معركة أنوال .. مائة عام من العِبر

معركة أنوال .. مائة عام من العِبر

27 يوليو 2021
الصورة

("معركة أنوال" في ملصق دعائي مصري)

+ الخط -

"إذا تناهى إلى أسماعكم أنّ الاستعمار أسرني أو قتلني، أو بعثر جسمي كما يُبَعثر ترابُ هذه الأرض، فاعلموا أنّني حيّ، وسأعود من جهة الشّرق". بهذه الكلمات طرد محمد بن عبد الكريم الخطابي ذُباب الشائعات، وهو الشاعر المحارب الذي أحب اللغة العربية حباً طغى على انتمائه الأمازيغي.
بالكلمات نفسها، نستعيد حكمة محمد بن عبد الكريم الخطابي وشجاعته، في ذكرى مائة عام على معركة أنوال الفريدة، والتي واجه فيها جيشاً إسبانياً مدججاً بالأسلحة في منطقة الريف، شمالي المغرب وشرقيه، بمقاومين يحملون عتاداً خفيفاً، يتمثّل في دزينة بنادق غنموها من الإسبان أنفسهم في المواجهات المستمرة بينهما.
لهذا كانت جدّة أبي تسبق حديثها عن المستعمر الإسباني بصفة "الجاهل الكافر" الذي لم يرتكب إلّا الجرائم في حق الأبرياء، خلال فترة احتلاله شمالي المغرب، مستعملا كلّ الأسلحة المعروفة آنذاك، بما فيها الكيميائية، لوأد المقاومة الشديدة لأهالي جبال الرّيف الذين درّبتهم قسوة الطبيعة ووعورة الجبال على المصاعب، ومنحتهم قوة بدن وشدة بأس فاجأتا المستعمر الذي توقع إخضاع المنطقة بشربة ماء، وأصرّت هي أن تعلَق في حلقه كشوكة صبار.
على الرغم من أنّ المستعمر الإسباني الذي اقتطع المنطقة الشمالية لصالحه في معاهدة الحماية التي منحت فرنسا السيطرة على معظم التراب المغربي، ادّعى التحضر، وقدّم وعوداً بتنمية المنطقة، كأنّه نجح في ذلك في بلاده التي كانت رهن الفقر والتخلف، وحاول اكتساب ودّ الفئات المتعلمة بالآفاق التي يحملها التمازج مع الأوروبيين، فإنّ الناس فطنوا لمطامعه الاستعمارية، كما صرّح بذلك الخطابي: "كنتُ كلّما ازداد احتكاكي بالإسبان والأوروبيين بصفة عامة ازداد إيماني بأنّهم يعيشون في حلم الاستعمار والاستغلال للغير واستعباده".

قال تشي غيفارا إنّ الخطابي علّمه فنّ حرب العصابات التحرّرية، وخاطبه سنة 1960: "لقد جئت خصّيصاً إلى القاهرة لأتعلّم منك"

يعتبر الأمير الخطابي من أهم قادة حركات التحرّر العالمية في النصف الأول من القرن العشرين. وقد ألهمت حرب العصابات التي أطلقها الحركات التحرّرية في العالم التي سارت على إثرها. حتى أنّ تشي غيفارا نفسه قال إنّ الخطابي علّمه فنّ حرب العصابات التحرّرية، وخاطبه سنة 1960: "لقد جئت خصّيصاً إلى القاهرة لأتعلّم منك".
كذلك، ابتكر الخطابي أيضاً فن قتال الأنفاق الذي أنهك إسبانيا وكلّفها خسائر كبيرة، ليرسل ملك إسبانيا، ألفونسو الثالث عشر، نتيجة ذلك، جيشاً منظّماً من عشرات الآلاف من الجنود المسلّحين بالطائرات والدبابات والمدافع لمواجهة ثلاثة آلاف مقاتل، عُدّتهم بنادق بسيطة مقارنة مع عتاد عدوهم. إذ حشد الإسبان "200 مدفع، وأكثر من 20 ألف بندقية، ومقادير لا تحصى من القذائف، وملايين الخراطيش، وسيارات وشاحنات، وتموينا يتجاوز الحاجة، وأدوية وأجهزة للتخييم". وهي المعدّات التي انتهت بين أيدي المقاومين في عشية وضحاها، إذ "بات لدينا كلّ ما كان يعوزنا لنجهز جيشاً، ونشنّ حرباً كبيرة، فيما فقد الإسبان 15 ألف جندي ما بين قتيل وجريح" كما جاء في كتاب الخطابي "مذكرات لارينيون".
وكان الاستهجان الإسباني لقدرات الخصم، والخطط العسكرية المرتجلة وغير الموفّقة بالمرة، خلف مقتل قائد الجيش الإسباني، سلفستري، الذي أعلن في يونيو/ حزيران 1921 عن تصميمه على شرب الشاي في بيت ابن عبد الكريم، بعد اجتياح خليج الحسيمة. ليُقتل في يوليو/ تموز التالي، ويقع جيشه ضحية عطش شديد، نتيجة حصار كان لقرار قائده المتسرّع بالغزو، في عزّ الصيف، أثر قاتل عليه. إذ بعد فشل كلّ الحملات لفك الحصار، سيتلقى سلفستري تقارير إخبارية بوجود أعداد هائلة من المقاومين تتحصّن في الجبال، وتتحيّن الفرصة للانقضاض على معسكره. وبعد اجتماع طارئ في ساعة متأخرة من يوم 21 يوليو/ تموز، تم الاتفاق على الانسحاب.

