معبر رفح .. المعاناة بين الحسابات المصرية والتجاذبات الفلسطينية

24 فبراير 2021
الصورة

عنصر من قوات الأمن حركة حماس عند معبر رفح جنوب قطاع غزة (28/1/2021/فرانس برس)

+ الخط -

قد تكون فرحة سكان قطاع غزة، على اختلاف فئاتهم وتنوّع اهتماماتهم، بنبأ إعادة فتح معبرهم البري الوحيد مع العالم الخارجي، أو قل عودة تدفق الدماء في شريان الحياة لمليوني نسمة، قابعين داخل أكبر سجن مقام في الهواء الطلق، أعظم من نبأ توصل الفصائل الفلسطينية في اجتماعاتها أخيراً في القاهرة إلى اتفاقٍ يزيل العقبات الكؤود أمام إجراء أول انتخاباتٍ تشريعيةٍ في الأراضي الفلسطينية، المعطلة منذ عقد ونصف العقد، قد تمهد الدرب أمام المصالحة الوطنية.

وربما تمثل بشرى فتح المعبر السارّة للمجتمع المدني الغزي المحاصر، بكل قطاعاته التجارية والطلابية، فضلاً عن الأسر والعائلات، والمرضى وأصحاب الإقامات في الخارج، وغيرهم من الفئات الأخرى، أهم هديةٍ طال انتظارها، هبطت على أفئدة المحاصرين من عنان السماء، جائزة ترضية كبرى، تكفي بحد ذاتها، لشكر الفصائل على هذا الإنجاز الجانبي الكبير، حتى وإن لم تقع الانتخابات في موعدها المحدّد، وتعطلت العملية الانتخابية لأي سبب طارئ. ذلك أن لمعبر رفح حكاية خاصة بالمكان والسكان والزمان، لا تشبه أياً من الحكايات عن السفر والمرور ذهاباً وإياباً لسائر الناس في بلاد الناس، إذ داخل عنق زجاجة القطاع، عبر هذا الممر الإجباري، بحكم دكتاتورية الجغرافيا وإكراهاتها الشديدة، حدثت قصص مروّعة، تعدّ ولا تحصى، عن عذاباتٍ لا نهاية لها، وغير مفهومة أصلاً، عن ساعات ترقب وانتظار كانت تطول وتطول أياماً وأياماً، إلى أن تأتي ساعة فرج وتمضي بسرعة، كأنها وهج برق خاطف في ليلة حالكة السواد.

لمعبر رفح حكاية خاصة بالمكان والسكان والزمان، لا تشبه أياً من الحكايات عن السفر والمرور ذهاباً وإياباً لسائر الناس في بلاد الناس

ليس هناك إلا القليل من المهتمين، ممن كانوا يعرفون، مثل الغزّيين المحاصرين من كل الجهات وكل الأطراف، ما هو أدهى وأمرّ من غول الفقر والعوز والحرمان المقيم بينهم من جيل إلى جيل، ونعني به كابوس معبر رفح، أي مشقّة الانتظار اليائس المرير أشهراً طوالاً، وسوء المعاملة حد الإذلال، والإهانة بلا مبرّرات، لمن تسنح له فرصة العبور عصي المنال، من بوابة ظلم ذوي القربى، بوابة الشرطي والحكم والجلاد، أو قل المرور من الجحيم الصغير، بشقّ الأنفس، إلى فردوسه المفقود، إلى رحاب الأرض الواسعة، مثله مثل بقية خلق الله.

على هذه الخلفية وحدها، ومن غير زيادةٍ ولا نقصان، يمكن فهم تلك البهجة التي عمّت الديار الغزّية الفقيرة، لحظة استجابة مدير المخابرات المصرية، عباس كامل، المفاجئة، في نهاية اليوم الأول من لقاء الفصائل في القاهرة، لمطلب فتح معبر رفح، ولو مؤقتاً أو على فترات زمنية متقاربة، حيث أعلن كامل، ربما تشجيعاً للمتحاورين وحثاً لهم على الاتفاق، عن فتح المعبر في صبيحة اليوم التالي، وفي الاتجاهين معاً، ومن غير تحديد أجل معلوم، على عكس ما درجت عليه العادة من قبل، خصوصاً منذ اتهام حركة حماس بالتدخل في وقائع الثورة المصرية عام 2011.

