معادلات الصراع تنقلب

معادلات الصراع تنقلب

16 مايو 2021
الصورة
+ الخط -

لا يقاس ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة ضمن إطار موازين القوى العسكرية التقليدية، ولا بحجم الكلفة المباشرة، إنسانياً ومالياً، بل بالأبعاد الرمزية والاستراتيجية والمعنوية - النفسية التي تؤطّر، بصورة أكثر عمقاً ودقة وشمولية، التطورات المفصلية الحالية، ولعلّ "المعادلة الجديدة" هذه ما زالت خارج إطار إدراك النظام الرسمي العربي.

أوّل ما تحطّم اليوم، ولعلّه الأهم، هو السياق السياسي الذي سبق اشتعال الأوضاع، فمن الواضح أنّ إصرار إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، على إعلان صفقة القرن، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس، ومحاولة طمس معالم القضية الفلسطينية، ذلك كلّه كان بمثابة سياسةٍ لم تنفصل عن قراءةٍ مختزلةٍ للحالة العربية، والفراغ الاستراتيجي الذي تشكّل في المحيط، ثم جاءت عمليات التطبيع والوهن في حالة السلطة الفلسطينية والانقسام الفلسطيني الداخلي ليكتمل ذلك السياق، ويشكّل نسقاً فهم من خلاله رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي أن الفرصة سانحة للإجهاز على هوية القدس، وتحقيق مكاسب أخرى على الأرض. وليس سرّاً أنّ صهر ترامب، جاريد كوشنير، بقي متحرّكاً وفاعلاً، حتى بعد مغادرته البيت الأبيض، لتوطيد "التطبيع العربي" مع إسرائيل.

هذا السياق - النسق لم يعد قائماً اليوم، وانهارت أعمدته بين ليلةٍ وضحاها، من خلال ثورة الأقصى السلمية، ثم دخول غزة على خط المواجهة. والمتغير الأكثر أهمية اليوم اشتعال الأوضاع داخل الكيان الإسرائيلي، من خلال فلسطينيي الـ48 الذين قلبوا المعادلات، وتحرّكوا وأضعفوا إسرائيل من الداخل، وجعلوا معادلة الصراع مختلفة تماماً.

البعد الرمزي مهم جداً اليوم، فالقدس عادت لتشكل "بؤرة الصراع" في المنطقة بأسرها، والوحدة الفلسطينية الشعبية قلبت ظهر المجنّ لحسابات نتنياهو، والوطنية الفلسطينية استعادت حضورها وألقها. وفي مواجهة حالة الفراغ الاستراتيجي العربي، يمكن اليوم بناء سياج إسلامي - عالمي، من الدول المسلمة التي تمتلك قدراتٍ وأدواتٍ مهمة في المنطقة، كتركيا وباكستان وماليزيا وإندونيسيا وغيرها.

أمّا الفراغ الاستراتيجي الرسمي العربي فملأته الشعوب التي طوّقت إسرائيل وعزلتها مرّة أخرى، ما تعزّز مع تطوير المقاومة الفلسطينية أدواتها القتالية وقدراتها، في مواجهة ماكينة عسكرية قاتلة، لا تميز بين مدني ومقاوم.

أهمية ما قامت به المقاومة الفلسطينية في غزة من تهديد مباشر لأمن إسرائيل وتحدٍّ لها، تتجاوز الجانب العسكري إلى السياسي، فالفرضيات التي قامت على عزل غزة عن الضفة الغربية وإخراجها من معادلات الصراع، من خلال اتفاقيات الردع الإسرائيلية تفكّكت هي الأخرى. وقال الغزيون إنّهم مع الضفة الغربية ومع القدس، مهما كانت الكلفة الإنسانية والاقتصادية الهائلة التي تريد إسرائيل ترهيبهم بها، من خلال الاستخدام المنفلت لترسانتها العسكرية.

في المحصلة، باتت المعادلة التقليدية للصراع، والتي تشكلت خلال الأعوام الماضية، في طور التفكّك والانحلال، ومن الضروري العمل على تعزيز المعادلة الجديدة التي يقودها جيل شاب خرج على القوى التقليدية والحسابات المرتبطة بها، فانتفضت الضفة الغربية سلمياً، وحمل المقدسيون شعلة تحرير العقل من تلك الخرافات بأنّ القضية الفلسطينية انتهت، وأنّه يمكن إقامة سلام إقليمي بتجاوز حق تقرير المصير لدى الشعب الفلسطيني.

انعكست المعادلة الآن تماماً، فالتغيير بدأ من الداخل، ليس فقط من غزة، ولا من الضفة، ولا من القدس فقط، بل من فلسطينيي الـ48، الذين كان يُراد لهم أن ينسوا هويتهم الفلسطينية، وأن ينسلخوا عنها وعن مشاعرهم، وأن يقبلوا ليس فقط بالعيش تحت ظل الكيان الإسرائيلي، بل ضمن منظومة قوانين تهوّد الدولة والمدن الفلسطينية التاريخية.

الأبواب جميعاً أصبحت مفتوحةً على صراعٍ من نوع جديد. عادت القدس إلى الواجهة، وأنهت الضفة الغربية الشعور الإسرائيلي بالانتصار والهدوء. ومن الضروري أن يستمر هذا الخط لإنهاء حالة "الاحتلال الديلوكس" التي جعلت الضفة خارج الحسابات الإسرائيلية. ومحاولات تفكيك القضية الفلسطينية انتهت، وما قام به الفلسطينيون وأشقاؤهم العرب على حدود لبنان والأردن بمثابة تأكيد على بقاء حق العودة قائماً وفاعلاً في هوية الأجيال المتعاقبة، لأنّ من حطّموا هذه القيود هم جيل الشباب الجديد.

ليست مبالغة أنّ ما يحدث اليوم هو استئناف للربيع العربي، الذي بدأ في العام 2011، فالشعوب العربية لا تعرف معنى اليأس والإحباط والاستسلام لمخططاتٍ جاهرةٍ سطحية، والقضية الفلسطينية في وجدان هذه الشعوب، ومحرّك رئيسٌ للحلم بالتغيير وتقرير المصير.