مصر والتطبيع... من العزلة إلى مخاطر الحصار

22 نوفمبر 2020
الصورة
+ الخط -

دخل التطبيع العربي الإسرائيلي مرحلة جديدة، مع هرولة الإمارات والبحرين إلى تل أبيب. ولا مبالغة أن اعتُبرت الاتفاقات المعلنة أخيرا نقطة زمنية فاصلة، ومؤشّرا على إمكانات تغير التحالفات وموازين القوة في الشرق الأوسط. تعقد الإمارات اتفاق سلام مع دولةٍ لا يجمعها معها حدود، ولم تدخل معها في حرب. ويشير الاتفاق، بصيغته الحالية، إلى تعاون أقرب إلى تحالف، حتى إن بعضهم نتاج تنوع جوانبه وشمولها، وتكثيف حالة الاحتفاء تساءل، بشكل ساخر، متى سيتم إعلان الوحدة الكونفيدرالية بين البلدين؟
لا يخلو الاتفاق من محاولاتٍ بائسة للتبرير، منها أن إسرائيل ودول الخليج عمليا في مواجهة إيران. ويحاول هذا المنطق الفاسد استرضاء دول مجلس التعاون من جانب، وتشجعيها على التطبيع، وتضخيم المخاوف من خطر إيران على جانب آخر. كما يبرّر الاتفاق بأن ثلاث دول سبق أن عقدت اتفاقات مماثلة. والمقارنة هنا خادعة، لأن تلك الدول دخلت في صراع عسكري، واحتلت أراضيها، ولم تستهدف من اتفاقاتٍ عقدت تحالفا مع إسرائيل كالذي يتم تسويقه إماراتيا. وحتى اتفاقية كامب ديفيد مع مصر تعتبر سلاما رسميا وباردا، لم يوثر، على الرغم من قدمه، في وجدان الشعب المصري، الرافض أغلبه التطبيع، بل يقف في مقدمة الشعوب التي ترى إسرائيل العدو، والمهدّد الأخطر للمنطقة. أما زجّ القضية الفلسطينية وربط وقف الاستيطان (خطة الضم التي أعلنتها إسرائيل) بالتطبيع محض أكاذيب سبقت الاتفاق، ومهّدت له. وقد كتب سفير الإمارات في واشنطن، يوسف العتيبة، افتتاحية في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية، أعلن فيها استعداد بلده "التطبيع مقابل وقف الاستيطان"، وهذا تكذبه أخبار استمرار الاستيطان، بعد توقيع الاتفاق في سبتمبر/ أيلول الماضي. عدا عن شواهد تاريخية مثلت فيها المستوطنات قضية أساسية تضمن توسع إسرائيل، وهي إحدى ركائز السياسة الإسرائيلية بجانب الحفاظ على حدود تضمن أمنها، والسيطرة على القدس.

مع نتاج تنوع جوانب التطبيع بينهما وشمولها، تساءل أحدهم، بشكل ساخر، متى سيتم إعلان الوحدة الكونفيدرالية بين الإمارات وإسرائيل؟

وقد شهدت هذه الملفات تعثرا في كل مفاوضات السلام سابقا، ومنها مباحثات كامب ديفيد، حيث كان رئيس حكومة إسرائيل في حينه، بيغن، يرفض تفكيك مستوطنات سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية، وحاول الرئيس الأميركي كارتر (حسب شهادته في كتاب فلسطين سلام لا تفرقة عنصرية، ترجمة عادل بشري) الوصول إلى حلول عبر الحوار مع الرئيس المصري، أنور السادات، وأطراف عربية "غير متشدّدة" على عكس ما تعلنه رسميا. وكُشف حديثا (2014) عن رسائل أميركية تفيد بقيام أطراف بجولات حوارٍ في هذا الشأن، بعد سنوات من المفاوضات أخلت بموجبها إسرائيل، في إبريل/ نيسان 1982، كامل مستوطناتها من سيناء. وفى 1989 حرّرت طابا التي كانت تتمسّك بها إسرائيل، طمعا في توسيع نفوذها على البحر الأحمر بجانب ميناء إيلات، لدعم قدرتها اقتصاديا وعسكريا، وربما المناورة مستقبلا إذا اقتضى الأمر، وهذا يؤشّر إلى أهمية المستوطنات والنفوذ البحري لإسرائيل، كما تعد الممرّات البحرية هدفا استراتيجيا لها، ليس لطبيعة إسرائيل العسكرية وحسب، ولكن أيضا لأهمية المنافذ البحرية اقتصاديا.
كان رد الفعل العربي على الغزو الإسرائيلي للبنان ضعيفا، عقدت القمة الـ15 لجامعة الدول العربية (سبتمبر/ أيلول 1982) بمشاركة 19 دولة، وغابت عنها مصر وليبيا. طرحت السعودية مشروعا للسلام، عدّه بعضهم اعترافا ضمنيا بإسرائيل مقابل التسوية، بينما ظلت مصر في عزلتها عن القضايا العربية والقضية الفلسطينية، ولم تنقطع هذه العزلة إلا مع لقاء الزعيم الفلسطيني، ياسر عرفات، مع الرئيس حسني مبارك في القاهرة (ديسمبر/ كانون الأول 1983). ويرجع بعضهم سبب اللقاء إلى إحساس عرفات بأن الاصطفافات والخلافات العربية ليست في صالح فلسطين. كما سبق ذلك لقاء مبارك ورئيسة الوزراء البريطانية، تاتشر (فبراير/ شباط 1983) بعد الغزو الإسرائيلي للبنان بثمانية أشهر. وتناول مبارك، حسب وثائق بريطانية نشرت أخيرا، نقاشات حول تسوية شاملة للقضية الفلسطينية تشمل دولة منزوعة السلاح، وعدم ترحيل الفلسطينيين من لبنان. وإتمام حكم ذاتي في غزة والضفة.

كثفت الإمارات وجودها في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقةٌ تمثل أهمية استراتيجية للأمن القومي المصري

ومع التسليم بأن اتفاقية كامب ديفيد عزلت مصر عن محيطها العربي، لكن ذلك لم يضرّها وحدها، بل أضعف فرص تشكل موقف مساند للقضية الفلسطينية. ويظهر في السياق التاريخي أن كل مرحلةٍ من توتر العلاقات العربية وتصاعد الخلافات، والعجز عن الوصول إلى حد أدنى من التوافق، تشكل فرصة لإسرائيل، وتنشئ أرضية لتوسعها، وبالتالي فرض أجندتها في المنطقة، بتسهيل جذب أطراف عربية إلى إقامة علاقات معها، تستغل فيها أحيانا الخلافات العربية، بدايةً من عزل مصر، ثم اجتياح لبنان، ومحادثات مدريد التي تلت غزو العراق الكويت 1990، وصولا إلى توقيع اتفاقية إعلان المبادئ بين منظمة التحرير وإسرائيل، المعروفة باتفاقية أوسلو (سبتمبر/ أيلول 1993). وأخيرا، شكلت سياسة المحاور العربية التي تكونت مع الثورات العربية، وحتى إعلان التحالف الرباعي (مصر والإمارات والسعودية والبحرين) فرصةً وإطارا لموجة التطبيع الجديدة. ويستطيع المتتبع قياس محطات التطبيع العربي ومؤشّرات تمدّده مع الأزمات العربية، وربما تكون المرحلة الحالية، وهي أضعف حلقات العمل العربي، الأخيرة التي تستوعب ما تبقى من دولٍ لم تعلن أو تقم علاقات تطبيع عبر معاهدات واتفاقات رسمية. وتحمل موجة التطبيع الجديدة احتمالات مخاطر متنوعة على مصر، ويساهم الاتفاق الإماراتي الإسرائيلي في حصارها جغرافيا على طول ساحل البحر الأحمر من شماله إلى جنوبه، ويحمل تهديداتٍ أمنية، ويُضعف قدرات مصر الدفاعية. بالإضافة إلى نتائج اقتصادية سلبية، ويزيد من التحدّيات الاقتصادية والعسكرية، ويحمل أعباء جديدة.

تضاف إلى احتمالات المخاطر على مصر إمكانية أن تنفذ شركات إماراتية مشروعاتٍ بتعاون إسرائيلي داخل سيناء،

وقد حققت الإمارات خلال حربها على اليمن نفوذا لها جنوب البحر الأحمر، عدا عن تكثيف وجودها في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقةٌ تمثل أهمية استراتيجية للأمن القومي المصري، بالإضافة إلى تأثيرها في ملف مياه النيل. وفي السياق مخاطر متعدّدة، منها ما نشر في وسائل إعلام إسرائيلية وأميركية، عن عزم الإمارات التعاون مع إسرائيل لإنشاء مرافق استخباراتية مشتركة في جزيرة سقطرى اليمنية، لمراقبة خليج عدن وبحر العرب وباب المندب. وقد زار ضباط إسرائيليون المنطقة لإنشاء محطة مماثلة لتلك القائمة في جنوب أسمرة، بغرض مراقبة جنوب البحر الأحمر. والإشارة هنا إلى مواجهة الطرفين (الإماراتي والإسرائيلي) نفوذ إيران، لكن هذا لا ينفى خطر هذه الأنشطة التي تحدّ من إمكانات الدفاع والهجوم، فضلا عن الحد من إمكانات مستقبلية لأنشطة ملاحية واقتصادية في المنطقة. وتظهر أنشطة الإمارات في دول القرن الأفريقي ميلها إلى التحكم في الموانئ. وإذ أُخذ في الاعتبار اتفاق التطبيع الإماراتي مع إسرائيل، في جوانبه المتعددة، فإن من الوارد أن تكون السيطرة على الموانئ مشتركة بين الجانبين، خصوصا أن إسرائيل تهتم بملف النقل الجوي والبحري. وقد كان ضمن مقدّمات التفاهم السوداني الإسرائيلي، تمهيدا للتطبيع، طلب إسرائيل السماح بتحليق طيرانها فوق أجواء السودان، بغرض اختصار مدة الرحلات.
أما منافذ البحر الأحمر شمالا، وبعد فشلها في الاستيلاء على طابا، سعت إسرائيل إلى تحرير حركتها. ومثّل اتفاق ترسيم الحدود بين مصر والسعودية طريقا إلى ذلك، حيث استطاعت إسرائيل، بعد فقد مصر جزيرتي تيران وصنافير، الاستخدام الأمثل لميناء إيلات. وبذلك تكون قد نفذت شمالا وجنوب البحر الأحمر، ومهّدت الطريق لمشروعات عديدة، وفرتها إمكانات الملاحة البحرية. وحسب ما أعلن عنه أخيرا، فإنها تستعد لنقل الغاز إلى أوروبا عبر ميناء إيلات، هو ما سيؤثر بلا شك على عوائد قناة السويس ( 5,9 مليارات دولار في عام 2018/2019)، ويحدّ من وظيفة تفريعة قناة السويس التي كان أحد أهدافها حينها قطع هذا الخيار. ويعمّق الوجود الإسرائيلي بحريا إمكانات إسرائيل عسكريا، ما يمثل ضغطا على مهام الدفاع أيضا. وتضاف إلى احتمالات المخاطر إمكانية أن تنفذ شركات إماراتية مشروعاتٍ بتعاون إسرائيلي داخل سيناء، والتي تحتل في العقلية الصهيونية مكانة دينية ثقافية وتاريخية هامة، وضحت خلال احتلالها وترويج بعض المزارات فيها بوصفها أرضا إسرائيلية مقدّسة.
لم تتغير هذه الذهنية، وليس أدل على ذلك تحليل مدلولات مسمّى الاتفاق "أبراهام" ثقافيا وتاريخيا، وما يمثله من روايةٍ توراتيةٍ، يتم بها ترويج الميل التوسعي لإسرائيل، وفقا للتوراة "في ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلًا: لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَات" (سفر التكوين). حتى لو أن ذلك اعتبر محض دعاية، وأن إسرائيل دولة علمانية، فإن الأطماع الصهيونية لا تتوقف على حدود فلسطين، والحيز الذي لا تستطيع إسرائيل السيطرة عليه جغرافيا، تسعى إلى بسط نفوذها عليه عبر وسطاء، لأن الميل التوسعي لإسرائيل ما زال قائما، وكل سنوات التطبيع والتفاوض أكّدت ذلك ولم تنهِه.
يتبقى أن الاتفاق سيؤثر في صورة مصر، والتي كانت تسوّق بوصفها راعي جهود السلام في المنطقة، والدولة الأكبر والأكثر تأثيرا، والأقرب تفاهما مع الولايات المتحدة في صياغة سياسات المنطقة هي والسعودية، بينما  تتوسع الإمارات اليوم على حساب الدولتين، وتقدم نفسها قائدة للمنطقة. وهذا ربما ما يؤشر إلى احتمالات تراجع علاقات الإمارات مع السعودية، والذي بدأت بوادره في عدة ملفات، منها الحرب في اليمن، وخفوت الترحيب المصري بالاتفاق.