مصنع السحاب... في عشق الحياة عبر بوابة الموت

27 يوليو 2026

حين مُنعت رواية "مصنع السحاب" وسُحبت من معرض القاهرة للكتاب (2026)، من دون أدنى تمحيص أو تدقيق أو مراجعة أو تحقّق (على الأقلّ من باب رفع العتب ودرء الشبهة والتيقّن من أنّ محتوى العمل المجني عليه لا ينطوي على أيّ إساءة أو ازدراء أو مسٍّ من أيّ نوع بالمشاعر الدينية)... حينها بادر كاتبها البارع حامد عبد الصمد إلى نشرها مجّاناً على الإنترنت عبر حساب بمنصّة تليغرام، ما أتاح لقراء كثيرين متعة التعرّف إلى هذا المنجز الإبداعي العميق الاستثنائي، الباهر بكلّ المقاييس، وذلك قبل أن تعيد نشرها "دار التنوير" في بيروت.
ومن دون أيّ انحياز معرفي أو تأكيدي، ولا حتّى مزاجي أو عاطفي، يمكن القول إنّ "مصنع السحاب" هي النصّ الأجمل والأكثر عمقاً وتأثيراً وإبهاراً بمحمولاتها الفكرية والفلسفية والتأملية والمعرفية والجمالية، وهي أُسلوب السرد الذكي الرشيق الشائق المتدفّق الذي يمسك بجملتك العصبية مثل الكمّاشة، واللغة العذبة البسيطة البعيدة عن التكلّف، المتماسكة، المتقشّفة، المباشرة، المتخفّفة من الصنعة والفذلكة والمحسّنات اللفظية، والمحتوى الذي ينطوي على تركيبة خطيرة من الأحداث والأفكار والمعارف والتأمّلات والاستخلاصات والمحصّلات التي ستؤدّي بمَن يتورّط فيه إلى اختبار جملة مشاعر مرتبكة متناقضة: حزن وفرح، قد يضحكك في بعض الأحيان، ثمّ يبكيك بلا رأفة، يدعك قليلاً كي تلتقط أنفاسك، ثمّ يجلدك بسوط الأسئلة الوجودية المرهقة: الحياة، الموت، المرض، الحروب، الصراع، الحبّ، الخيانة، الخذلان، الحنين، الأمل، اليأس، الظلم، العدل، الخيبة، المأساة، إضافة إلى السؤال الأكثر قسوة: سؤال الجدوى والمعنى والهدف، وهل يستحقّ الأمر ذلك العناء كلّه.
باختصار، "مصنع السحاب" نصّ يشعل الروح، ويسلب العقل، ويعيد ترتيبه من جديد، ويحرّض المتلقّي البريء، الذي سيقع في براثن هذا النصّ الوحشي، على إعادة النظر في كلّ شيء؛ لأنّه سيلمسه في أخمص روحه، ويضعه في موقف الحيرة والعجب: ماذا تبقّى لحامد كي يقوله وقد قال كلّ شيء؟ وتحت سطوة أيّ مزاج غرائبي خرج علينا بهذه التحفة الفنّية متكاملة العناصر الجمالية؟
"مصنع السحاب" رواية ذهنية لا تخلو من واقعية سحرية بأحداثها الفانتازية، عن مكان هو أقرب إلى الفكرة. مصنع السحاب يختار قاطنيه، الراغبين في الذهاب طوعاً إلى موتهم لأسباب تخصّهم، في إطار اتفاقية بين العملاء وبين مالك المصنع، صاحب الفكرة حين تكشف الأحداث قصّته الشخصية المروّعة، وتعرض نماذج من النساء والرجال ممّن خذلتهم الحياة واستنزفت طاقتهم، من خلال سرد قصصهم ومعاناتهم، مع انحياز مشروع للمرأة في كلّ الحالات. ورغم هذا، لا تبشّر الرواية بالانتحار حلّاً، خلافاً لما يبدو للوهلة الأولى. مصير الموت رحمة إذا كان الحال عكس ذلك، وفي مثل هذا الطرح انحيازٌ جليٌّ إلى الحياة كما ينبغي لها أن تكون، وصرخة احتجاج ضدّ جميع أشكال القبح التي قد تعتريها.
تجري الأحداث في اليابان، حيث أقام حامد عبد الصمد بضع سنين، وانخرط في تفاصيل الحياة فيها، واشتبك مع مفردات الثقافة اليابانية، وتمكّن من تحديد ملامح المكان ببراعة.
في مقدّمة الرواية القصيرة المكثّفة، التي يظنّ حامد، واهماً، أنّها قابلة للتخطّي، يقول إنّ الموت ضيف نادر، يأتي مرّةً واحدةً في العمر، وإنّ سقراط كان متشوّقاً للحياة والموت، عانق الموت كما عانق الحياة، راقصاً رقصةً متوحّشةً تفيض بالزهو. ويقول أيضاً: "منذ الظهور يسير الجميع نحو الاختفاء، الذي قد يكون وجهاً معتماً، لكنّه الوجه الوحيد الذي يستطيع أن يميط اللثام عن لغز الحياة". ويختتم قائلاً: كما تشارك الشمعة الليل بنورها، والغيمة الأرض بمائها، كما تمنح الزهرة عبيرها للريح، سيتقاسم ما عنده مع العابرين والماكثين. وحينها فقط، حينها ستمنحه الحياة ولادةً جديدةً كلّ يوم".
تحيّة كبيرة إلى المبدع حامد عبد الصمد على منجز ثري عظيم. "مصنع السحاب" محض غنائية مسترسلة مذهلة، تطرب الروح، وقد تعشقت الحياة عبر بوابة الموت.

AD06A645-8A0A-4B42-9292-5FC44B5D51C6
بسمة النسور

كاتبة أردنية، تحمل الليسانس في الحقوق، صدر لها ست مجموعات قصصية، وكتبت نصين مسرحيين. تكتب في الصحافة العربية منذ 1990، وتشغل موقع رئيسة تحرير مجلة "تايكي" المتخصصة بالإبداع النسوي.