مشاهد من 2020

01 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

(1)

كان لافتا في الشهر الماضي (ديسمبر/ كانون الأول) أن عدّة لافتاتٍ وُجدت في شوارع مصرية تحتفي باليوم العالمي لمكافحة الفساد، بجانب عدة فعاليات كرنفالية واحتفالية في الشوارع، بحضور مسؤولين حكوميين، وإقامة فعاليات مرحة مع تشغيل أغانٍ وطنيةٍ وشعبية. ولأني مهتم بالرياضة، تلقيت عدة دعوات إلى أنشطة رياضية في هذا اليوم العالمي، ألقى فيها مسؤولون حكوميون كلماتٍ عن ضرورة مكافحة الفساد، ووزّعوا الجوائز على الرياضيين المشاركين، وإلى الحلويات والمشروبات، قُدّمت هدايا رمزية على باقي الحضور.

ما علاقة تلك الاحتفالات والكرنفالات، أو حتى الأنشطة الرياضية بمحاربة الفساد؟ أليست هناك إجراءات أكثر جدّية لذلك، بدلا من تلك الاحتفاليات، عشرات الأبحاث والأطروحات التي قُدّمت قديما وحديثا، إجراءات كثيرة ومتطلبات لمكافحة حقيقية للفساد، منها حرية تداول المعلومات مثلا، واستقلالية الأجهزة الرقابية للدولة، وهيئة جادّة لمكافحة الفساد ووسائل واضحة للتبليغ عن وقائع الفساد، وحماية الشهود، وتفعيل الشفافية. ولكن كانت هناك أيضا ملاحظة أن بعض القائمين على تلك الاحتفاليات والكرنفالات هم المسؤولون التنفيذيون في المحافظات والأحياء، فيما كثيرون منهم حولهم قصص كثيرة عن الفساد والمحسوبية.

(2)

بعد أيام، كانت هناك زيارة استثنائية في السجون بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان. خبر مضحك ومبك في الوقت نفسه. يفترض أن هذا اليوم لإعلاء القيم الإنسانية وتذكير الحكومات بأهمية احترامها، للحفاظ عليها وتقليل معاناة الشعوب، ولوقف أسباب الاحتقان الداخلي في الدول، ومحاولة لتقليل الصراعات والحروب. وهي مناسبة كذلك لتذكير الشعوب بحقوقها الطبيعية والمشروعة. تعجّبت من ذكر كلمة حقوق الإنسان علنا في وسائل الإعلام، وتعجبت قليلا من منح السجناء زيارة استثنائية بمناسبة اليوم العالمي، وبعضهم محبوس، في الأساس، بسبب اهتمامه أو دفاعه أو عمله في مجال حقوق الإنسان. ولكن ذلك العجب زال عندما شاهدت أكثر من حلقة حوارية في وسائل الإعلام، وكان فيها طرح جديد مغاير للمفهوم العالمي أو المتعارف عليه لحقوق الإنسان، فقد تحدثوا عن حقوق إنسان مغايرة للمفاهيم والمعايير الدولية، فهم يعتبرون أن ما يتم تطبيقه، وما يحدث في مصر، هو أفضل صور ونماذج احترام الحقوق في العالم وتاريخ البشرية.

الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة لا تتحقق بالتصريحات الإعلامية، ولا حتى بتوصياتٍ شكلية

شاهدت بعض حلقات النقاش الهزلية في بعض القنوات الإعلامية الموالية، يتحدّثون أن مطالب حماية حقوق الإنسان التي تصدُر من البرلمان الأوروبي أو المنظمات الدولية هي إحدى أدوات حروب الجيل الرابع وتفكيك الجيوش، وأنها مدخلٌ جديدٌ من مداخل الاستعمار، وأننا لا نحتاج لأن يذكّرنا أحدٌ بحقوق الإنسان، فكل الأوضاع عندنا تمام، ومكافحة الإرهاب تتطلب بعض الاستثناءات والتجاوزات الطفيفة، من أجل حماية حقوق الإنسان، لكن كله تمام.

