مشاهد من ساحة صراع "ريش"

مشاهد من ساحة صراع "ريش"

29 أكتوبر 2021
الصورة

دميانة نصّار في مشهد من فيلم "ريش"

+ الخط -

ربما يكون فيلم "ريش"، الحائز جائزة النقاد في مهرجان كان السينمائي، منذ شهور، الفيلم الأكثر شهرة وإثارة للجدل والنقاش في المجال العام، ليس لما حازه الفيلم من جوائز وحسب، ولكن لما أحدثه من صراعات، تحوّلت قصته التي كتبها أحمد عامر ومخرج الفيلم الشاب عمر الزهيري إلى ساحة حرب، على إثر اتهاماتٍ للفيلم بالإساءة لسمعة مصر واستهدافها، وتشويه السلطة بما يحمله من مشاهد ووقائع سوداوية، رأى تخندق حوله أغلب أنصار السلطة، بوصف أن الفيلم يحمل جملةً من أكاذيب منافية للواقع. ورأى بعضهم أن البؤس في الصورة السينمائية ينال من انجازاتٍ للسلطة. وقد وجدت الاتهامات طريقها إلى الانتشار، بعد أن أطلقها أحد الممثلين، رفقه زميلين له، بعد عرض الفيلم في مهرجان الجونة السينمائي، ثم دخلت على الخط أياد وعقلية سلطوية وسعت دائرة التحريض نهجا يتعامل مع كل نقد مرئي أو مكتوب يتماسّ مع الواقع، بوصفه خطرا داهما، يستغرق نقاشها برامج حوارية تنال من الفيلم ومخرجه، وتشكّك في عملية إنتاجه، غير مناقشة استحقاقه جائزة كان. وتربط ذلك كله في إطار من روايةٍ تعتبر الفيلم ضمن مؤامرة مخطّطة، فالعمل لولا أنه يسيء لمصر لما استحق الجوائز. وقد جعل بعضهم الصهيونية العالمية طرفا في المؤامرة، لتأكيد موقفه الوطني ضد فريق الفيلم المُحتفى بهم خارجيا في مهرجان كان. سجل أعضاء من مجلس النواب حضورهم الجسور مشاركين في الذود عن الوطن وحفظ سمعته، وتأكيد تبرئة ساحة السلطة من إشارات أو رسائل محتملة للفيلم عن مشكلات السكن وارتفاع اسعار الخدمات على الفقراء، غير قسوة ظروف العمل، الأجور ونظام المعاشات ومظاهر القهر والعنف. وللمفارقة، تحتاج كل هذه الملفات جهدا حقيقيا أجدى من الهجوم على فيلمٍ هناك من رآه مملا منخفض القيمة الفنية، لكنه أغضبهم.

وبعيدا عن أحكام ترتبط بالقيمة الفنية، مسّ "ريش"، عبر قصته المأساوية، المشكلات بطريقةٍ تجمع ما بين الأساليب، الروائي والتسجيلي والإثنوغرافي. ركّز على أوضاع شريحة طبقية غارقة في الفقر وتفتقد سبل الحياة، ساعتين من التعبير المكثف والثقيل أيضا عن بؤس أسرة ضمن شريحة طبقية غير قليلة، تعيش تحت وطأة القهر، والفقر متعدّد الأبعاد. القول إن المشاهد القذرة والخانقة، بما فيها من عوالم مهشّمة من طرق وجدران وملابس وأحذية بالية وأدوات منزلية، ونفوس مقهورة، يبدو مبالغا فيه، يحمل في طياته مقاربةً بين مشاهدة حال شرائح طبقية منسيّة (مدة ساعتين زمن الفيلم) وأحوال طبقات لا تدرك أو تريد تكذيب صورة نقلها الفيلم لنفي المعاناة. وبعيدا عن صلةٍ للفيلم بمصر أصلا، ألا يدرك الغاضبون منه أن هناك حياة بائسة لمناطق طرفية ومعزولة في ريف مصر تشابه ما شوهد في "ريش"، وربما أكثر قسوة؟ وهل اكتشف بعضهم أن الفقر مؤلم وقاس، وأن الدعاية عن تغيير حياة الناس في بلادنا لا تعني حقا تغييرها. وفي ظل تراتبية طبقية وأزمة اجتماعية ظاهرة، هناك طيفٌ من الناس تغمرهم أزماتهم اليومية. وقد يطلّ بعضهم على عالمٍ غير عالمهم، من خلال شاشة تلفزيون قديم، كما فيلم "ريش"، ويحكي الأب لأطفاله عن حمام سباحة وصالة للبلياردو، ويبني بعض من الأطفال عوالمهم من أفلام كارتون، وتبدّد النساء وقع الملل والمعاناة عبر إيقاعات رقاصات لنساء من عوالم أخرى.