من سخرية القدر أنّ معركة أنوال الشهيرة لم يكن مُخطّطاً لها، ولم يكن حتى قائد المقاومة، عبد الكريم الخطابي، حاضراً في الميدان

منتصف النهار التالي، وفي حرارة شديدة، سيبدأ الانسحاب الذي كان ارتجالياً وفوضوياً، لم تُحترم فيه أدنى القواعد العسكرية البسيطة، عبر طريق وعر وضيّق عرْضه أربعة أمتار. حينها ركب بعض الضّباط السيارات والشاحنات، وهم يحملون حقائب أغراضهم الشخصية، وبدأ الجنود في الفرار مذعورين، ما أدّى إلى مقتل عديدين منهم، حتى من دون أن تُطلق عليهم رصاصة واحدة، بسبب التدافع والمحاولة الجماعية للهروب في كلّ اتجاه، واصطدامهم بالآليات العسكرية أو بعضهم ببعض، بل وصل الأمر حدّ قتل بعضهم لبعض للركوب في الشاحنات القليلة.
وفي ظرف نصف ساعة، أصبح المكان فارغاً، إلّا من الآليات العسكرية المُتخلّى عنها، وآليات التنقل المعطوبة، وبقايا الخيام والجثث في كلّ مكان، وفق "تقرير بيكاسو" الذي أنجزه الجانب الإسباني لاحقاً. هنا ستندلع مواجهاتٌ خاطفة مع الجنود الفارّين استعمل فيها الريفيون، محاربين ومدنيين، كلّ الوسائل، بما فيها السلاح الأبيض والمناجل والعصي والحجارة وحتى الأيادي لأسر الجنود أو قتلهم. ولولا وجود فرسان فرقة "كاسادوري دي ألكنترا" الذين قاموا بعملية تغطية انتحارية ناجحة، أدّت إلى مقتل معظم أفرادها، لانتهى الأمر بقتل غالبية الجنود الإسبان أو أسرهم. وبعدما نجح الجنرال نافارو في تجميع الفارّين، وتدبير انسحاب عدد كبير منهم يوم 23 يوليو/ تموز، تمكّن من الوصول بهم في وضعية صعبة ومزرية إلى الثكنة العسكرية بالعروي يوم 29 يوليو/تموز. ليبدأ حصار المقاتلين الريفيين الثكنة ومقتل أسرى العروي.
من سخرية القدر أنّ معركة أنوال الشهيرة لم يكن مُخطّطاً لها، ولم يكن حتى قائد المقاومة، عبد الكريم الخطابي، حاضراً في الميدان، حسب ما يرويه في كتابه: "بينما كنا نتفاوض في أعمال المستقبل إذ ورد علينا كتاب أو رسول من عند القائد أحمد بودرة الذي كان أحد قادة الجيش الريفي في المعارك السالفة يخبر بهروب جيش أنوال، فوقع منّا هذا الخبر موقع التردّد بين التصديق والتكذيب، فأرسلنا رُسلاً لتحقيق الخبر واتبعناهم، فرأينا هذا المعسكر العام قد تشتت شذر مذر. وقد تعجّبنا من هذا الحادث، لأنّنا لم يكن في حسباننا أن يقع. إذ لم يكن في خطّتنا الهجوم على المعسكر العام. إلّا أنّ بعض العصابات من الريفيين باتوا يتبادلون الطلقات النارية، ودنوا من المعسكر العام، وأصبحوا على مقربةٍ منه. وبينما نحن في الطريق إلى أنوال سمعنا البارود ورأينا الدخان يتصاعد من المراكز الكثيرة".

المغرب الكبير يعرف انقساماتٍ كبيرة، وصراعات تعمق هذا الانقسام، بدلاً من أن تُيسّر عملية الاندماج الذي سعى إليه بُناة الاتحاد المغاربي يوماً ما

لهذا، كان درس أنوال، وحرب العصابات التي أسّس لها الخطابي "أول درس تعلّمته في حرب التحرير الشعبية، هو من تجربة النضال والكفاح، الذي قاده عبد الكريم الخطابي في الريف المغربي" حسب الزعيم الصيني ماو تسي تونغ. فيما صرّح الجنرال الفيتنامي، هوشيه منه، قائلاً: "لولا عبد الكريم الخطابي لما استطعنا أن نهزم الفرنسيين في الهند الصينية".
تمرّ مائة عام على معركة أنوال، في وقت تعيش فيه العلاقات المغربية الإسبانية أزمة غير مسبوقة، في جيرة جريحة وجدت نفسها أمام امتحان الجغرافيا بيد مثقلة بدروس التاريخ. من جانب آخر، تأتي الذكرى في ظل تشتّت المغرب الكبير الذي حلُم به الخطّابي. ودعا إلى تحريره كاملاً، باعتبار الاستعمار همّا مشتركاً لشعوب المنطقة، والاحتلال معركة واحدة تعني كلّ مغاربي، وهو القائل: "انتصار الاستعمار ولو في أقصى الأرض هزيمة لنا... وانتصار الحرية في أيّ مكان انتصار لنا".
هذا المغرب الكبير يعرف انقساماتٍ كبيرة، وصراعات تعمق هذا الانقسام، بدلاً من أن تُيسّر عملية الاندماج الذي سعى إليه بُناة الاتحاد المغاربي يوماً ما، والذي تبخّر كحلم ليلة صيف، وصرنا نتوقّع الأسوأ من دون أن نكون غِرباناً أو تقيم في نوافذنا البوم.

596D72F8-6B45-4709-8735-7AC0F35F2CE1
عائشة بلحاج