(3)

بالتزامن مع ذلك، كانت وسائل الإعلام تتحدّث أن التعليمات صدرت بأن تكون مصر دولة مدنية ديمقراطية حديثة. جميل، ولكن إذا كان من يحكمون مصر يرغبون في أن تكون مصر دولة ديمقراطية حديثة حقا، فما هي أوجه الخلاف بيننا؟ ولماذا يتم حبس من يطالبون بأن تكون مصر دولة ديمقراطية حديثة؟ يبدو أنهم يريدون تفصيل مفاهيم جديدة على المقاس حول الدولة والمدنية والديمقراطية، فالمدنية تعني فصل الدين عن السياسة، وأن يكون الدستور والقانون الوضعي هما المرجع، فهل يتحقّق ذلك، على الرغم من كل ما نراه من قضايا الأخلاق والوصاية؟ وهل لا يتم استغلال الخطاب الديني والمشاعر الدينية في السياسة وأمور الحكم؟ أو بمعنى أوضح هل استغلال الدين في السياسة وأمور الحكم يعتبر أمرا قاصرا على جماعة الإخوان أو باقي فصائل الإسلام السياسي؟ وفي مراجع العلوم السياسية، تقابل كلمة دولة مدنية فكرة الدولة العسكرية، فهل مصر حقا دولة مدنية، وهل الحكم فيها يُصنف مدنيا؟

للديمقراطية صور وممارسات كثيرة، ولكن جوهرها جميعا يعتمد على فكرة حكم الشعب والمشاركة في اتخاذ القرار وتداول السلطة وحرية الرأي والتعبير والانتخاب

وللديمقراطية صور وممارسات كثيرة، ولكن جوهرها جميعا يعتمد على فكرة حكم الشعب والمشاركة في اتخاذ القرار وتداول السلطة وحرية الرأي والتعبير والانتخاب وكذلك حماية الأقليات. ولذلك لا يمكن اعتبار الانتخابات الصورية المعروفة نتيجتها مسبقا من أشكال الديمقراطية، فالدولة المدنية الديمقراطية الحديثة لا تتحقق بالتصريحات الإعلامية، ولا حتى بتوصياتٍ شكلية، إنما هي عملية متراكمة، وإجراءات كثيرة فعلية المتراتبة.

(4)

تابعت في الأيام الماضية أخبار انضمام النائب البرلماني السابق، هيثم الحريري، لحزب التحالف الشعبي الاشتراكي. وتولي النائب السابق، أحمد طنطاوي، رئاسة حزب الكرامة، الناصري، وهما نائبان من كتلة المعارضة النادر وجودها في البرلمان المصري، تم إسقاطهما عن عمد، وإخراجهما من البرلمان الجديد، على الرغم من حصولهما على نتائج الفوز. كانت لهما مواقف جريئة في الدورة البرلمانية السابقة في قضايا حقوق الإنسان والقضايا الاقتصادية. وعبّر طنطاوي عن رأيه السلبي علانية بخصوص أداء السلطة. ولذلك لم ينجحا، وأصبح البرلمان الجديد خاليا تماما من أي شكل من المعارضة ولو خافتة.

الخطوة الجديدة للنائبين بالانضمام لأحزاب سياسية يراها بعضهم عظيمة وذكية، لتنشيط الحياة الحزبية المجمّدة في مصر، فيما يراها بعضُهم محاولةً للوجود على الساحة بشكل جديد لا أكثر، لأنه لن يتم السماح بتنشيط أي حياةٍ حزبيةٍ في مصر. والآخرون أكثر تشاؤما، ويرون أنه لا يمكن أي يكون هناك خير أو تقدّم من تحركات التيار الناصري الخانع.

لا أملك تقييما لتلك الخطوة، ولا معلومات لدي بشأنها. وحتى يتوفر ذلك، يمكن اعتبار أي خطوة من هذا القبيل إيجابية، وأفضل من السكون.