معرض الكتاب ولعبة الإغواء

27 نوفمبر 2025
+ الخط -

يخطر لي، كلما عبرتُ بوابة معرض الكويت الدولي للكتاب، أنّ للكتب قدرة خفية على إعادة ترتيب نبض المرء من دون أن تعلن ذلك. يكفي أن يلامس النسيم الخفيف رائحة الورق، حتى يستعيد الداخل إليه حواسّ كان قد تركها معلّقة على مشاجب الأيام. هذا العام، وجدتُ المعرض يمشي بخفة غير معهودة، كأنه يتعمّد أن يُخفي صوته ليُختبر صوت الزائر، وأن يتقلّص قليلًا ليمنح العين فرصة لتتباطأ وتعيد اكتشاف المساحة ببصيرة لا بعجلة.

كان الهدوء ينساب بين الأجنحة كأنّه جزءٌ من ديكور خفي، يضبط الإيقاع من وراء الستار. لا ازدحام يربك، ولا تدافع يُعمي عن التفاصيل الصغيرة التي لا تظهر إلا لمن يقترب بروية. بدا المعرض، هذه المرّة، أنيقاً في حضوره، كأنه يعرض نفسه على استحياء، ويتراجع خطوةً ليضع الزائر في واجهة المشهد، يسأله من دون أن يتكلم: ماذا تريد فعلاً من هذا المكان؟ ما الذي جئتَ تبحث عنه هنا، أنت الذي حملتك القدم إلى الورق مرّة أخرى؟

ومع هذه الأناقة المبطّنة بالصمت، كانت الكتب تتوزّع بطرق متباينة؛ قليل منها يلمع بجدارة، مكتوم الإغواء، لكنه عميق الأثر، يختبئ في رفوف متواضعة تنتظر عين خَبِرة تعرف أن الجواهر لا تُوضع في الواجهات الصاخبة. ووسط هذا القليل المتفرد، يطفو كثير من الكتب التي يمكن المرور بها من دون ألم، كأنها تُدرك أنها لم تُكتب لتبقى طويلًا في ذاكرة القارئ، وأنّ دورها لا يتعدى ملء الفجوات بين الجناح والجناح.

أحبّ هذه اللعبة القديمة بين القارئ والمعرض؛ لعبة الاختباء والبحث. ثمّة لذة خاصة في العثور على كتاب يشبه كنزاً صغيراً، لا يدلّ عليه أحد، ولا يعلن نفسه بغطاء مزركش. الكتب الجيدة لا تُحبّ الضجيج، ولا تتودّد إلا لمن يعرف كيف يفتح لها الباب بيده لا بكاميرا هاتفه. لذلك، كنتُ كلما مددتُ يدي نحو عنوان أجهله شعرتُ بأنني أتواطأ مع المعرض في لعبة سرّية، نتبادل فيها الإشارات من دون اتفاق مكتوب.

أما الفعاليات الثقافية المصاحبة، فلم أصل إليها كثيراً هذا العام. لكن كثيراً ما تُخفي الفعالية المتواضعة أعمق الأفكار، كما قد تُصيب المبالغات بعض البرامج بالوهن قبل أن تبدأ. والقدوم إلى المعرض في رأيي ليس زيارة واجبة، بل طقس معرفي يحتاج إلى التجربة أكثر من الحكم، وإلى الإصغاء قبل الكتابة.

حتى حفلات التوقيع التي اعتدنا أن تكون سوقاً صاخبة للصور، وما تسمى "السوشيال ميديا"، بدت هذا العام أقل رغبة في الاستعراض. هناك شيء في هواء المعرض، يدفعها إلى مراجعة نفسها، كأنها تريد قارئاً يمشي نحوها بقلب صافٍ، لا هاتفاً مشرعاً للاقتناص. ليس لأن الصورة عيب، بل لأن الكتاب لا يحتمل أن يكون مجرّد خلفية لالتقاط لحظة عابرة. بعض الكُتّاب كانوا يجلسون وراء طاولاتهم كأنهم ينتظرون اعترافاً لا مجاملة، وانتظارهم هذا يشي بصدق مختلف، وقدرة على احتمال العزلة ولو لساعة.

وأنا أمشي بين الأجنحة، شعرت أنّ المعرض هذا العام يختبرنا كما نختبره. يطلب منا أن نعيد التفكير في علاقتنا بالكتب، وأن ننتبه إلى ما نقول إننا نحب، وما نختار فعلاً حين نقف أمام الرفوف. صرت أوقن أن المعرض ليس حدثاً ثقافيّاً عابراً، بل مساحة لامتحان ذائقة الزائر قبل أن يكون امتحاناً لذائقة الناشر، وأن خفّة خطواته هذا العام ليست ضعفاً، بل حكمة تريد أن تُذكّر المرء بأن القراءة فعل تأمّل، وأن الكتب، مهما كثرت، لا تُمسك بالقلب إلا حين تعثر عليه مصادفة.

ربما سيُدهشني ما لم يكن في الحسبان في معرض هذا العام في الكويت. لكن ما أعرفه أن هذا الهدوء الذي يغلف أجواءه اليوم قد يكون بالضبط ما نحتاج إليه لنسمع ما لم نقله بعد، ونرى ما اعتدنا أن نمرّ عليه من دون اكتراث، ونعثر على الكتاب الذي ينتظرنا مثل رفيق قديم لم يفقد ثقته بنا.

CC19B886-294F-4B85-8006-BA02338302F0
سعدية مفرح

شاعرة وكاتبة وصحفية كويتية، من مجموعاتها الشعرية "ليل مشغول بالفتنة" و"مجرد امرأة مستلقية"، ولها مؤلفات نقدية وكتب للأطفال. فازت بعدة جوائز، وشاركت في مهرجانات ومؤتمرات عدة.