يمكن ملاحظة قدر التعالي ضد أبطال الفيلم، كأحد أدوات التقليل من قيمته فنياً، وفي ذلك أبعاد اجتماعية ونفسية

ضمن ساحات الحرب، كانت مسألة الدفاع عن الصورة الاعتبارية التي ترسمها السلطة لنفسها، الإنجازات والبناء وإعادة توطين الفقراء عبر مشروعات تطوير العشوائيات. هناك من رأى في قصة متخيلة يدور حولها الفيلم إساءة لسمعة مصر، وكان بؤس أوضاع قطاعات كثيرة لا شواهد عليه، من مؤشّرات الفقر ونقص في الخدمات وتدهور لحالة المباني وأزمة في السكن. كما فتح الفيلم النقاش، ولو بشكل عابر، عن تراتب طبقي بين مالكين وأجراء، وبين نخب مسيرة لخدمة السلطة تابعين لها ونخب أخرى ترفض أن توظف الفنون في سياقاتٍ تتجاهل الواقع. واتضح تباينٌ، حتى بين المؤيدين للسلطة في تعاطيهم مع الفيلم، تعامل بعضهم بموضوعية، وكرّمت وزيرة الثقافة، إيناس عبد الدايم، في موقفٍ شجاع، أبطال العمل. وفي ساحة صراع الفيلم، كان تخندق مجموعات مصالح من العاملين في الإعلام والسينما ضد الفيلم، دفاعا عن السلطة والفن معا، وكأن الأمر معركة بين وطنيين وخونة، وليس فيلما يقبل الأخذ والرد والنقد. لكن وانطلاقا من فهم لمجموعات المصالح أن وجودهم وامتيازاتهم مرتبطةٌ بالسلطة وأجهزتها وتحالفاتها، هاجموا الفيلم بشراسة، ومن أسباب ذلك اقتناعهم بأن الوجود والتحقق في مجال السينما يرتبط بشركات وتحالفات الإنتاج التابعة للسلطة، لذا الدفاع عنها واجب، كما أن تحقيق نجاح خارجها يعني فقدانهم عنصر التمييز وعلاقات المحاباة التي يتمتعون بها نتاج صلاتهم بشركاتٍ شبه رسمية. لذا كانت ردود أفعال هؤلاء متشنجة ومبالغا فيها، غير تعالٍ يرتبط بتراتبية طبقية (ثقافية أحيانا)، انطلاقا من موقعهم حرّاسا للفن ومحتكرين ومنتجين له، والتأكيد على هيمنتهم في السوق، وأن كل منتج فني يرتبط بهم، ولا نجاح لأي عمل مستقل عنهم، خارجا عليهم. ومن يتجاسر، بالفعل والمبادرة، يكون مصيره التضييق والتشويه، والتشكيك أحيانا في نياته ومصادر تمويلهن والرسائل والأدوار الخفية التي يمارسها. وكما تمارس السلطوية احتكارها لعبة السياسة والقبض على خيوطها والتحكّم في مخرجاتها، تنتهج مجموعات المصالح في الإنتاج الثقافي والفني السلوك نفسه، تأميم مساحات التعبير والإنتاج، ومواجهة من خارجها. وبذلك لا تحتكر ساحة الإنتاج وتؤمّمها وحسب، بل تعمل حارسة لأشكال التعبير، وقادرة على ضبطها عبر التحكّم في المنبع، عملية الإنتاج، وحركة التوزيع، وخنق ما قد يفلت منها. .. ترتبط ساحة الصراع بشأن "ريش" بمصالح حقيقية، منها بقاء مساحات الاستحواذ التي تمتلكها مجموعات المصالح، إعلاميين وفنانين، كما هي في سوقهم المحلي. وقد ظهرت أزمة الفيلم بعد عرضه في مهرجان الجونة السينمائي، وحين عرض في مهرحان كان، في يوليو/ تموز الماضي، لم يلق رفضا أو حتى اهتماما ملحوظا، لأنه كان هناك، بعيدا عن صراعات أطراف وقوى اجتماعية وتنازعها حول الفن والثقافة، بوصفهما أدوات تعبير، وبعيدا عن علاقات القرابة السياسية، وما يرتبط بها من عمليات تنفيذ وتوزيع للمنتج الثقافي ومسألة احتكاره.