المعبر في 3 محطات

مع أن قطاع غزة كان تحت حصار دائم، بهذه الدرجة أو تلك، وعلى هذ النحو أو ذاك، منذ أن تكوّن القطاع عقب النكبة عام 1948، وصار ذلك الشريط الساحلي الضيق يُعرف بهذا الاسم، خصوصاً بعد احتلاله عام 1967، إلا أنه يمكن التمييز بين ثلاث محطات رئيسة من تاريخ هذا المركز الحدودي الواقع بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية، اللتين كانتا مدينة واحدة لا حدود داخلية فيها طوال فترة الاحتلال الإسرائيلي لكل من غزة وسيناء، وقد ظل المعبر تحت سيطرة الاحتلال بعد انسحابه من كامل الأراضي المصرية بموجب اتفاق كامب ديفيد، في أوائل عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وذلك إلى أن جرى الانسحاب بقرار إسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة عام 2005.

فتح المعبر بشرى سارّة للمجتمع المدني الغزي المحاصر، بكل قطاعاته

المحطة الأولى: في واقع الأمر، انسحب الاحتلال الإسرائيلي من داخل القطاع، بما في ذلك المستوطنات، وهي واقعة تاريخية غير مسبوقة، إلا أنه ظل يفرض سيطرته المباشرة على المعابر البرية (عددها خمسة) المخصّصة للتجارة ومرور الأفراد، وبقي يمسك بقبضته الحديدية على الحدود البرية والشاطئ البحري بإحكام، كما أغلق المطار، ودمّره بعد ذلك، وأوقف العمل بإنشاء الميناء، وخط التنقل المباشر بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وكان ذلك كله بمثابة حجر الأساس لمعمار الحصار الظالم، القائم.

عشية سحب رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، إرئيل شارون، جيشه ومستوطنيه من داخل قطاع غزة، جرى في حينه توقيع اتفاق ثلاثي، يشمل كل القواعد والإجراءات التفصيلية، بين مصر والسلطة الفلسطينية وإسرائيل، لإقامة آلية مؤقتة، تدير بموجبها وحدة شرطة من الاتحاد الأوروبي عمليات الدخول والخروج للفلسطينيين والزائرين الأجانب والوفود والدبلوماسيين، تحت رقابة إسرائيلية عن بعد، كانت تتم من خلال الكاميرات.

آنذاك، رفضت الفصائل الفلسطينية هذه الآلية، وشنّت على أطرافها الثلاثة حملة شعواء، لا سيما على "سلطة رام الله"، غير أن السلطة الفلسطينية، وبدعم من مصر والولايات المتحدة، وبضغط إسرائيلي فظ، قبلت هذا الترتيب المجحف، باعتباره أهون الشرّين، أي بين خيار إغلاق المعبر وحرمان الغزّيين من الحق في التنقل، وبين بديل فتحه تحت رقابة إسرائيلية لا ترى بالعين المجرّدة للداخلين والخارجين. وبالتالي، نشأ وضع جيوسياسي جديد، تحوّل، مع الوقت، إلى أمر واقع مقبول، ولا نقاش فيه أو اعتراض جدّي من أي فصيل، ولا رفض أو تساؤل من المواطنين المعنيين فقط بإبقاء الباب مفتوحاً على مصراعيه، تحت أي شرط.

أصبح المعبر رمزاً ملموساً لمفهوم الحصار، وموضعاً لاختبار القدرات والممكنات بين الأطراف المتصارعة

المحطة الثانية: بقي هذا الترتيب قائماً ومعمولاً به حتى عام 2007، أي الى حين انسحاب بعثة الاتحاد الأوروبي، في أعقاب سيطرة حركة حماس على القطاع بالقوة العسكرية، وإنهاء وجود كل مظاهر الرسمية الفلسطينية في غزة. ومن ثمّة، توقفت كل من مصر والسلطة الفلسطينية عن إدارة المعبر، تجنباً للتعامل مع "حماس" غير المعترف بها وبسلطة الأمر الواقع في القطاع، الذي تم عزله عن العالم، وتحوّل منصة لإطلاق الصواريخ على المستوطنات المحيطة به، ودخل في صراعٍ محتدم مع جميع الأطراف المشتبكة حول مستقبل تلك الرقعة الجغرافية الصغيرة من فلسطين.

