مصر .. شروق الحقيقة في ظلال وردة جميلة

مصر .. شروق الحقيقة في ظلال وردة جميلة

24 يناير 2022

(إنجي أفلاطون)

+ الخط -

بينما كانت فقرات منتدى شباب العالم، في شرم الشيخ، الترفيهية، تبث عرض الساحر، وأغنية بيلا تشاو Bella Ciao، ومطلعها "وداعا يا حبيبتي، وإن مت وأنا أناضل ادفنيني، تحت ظل وردة جميلة"، غرق ثمانية أطفال مصريين من عمال التراحيل. كانت عاملات حقول الأرز في إيطاليا يتغنين بهذه الأغنية خلال القرن التاسع عشر، احتجاجا على ظروف عمل قاسية، قبل أن تتحوّل إلى أغنية حماسية لمقاومة الفاشية. في مصادفة حزينة، واشتباك مع عمل غير لائق، ماتت شروق وأقرانها خلال هجرتهم اليومية من المنوفية إلى الجيزة، وانتشلت من نهر النيل جثتها كما أطفال سابقين. تجمع الضحايا صلات قرابة، وكانوا يعملون لمساعدة أسرهم، بأجرٍ يقل عن دولارين مقابل ثماني ساعات، غير مدّة الترحال. وتفيد أبحاث سابقة بأن أعمار المشتغلين بالزراعة تبدأ من ستة أعوام إلى 16 عاما، وعدد الأطفال في مصر 40 مليونا في منتصف العام الماضي. وتختلف التقديرات بشأن عمالة الأطفال، حيث قدّر عددهم رسميا بمليون وستمائة ألف طفل في 2012، في الفئة العمرية من 12 إلى 17 عاما. وهناك تقديرات بأن أعدادهم أضعاف ذلك، بحكم صعوبة الحصر وعدم توفر قاعدة بيانات بشأنهم. وعالميا، تفيد بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) لعام 2020 بأن هناك 160 مليون طفل عامل، يشتغل بالزراعة ما يتجاوز 60% منهم، وفي الوطن العربي أكثر من 13 مليون طفل عامل، حسب بيانات منظمة العمل الدولية.

تتسع قوة العمل بين الأطفال، نتاج تغيرات في علاقات ملكية الأرض ونمط الإنتاج، وتراجع أنشطة الزراعة والتصنيع، ما أوجد فائضا في العرض لقوة العمل

تقل أجور العاملين في مجالات الزراعة، ومن بينها أنشطة الصيد والعمل في المزارع ومشاريع الإنتاج الحيواني، قياسا بغيرهم من العاملين، وإن كانت ظاهرة عمّال التراحيل، ضمن العمالة الزراعية وكشاغلين للعتبة الدنيا من التقسيم الطبقي، رصدتها أفلام وأعمال أدبية قديما، فإن الظاهرة مستمرة، وانتقلت من عصر الإقطاع مع تحوّل اقتصادي إلى العمل في المزارع بالظهير الصحراوي، وأنشطة تجمع بين نمط إنتاج رأسمالي زراعي. وتتوسع قوة العمل بين الأطفال، نتاج تغيرات في علاقات ملكية الأرض ونمط الإنتاج، وتراجع أنشطة الزراعة والتصنيع، ما أوجد فائضا في العرض لقوة العمل. يقل الأجر كلما زادت نسبة البطالة عموما، ومع اتساع دوائر الفقر، خصوصا في الريف عنه في الحضر، والذي يتجاوز في بعض المحافظات النصف، كما أسيوط والمنيا وسوهاج، تندفع قوة العمل إلى طابور العمالة غير المنتظمة، والذين يزيد عددهم فى بعض التقديرات عن عشرة ملايين ضمن قوة عمل تتجاوز 27 مليونا. ولأن عمالة الأطفال والنساء أقل أجرا، فإنهم يمثلون القوام الأساسي لعمال التراحيل. ويكشف هذا الوضع، بشكل عام، خللا في توجّهات التنمية، وتركيزها على المنشآت وإهمال أولوية الاستثمار الزراعي والصناعي، وهو البديل الذي أصبح يتردّد على لسان المفقرين، ابنوا لنا مصانع لنعمل، كما جاء على لسان والدة إحدى الضحايا.
قالت والدة شروق إنها أخبرتها برغبتها مواصلة تعليمها، حتى تصبح ضابطة بحرية، وفي سبيل ذلك، سعت الفتاة إلى العمل وتحمّل جزء من أعباء المعيشة، بما فيها دروس خصوصية، لطفلة التحقت بالمدرسة الإعدادية حديثا. تفكر شروق كما أطفال آخرين، بعقلية منشغلة بمساعدة الأهل وتحمل قدر من المسؤولية. يفكر بعض الأطفال في هذه الأوضاع بأن يتحوّلوا من عبء إلى عون، أو حسب تعبير متكرّر في مناطق ريفية تعرف صعوبة العيش، "أولادنا يولدون كبارا".
الواقعة، غرق ثمانية أطفال، وما فيها من جوانب مأساوية، كاشفة عن أوضاع معيشية صعبة لها صفة العمومية، ما يقترب من ثلث السكان، وإن كانت تختص أكثر بواقع الفلاحين الذين تحوّلت نسبة من قوة العمل لديهم إلى أجراء يعملون باليومية لدى الغير، في ظل ندرة فرص العمل. والفقر كالوحش، يلتهم الأحياء أيضا، ويزداد في الريف عن المدن، نتاج عوامل عدّة، منها خلل في توزيع عوائد التنمية المتواضعة وارتباطها بالسياسات الاقتصادية. هناك فائض بشري يعيش حياةً ملؤها الشقاء اليومي، وتزداد مع برامج الإصلاح الاقتصادي زادت أعباؤهم، تصرّ السلطة على تطبيقها على الرغم من آثارها المؤلمة. ليس البؤس وحده الذي ينكشف من تلك الحوادث، لكن هناك مفارقات وصور من تفاوت طبقي ممزوج بفروق بين المركز والأطراف، غير صورة للدعاية مضلّلة عن إنجازاتٍ ونجاحاتٍ لا تنعكس على أحوال الناس البائسة.

حسب بيانات مصرية رسمية، تتجاوز مؤشّرات الفقر المدقع 4% من السكان. ولا يستطيع هؤلاء توفير الغذاء الضروري

لم تكن شروق في حاجة إلى العمل، إن كان توفر لوالدها معاشٌ يكفيه، أو فرص علاج تتكفلها الدولة، كما ينص الدستور، وتطبّق مدونات الحقوق الاقتصادية الاجتماعية التي تتردّد دوما في مواجهة مدوّنة الحقوق السياسية، وكأنهما في حالة تعارض. ولو كان هناك نظام تعليمي لا ينتج تعليما موازيا، تصبح الدروس الخصوصية فيه ضرورة، تلجأ لها أغلب الأسر. وربما لم تكن شروق وغيرها مدفوعين إلى العمل في هذه السن، وفي ظل تكلفة معيشة لا يقدر ملايين على دفعها. وحسب بيانات مصرية رسمية، تتجاوز مؤشّرات الفقر المدقع 4% من السكان. ولا يستطيع هؤلاء توفير الغذاء الضروري، هذا مع اتجاه إلى رفع تكلفة الخدمات من دون حسابات ضرورية عمن لا يستطيعون دفع تكلفتها، بينما وقع الفلاحون المصريون تاريخيا رهن دعايةٍ متكرّرة إن السلطة تسير في اتجاه تغيير أحوالهم، ولكن لا مؤشّرات على ذلك، وإن كان نظام يوليو (1952) قد أحدث تغييرا نسبيا. وبعدها شهد الفلاحون تردّيا في سبل العيش. ولذلك ليس الضحايا الأطفال الغرقى نتاج خطأ سائق سقط من فوق جسر، بل نتاج خطأ في قيادة توجهات وسياسات اقتصادية متراكمة، دفعتهم إلى مصائر قاسية، وشقاء العمل وعبوديته، ومخاطره في هذه السن المبكرة. ولا يتأتى إصلاح هذا الخلل بولع لدى مشرّعين لإصدار قانون يزيد عقوبة العمل في سن الطفولة، بقدر إحداث تنمية توفر فرص عمل كريمة ولائقة تحمي الأطفال من تحولهم إلى ضحايا، هم وذووهم، ولا يمكن أن نعدّ أهالي وأمهات مفقرات ينتظرن أبناءهن عند شاطئ النيل صرعى، قساة القلب تركوا أطفالهم للموت، بل الفقر وبؤس الحال هو القسوة بعينها، ومنفذي السياسات والقرارات التي تعيد إنتاج هذه الدائرة الجهنمية، في موقع الاتهام تاريخيا، ويتحملون هذا المسلسل الطويل من مشاهد يعرفها أجراء فلاحون.
استطاعت الواقعة أن تسلط الضوء على قرية الضحايا، وهي نموذج، أو حالة يمكن الاستدلال منها، تفتقد للطرق الممهدة، وتبعد عن أقرب مشفى صحي ساعتين (مستشفى أشمون) مع تردٍّ لوسائل النقل من العزبة (لفظ كان يطلق على أرض يملكها إقطاعي يعمل فلاحون في أرضه) إلى المركز، مواصلات آدمية، كما عربات عمّال التراحيل، ربع ونصف نقل. وفي ظل حالة توتر اجتماعي ملحوظة. وقد نقلت صحف ووسائل إعلام المأساة، كما ناقشت من قبل وقائع انتحار عمال، منهم نور عاشور، فيما يبدو أن ضبط الإعلام الرسمي والخاص غير ممكن طوال الوقت، خصوصا مع وجود أدوات إعلام بديلة، تتناقل الأخبار، ومنها ما يمثل صورة تجسيد مأساة فقراء الفلاحين، وعمال التراحيل، الباقين، على الرغم من مخطّطات استهدفت الريف المصري، ولكن لم يحدث أثر حقيقي، ولم تمسّ جذور المشكلة، فتطوير ألف قرية كما خطط نظام حسني مبارك، واستكماله في شكل مبادراتٍ شبيهة، لم ينفذ، على مسألة علاقات العمل، والتنمية المبنية على بناء مصانع أو دعم أنشطة زراعية لصغار الفلاحين الذين يُدفعون إلى هجرة المهنة أمام منافسة أنشطة استثمارية كبرى، لها فرص وحوافز أكبر.

كأن المطالب العادلة، والمتشابهة مع أحوال قرى مصرية، تحتاج كارثة للكشف عنها

كما يكشف الواقع عن غياب عدالة في سياسات التشغيل، وضعف في أداء المؤسسات المختصة بالعمالة، بجانب ضعف المناصرين لحقوق الطبقة العاملة المصرية، مع اختلال طبقي ظاهر ينعكس في السياسات الاقتصادية والبنية التشريعية، والتي حتى مع محاولات إصلاحها لا تنتج أثرا ذا وزن.
أخيرا، يمكن تأمل صورة شروق المملوءة بالأمل، أمام خيبات الواقع. وأن ترى العزاء الجماعي الذي أقيم في محل سكنها والكراسي الوثيرة وفرش جديدة لا تمزّق فيها ولا رتق، جاءت للمحافظ ومعاونيه ورجال السلطة الذين تلقوا العزاء في الضحايا! وإعلان عن توفير مطالب الأهالي واحتياجاتهم من رعاية صحية وإنارة ومحور للنقل وتوصيل مياه الشرب على نفقة المحافظة، وإقامة مشروعات تنموية، وكأن كل هذه المطالب العادلة، والمتشابهة مع أحوال قرى مصرية، تحتاج كارثة للكشف عنها. يمكن أيضا رؤية دلالات التصوير، ومقارنة صور فوتوغرافية للبؤس، والوجوه والظهور المنحنية، من أعلى، أصحابها منكسرون، وصور للسادة متخذي القرار يلتقطها المصوّر من أسفل ليظل الكل محافظا على وضعه من علاقات السيادة والهيمنة. ليست المسألة هنا عن تقنيات التصوير لوسائل إعلام تعرف الخريطة الطبقية ودورها وحسب، بل تعبير عن خللٍ فى أن يصبح رجال السلطة منفصلين عن الناس. وفي تعارض مع مفهوم الدولة من الأساس. وفي العزاء، وقف المسؤولون فى صف، بينما بقية المعزين من الأهالي في ركن آخر، يأخذ شكل سهم منكسر، والظهر منحنٍ، وأجساد السادة منصوبة. إنهم يتفاعلون ليس مع حالتهم النفسية، وإنما مع مواقعهم الطبقية أيضا، ويتذكّرون أبناءهم عبر صور تم تعليقها على مدخل القرية.