فيلم صادم فتح أبواب نقاش متعدّدة، وظّف فبه المتصارعون العمل، كل حسب سرديةٍ يتبناها، ومصالح يحاول الحفاظ عليها

ويمكن ملاحظة قدر التعالي ضد أبطال الفيلم، كأحد أدوات التقليل من قيمته فنيا، وفي ذلك أبعاد اجتماعية ونفسية، لصيقة الصلة بالسلطوية باعتبارها ظاهرة سياسية مركّبة فيها أبعاد نفسية واجتماعية، تهدف إلى احتكار مساحة التعبير وتمارس المتاجرة بالوطنية والفن معا، ضمن آليات الدعاية، كما تعمّق مجموعات المصالح في مجالي الفنون والإعلام الارتباط بينها وبين السلطوية ضمن منظومة الدعاية، ويهمّها، بشكل أساسي، في إطار الصراع على استحواذ المجال العام، منع تسلّل الغرباء داخل مساحة "الوطن" أو السوق المحلية، والتي انزعج متنفذون فيها من فيلم قلب قواعد "الصنعة"، عبر قصة بسيطة لأسرة تروى مأزقا إنسانيا، وبتمثيل أشخاص من ريف مصر، يمارسون التمثيل أول مرة، ومعارفهم عن السينما محدودة، لكنهم حقيقيون يعرفون معنى المعاناة، وربما تماثل قصة الفيلم ظروف بعضهم أو خبرات لأقرانهم، أسرة فقيرة يغيب فيها الزوج بعد أن انقلب إلى دجاجة (فرخة). ويضيف غيابه ورحلة البحث عنه إلى الأسرة هشاشةً تزيد المعاناة، أطفال وزوجة تبحث عن عمل وتتحمّل هموم الإعالة، وتواجه تناقضاتٍ وتوحشا، وغياب مظلة حماية اجتماعية رسمية، ومحاصرة ما بين البيروقراطي القاسي ومحيطها الاجتماعي، وكلاهما يساهم في منظومة الانتهاك بدرجاتٍ متفاوتة.

إجمالا، نحن أمام فيلم صادم فتح أبواب نقاش متعدّدة، وظّف فيه المتصارعون العمل، كل حسب سرديةٍ يتبناها، ومصالح يحاول الحفاظ عليها. وهو يستثير مواقف من احتكار مسألة الإنتاج السينمائي وحرية التعبير، إلى جانب نقاشٍ عن أوضاع ومشكلات اجتماعية. ويبقى التأكيد أن تزييف الوعي يفسد الفن، والفن الذي يتماسّ مع الحقيقة والواقع، بما فيه من إخفاقات ونجاحات وآلام وانتصارات، أفضل من احتكار مجالات التعبير والفنون. وهذا التنوّع والثراء اللذان تميزت بهما مصر هما سرّ ما تحتله من تأثير ومكانة. وبالحرية والفنون والثقافة والتنمية العادلة تحيا، وبدونها تفقد ما يميزها ويبقى وجه السلطوية، فثمّة مشهد يحمل تناقضات طبقية، بما فيها من جمال وروعة ورفاهية، وأخرى على النقيض.