غير أنه جرت في وقت لاحق، وتحت ضغط احتياجات الغزّيين الملحة، إعادة رجال السلطة إلى المعبر باتفاق مع الجانب المصري، وعلى مضضٍ من حركة حماس، لتيسير مرور بعض الحالات الإنسانية، فيما بقي الحظر قائماً على تنقل قادة الفصائل، إلا بتنسيق مسبق مع المخابرات المصرية، صاحبة الأمر والنهي في كل ما يتصل بشؤون القطاع، بما في ذلك الإشراف على الاجتماعات التي كثيراً ما كانت تستضيفها القاهرة، لتحقيق مصالحة، أو إبرام اتفاق تهدئة ووقف إطلاق نار.

المحطة الثالثة: لم تدم عودة قوات من السلطة الفلسطينية إلى المعبر طويلاً، جرّاء تدخل شرطة "حماس" المتكرّر في إجراءات الدخول والخروج، فضلاً عن تزايد الخلافات، وتفاقم النزاع الذي أدى إلى إخلاء الشرطة الفلسطينية مواقعها في المعبر من جديد، ومن ثم خضوعه بالكامل لسلطة الأمر الواقع، وهو ما أدّى إلى تقديم ذريعة للسلطات المصرية كي تتشدد أكثر من قبل، ومن ثمّة إغلاقها المعبر إغلاقاً شبه تام، إلا في مواسم الحج والعمرة، وفي بغض الأحيان المتقطعة، حيث كان يطول الإغلاق فيها أشهر، ولا يجري فتح المعبر سوى أيام معدودات، من دون أن تلوح في الأفق نهاية مأمولة لهذا الحال الشاذ بكل المعايير.

فيما كانت السلطة الفلسطينية تدير ظهرها لما كان يجرى على معبر رفح على وجه الخصوص، كانت إسرائيل تواصل، بلا هوادة، الاعتداء على غزة لأقل سبب

في غضون تلك الفترة الطويلة، استعاضت "حماس" عن المعبر، جزئياً، بفتح سلسلة من الأنفاق تحت أرضية مع سيناء، كما شهدت غزة ثلاث حروب دامية، جلبت للقطاع مزيداً من الدمار والفقر والحصار والإنهاك، فيما ظل المعبر على حاله مغلقاً، حيث صار الإقفال هو القاعدة، وفتحه هو الاستثناء، الأمر الذي ألقى بظلاله الكئيبة على الحياة اليومية لمليوني إنسان، وحوّل بيئتهم إلى بيئة غير صالحة لحياة الناس، وفق تقارير للأمم المتحدة حذرت من افتقار القطاع، بدءاً من عام 2020، إلى مقومات العيش والبقاء.

3 استراتيجيات

مع استمرار حالة الاستعصاء وانعدام البدائل، وتضارب الغايات بين الأطراف المشتبكة حول كل شأن من شؤون القطاع، ومع ازدياد حدّة الاستقطاب الفلسطينية، تحوّل القطاع إلى ساحة مفتوحة لصراع سياسي أشد ضراوة، تصادمت فيه ثلاث استراتيجيات، عكست نفسها مجتمعةً على معبر رفح على هذا النحو أو ذاك، وضاعفت من فترات إغلاقه أكثر، وجعلت منه مكسر عصا لكل الأطراف المعنية بحاضر غزة الراهن، وبمستقبلها المفتوح على كل الاحتمالات التي لا يصبّ أي منها في مصلحة سكان القطاع، ممن لا ناقة لهم ولا بعير في مغزى تكاسر الإرادات.

