثبت فشله الذريع في تقديم أي من عوائد الانتصار لسورية "المتجانسة". الخلاصة المهمة لأنصار النظام أن معاناتهم مرتبطة ببقاء الأسد في الحكم، كما أن الإصرار على بقائه لن يزيدهم إلا خيبة وأسىً. المخرج الوحيد من هذه الأزمة المزمنة يكمن في قبول تسويةٍ على أساس مرجعية وثيقة جنيف، تضع المؤيديين والمعارضين والرماديين في صفوف متكافئة لإعادة إنتاج عقد سياسي جديد، أساسه المواطنة المتساوية تحت سقف دولة القانون. الشرط الأساسي لنجاح مثل هذه الصيغة رحيل الأسد.

هنا تقع المسؤولية على الأطراف الدولية الأساسية، وخصوصا الولايات المتحدة وحلفائها، وروسيا الداعم الرئيسي للأسد. وتستوجب هذه المسؤولية تدخلاً عاجلاً وحاسماً لوقف التدهور واحتمالات الانفجار في النصف الثاني من سورية، وذلك بإعادة العملية السياسية إلى مرجعيتها المنطقية، من خلال وثيقة جنيف، والبدء بالمفاوضة حول شروط رحيل الأسد. قد يطول الوقت اللازم لحل هذه المعادلة الصعبة أو يقصر، لكنه يضع الشعب السوري المنهك من هذا الصراع أمام تحدّي البحث عن حلول خلاقة لبناء إطار سياسي يتسع لكل أبنائه، متجاوزاً تجربة مأساة حكم الأسد.