مظاهرة السيّد البدوي
(خالد بن سليمان)
الدولة المصرية منزعجة من مولد السيّد البدوي، لماذا؟... لأنها تتعامل مع الحشود تهديداً أمنياً، هكذا الدول التي لا تحظى برضا شعوبها، وتحكمهم رغماً عنهم. يأتي الملايين في مولد السيّد البدوي، ثمّة مؤامرة إذن (من وجهة نظر الدولة)، ثمّة تهديد ما، يختبئ في مكان ما وسط هذه الحشود، ولو كانت عفويةً تلتمس الرجاء في الله وفي أوليائه الصالحين، فهي في الأخير حشود، ومن ثمّ خطر.
حين تكون الدولة "قادرة"، تأتيك مباشرة، فالحشد ممنوع ومجرّم، والتعامل معه بالرصاص. لكن الحشد في السيّد البدوي صوفي، والحركات الصوفيّة من أهم الروافع الشعبية التي يستند إليها النظام المصري، وما زال يرجو فيها رجاء أصحابها في أصحاب الكرامات، من هنا تقترب الدولة بحذر، فمن ناحية، تدير الحشود بنفسها وبأجهزتها، تؤمّنهم لتؤمّن نفسها منهم، ومن ناحية أخرى تطلق أجهزتها الإعلامية عليهم، لتردعهم باسم الدين "الصحيح"، وباسم السيّد البدوي نفسه.
يبدي صوت المملكتَين (السعودية والمصرية) عمرو أديب استغرابه ممّا يحدث في مولد السيّد، ويقول أنه لم يرَ مليون مصري في مكان واحد من قبل (لعلّه يحتاج أن يسأل عبد الفتّاح السيسي عن 2011). يخبرنا عمرو أنه يعرف من الإسلام أن يقول صاحب الرجاء "يا رب"، في أي وقت، ومن أي مكان، وأن ما يحدث بالنسبة إليه "غريب"، ولا ينسى أن يخبرنا أن والدته من طنطا، لعلّها أيضاً (رحمها الله) لم تخبره بشيء عن مولد السيّد البدوي، فهو ليس غريباً، بأيّ معنى، والخلاف الفقهي حوله لا يجعله غريباً، لكنّ الخلاف الآن سياسي، ومن ثمّ فـ"ما غريب إلا الدولة" التي تخشى الحشود وأخطارها الأمنية ودلالاتها السياسية.
يدخل سعد الدين الهلالي على الخط، ويتبادل مع أديب الأدوار، فعمرو أديب يحدّثنا في الدين، والهلالي يحدّثنا في السياسة. يلفّ الهلالي ويدور حول الخلاف الفقهي، والمذاهب العقدية، والصوفية وتاريخها، والأقطاب والأولياء وكراماتهم، ومدى صحّة ذلك كلّه وخطئه، لكن أديب يردعه بالمقاطعة الزاعقة، ويعود به إلى النقطة الأساس، وهي "المؤامرة" من وراء السيّد البدوي. وحين يعجز الهلالي عن انتزاع حقّه متخصّصاً في المعارف الشرعية، يذهب بدوره إلى المطلوب، وهو توظيف هذه المعارف في لعبة السياسة، فيبادر باتهام الحشود بأنها تمثّل عودة "الإسلام السياسي"، وإعلانه، وإعلان قدراته، وأن العفويّين موجودون لكنّهم أمّيون، وأن شيوخ الأزهر موجودون، لكنّهم مضّطرون، وأن الدولة موجودة لكنّها، وإن كانت رافضة لما يحدث، تتعامل مع الواقع، وأن ردع هذه الجموع مهمة عمرو أديب والسيدة العظيمة (كما وصفها) لميس الحديدي، كما أنها مهمة الشعب المصري الذي عليه أن يقرأ كتب الفلاسفة والمفكّرين (أمثال توفيق الطويل) عن التصوّف، ولم ينسَ الهلالي أن يُحيّي أهل "الخليج" على تعاملهم الديني الواعي مع الصالحين، وأن يوبّخ المغاربة والمصريين لأنهم أمّيون يأتون بصفّارة ويروحون بصفّارة.
يتحدّث عمرو أديب عن دور الدولة في تأمين الحشود، لكنّه لا يتحدّث عن مسؤوليتها في صناعتها، من أتى بهؤلاء جميعاً؟ ولماذا؟ لم يعد المولد طقساً صوفياً، يحمل وجهاً من وجوه التديّن الشعبي، بل صار مظاهرةً روحيةً تحمل الرجاءات إلى السيّد المتخيّل، فما من سيّد حقيقي، يحول بين الناس وتراكم رجاءاتهم، مجتمع موازٍ، يتشارك فيه "الخلق" من كل الطبقات إعلان أنفسهم ومطالبهم إلى جهة آمنة، "غير أَمنية"؟. يذهب من يعرف السيّد البدوي، ومن لا يعرفه، الجائع يأكل، والخائف يأمَن. الحزين يسعد بغيره، والضعيف يتقّوى بغيره. فاقد الأمل يخترعه، ومعدوم الظهر يستظهره. يأتي الجميع ليطالب بشيء من أبسط حقوقه، ومن دون مسؤولية، كما هو مفترض، لكن يبدو أن مجرّد وجودنا في هذا البلد صار عبئاً أمنياً على حكّامه، ومن ثمّ فعلينا جميعا (من دون الدولة) أن نتحمّل مسؤوليته، وأن ندعو الله من بيوتنا، كما ينصحنا عمرو أديب وتابعه الهلالي (وإلا فنحن إسلاميون وأمّيون)... حلّها من عندك يا رب، "شي لله يا سيّد".