وهكذا أصبح معبر رفح رمزاً ملموساً لمفهوم الحصار، وموضعاً لاختبار القدرات والممكنات بين أربعة أطراف، هي "حماس" التي اتبعت تكتيكات فرض الأمر الواقع، والإملاء، لانتزاع اعترافٍ واقعيٍّ بسلطتها القائمة، وأهليتها لإدارة القطاع، مقابل ثلاث استراتيجيات معتمدة، ومتقاطعة في بعض الأحيان، الأولى من جانب السلطة الفلسطينية المصمّمة على إفشال الانقلاب عليها، وبالتالي استعادة القطاع، والثانية من النظام الجديد في القاهرة، الراغب في تسديد الحساب مع "حماس" المتهمة بالتدخل في الشأن الداخلي المصري، بما في ذلك إقامة شبكة أنفاق إلى داخل سيناء. أما الاستراتيجية الثالثة فكانت من إسرائيل باعتبارها طرفاً معادياً على طول الخط المستقيم، ظل ينظر إلى غزة على أنها مصدر تهديد أمني خطير.

وفيما راحت السلطة الفلسطينية تنفض يدها المالية والإدارية من شؤون القطاع وشجونه، وهو ما كان يضاعف من أزمة سلطة "حماس"، ويضعف من أهلية إدارتها جيشاً من الموظفين، وفيما كانت السلطة أيضاً تدير ظهرها لما كان يجرى على معبر رفح على وجه الخصوص، كانت إسرائيل تواصل، بلا هوادة، الاعتداء على غزة لأقل سبب، وتشدّد الحصار، وتعمل، في الوقت ذاته، على إدامة الانفصال بين الضفة الغربية وقطاع غزة، باعتباره هدفاً مناسباً لإضعاف السلطة الوطنية أولاً، وتقويض كل زعمٍ من أي جهة كانت، بوجود جهة فلسطينية واحدة مؤهلة وقادرة على إجراء المفاوضات.

التحوّل المفاجئ في الموقف المصري موقف مرهون بشرط عدم اعتراض "حماس" على إجراءات عملية الانتخابات

أما الاستراتيجية المصرية المعتمدة منذ عهد حسني مبارك، فقد انبت على فكرة إبعاد كرة النار الغزّية عن حضن القاهرة تحت كل الظروف، وعلى حقيقة أن القطاع نفسه لا يزال خاضعاً للاحتلال، فوق أن الاعتراف بسلطة حركة حماس، ذات الخلفية الأيديولوجية الإسلامية، ينهي المشروع الوطني الفلسطيني، الأمر الذي كان يبرّر لكل العهود المصرية المتعاقبة تشديد الإغلاق في معبر رفح، وتسويغ رفض كل المطالبات المحقّة بتخفيف أعباء الحياة الآدمية، بذريعةٍ بدت مقبولةً لدى المجتمع الدولي.

مع تواصل هذا الوضع المعقد داخل قطاع غزة وخارجه، وكان إغلاق معبر رفح الشاهد الحي على فظاظته ولا إنسانيته، مالت "حماس"، في المقابل، إلى تكتيكات "المقاومة الدفاعية" لدرء تعرّضها لمزيد من الخسائر بفعل تواصل الاعتداءات الإسرائيلية. ثم عمدت في المنعرج الأخير إلى اتباع نهج المقومة الشعبية، من خلال ما عرفت باسم مسيرات العودة وكسر الحصار، وهو ما حوّل المقاومة المسلحة إلى ما يمكن تسميتها "مقاومة مطلبية" فشلت، هي الأخرى، في تحقيق أيٍّ من أهدافها المعلنة، وصارت، هي الأخرى، عبئاً إضافياً على القطاع المنهك أشد من ذي قبل.

على هذه الخلفية، يمكن فهم كل هذا الابتهاج الغزّي العارم بخبر فتح معبر رفح في كلا الاتجاهين، وعلى نحو فوري، ومن غير سقفٍ زمنيٍّ كما كان عليه الحال في المرّات السابقة، إلا أنه يمكن تفسير هذا التحوّل المفاجئ في الموقف المصري حيال المعبر الحدودي أنه موقف مرهون بشرط عدم اعتراض "حماس" على إجراءات عملية الانتخابات التشريعية الوشيكة، أو عدم القبول غير المستبعد بنتائجها المحتملة، إن أتت في غير صالح الجهة التي أخفقت في تقديم نموذج حكم يُحتذى به، وفشلت في عرض نفسها بديلاً مقنعاً للسلطة الوطنية وحركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية.