معجزة الحذاء

معجزة الحذاء

03 أكتوبر 2021
الصورة

(يوسف عبدلكي)

+ الخط -

لماذا استحوذ موضوع الحذاء الثمين على اهتمام الموظف الفقير إلى هذا الحد؟ لا أحد يستطيع إعطاء جواب شاف، غير أن النتائج التي نسخت المقدّمات جعلت الاهتمام بالحالة التي وصل إليها هذا الموظف البسيط تطغى على الأسباب كلها.

حدث الأمر، مصادفة، عندما دخل إلى القسم الذي يعمل فيه صاحبنا زميلٌ آخر، تبدو عليه سمات الحمّى، وهو يقول: "هل تصدّقون أنني رأيت في أحد متاجر الأحذية، أمس، حذاء يبلغ ثمنه مائة ألف دولار؟"... استدارت الوجوه آليًّا إلى المتحدّث، غير مصدّقة، بما فيها وجه صاحبنا الذي بدا أشدّ دهشةً من الجميع، على غير عادته، فقد كان يبدو محايدًا على الدوام، لا يُبهره أي نبأ مهما استفحل شأنه، بما في ذلك أحداث تدمير برجي التجارة في نيوورك، فهو موظف محدود الحياة إلى جانب محدودية الدخل، بالطبع، وكل حيّزه من الدنيا، لا يتعدّى كوّة فأر الجحور التي لا يطلّ منها إلا عندما ينهشه الجوع، غير أنه، في هذه المرّة، استوقفه شيءٌ جعله يخرج، بكامل جسده الضئيل، من الجحر ليسأل الموظف صاحب "النبأ العظيم": حذاء بمائة آلاف دولار... هل هو من الذهب الخالص؟

- كلا، (أجاب الموظف)، لكن صاحب المتجر يزعم أنه واحد من عشرة أحذية في العالم تمت صناعتها من جلود النمور البيضاء، وهذه النمور موشكة على الانقراض.

صمت المتحدّث برهة، بعدما شعر أنه استقطب اهتمام الجميع بروايته، لكنه اختار التوجه بكلامه إلى الموظف "الغلبان":

- هذا يعني، يا صديقي، أن الحذاء يفوق مجموع رواتبك طوال عمرك الوظيفي... بل وعمرك كله (ودخل في نوبة ضحك هستيري).

لكن ما قطع قهقهاته مبلغ الجدّية التي ظهرت على وجه صاحبنا، وهو يسأل المتحدّث عن عنوان المحل.

استغرب ناقل النبأ السؤال، لكنه توقع أن صاحبنا يعتريه الفضول لمعاينة هذا الحذاء "المعجزة" بنفسه. وبالفعل زوّده بالعنوان.

ثم فوجئ الجميع، بالموظف الغلبان ينهض عن مكتبه، ويذهب إلى غرفة المدير، طالبًا منحه إجازة أسبوع، وكان يمكن أن يكون تصرّفه روتينيًّا لولا سببان: الأول أنه ليس من النوع الذي يهوى الإجازات، حتى في حالات الضرورة القصوى، والآخر أنه دوّن سببًا غريبًا لمسوّغات الإجازة، عندما كتب: "إعادة ترتيب الحياة"... لم يفهم أحدٌ ما عناه بالعبارة، لكن المدير لم يحاول التنقيب عن السبب كثيرًا، بل كان من أشدّ المتحمّسين لتوقيع الإجازة التي اعتبرها "سابقة" في حياة هذا الموظف.

على الرغم من أن صاحبنا مدّد الإجازة أسبوعين آخرين، غير أن أحدًا في القسم لم يشعر بغيابه الذي يشبه حضوره، لكن لحضوره هذه المرّة وقع الصعقة التي شكلت منعطفًا يتجاوز حدود المؤسسة التي يعمل فيها، فقد ذهل الجميع عندما رأوه يدخل إلى القسم منتعلًا الحذاء الثمين إياه. كان يمشي متبخترًا معتدّا بنفسه، واثقًا من قدرته على فعل أي شيء.

وكبرق خاطف انتشر الخبر سريعًا في أرجاء المؤسسة برمتها، وبالسرعة ذاتها، هبّ جميع الموظفين، بسائر رتبهم الوظيفية، من عامل الهاتف إلى مدير المؤسسة ومجلس إدارتها، لرؤية صاحبنا وحذائه. والحال أن معظم الحضور لم يكونوا يعرفون صاحبنا قبل اليوم، لكنه أصبح اعتبارًا من هذه اللحظة الشخصية الأولى في المؤسّسة، بدليل أنه لم يمض يومان، حتى تمت ترقيته إلى رئيس قسم، ثم إلى مدير، وبعد ثلاثة أيام، اختير مديرًا عامًّا للمؤسسة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، فقد انتشرت سمعة الحذاء وصاحبنا إلى خارج المؤسسة، وأصبح حديث الإعلام، بعدما طلّق الفأر جحره إلى الأبد، ولم يستغرب أحدٌ نبأ اختياره حمل حقيبة وزارية في الحكومة الجديدة، بينما كانت كاميرات وكالات الأنباء تركّز عدساتها على الحذاء في أغلب الأحيان... حدث ذلك كله في ظرف أسبوع فقط. والغريب أن أحدًا لم يسأل عن الوسيلة التي حصل بواسطتها صاحبنا على الحذاء "المعجزة". يقال إنه عقد صفقة مع البائع، يستعير بموجبها الحذاء أسبوعا فقط، لقاء تجييره حصيلة رواتب عمره للبائع.