مسقط تحتفي بإبراهيم غلوم
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية
حين أنجز الأكاديمي البحريني الراحل إبراهيم عبد الله غلوم كتابه "قصص من الخليج"، حصر اشتغاله في الكويت والبحرين. وكان تبريرُه (لا يخلو من ذكاء وموضوعية) أن البلدَين سبّاقَان، ليس في كتابة جنس القصة فقط الذي هو صدى لحراك داخلي ونزوع نحو التمدّن والحرية، وإنما لأنهما (الكويت والبحرين) أوّل بلدَين في الخليج بدأت فيهما لمساتٌ مدنيةٌ جادّة، بينما ظلّ غيرهما "مستسلماً لحياة راكدة، ومتوقّفاً عند حدود ما خلّفته له ثقافة العصور الوسطى". كان الكتاب أطروحة ماجستير ناقشها في جامعة القاهرة تحت إشراف سهير القلماوي وعزّ الدين إسماعيل عام 1978.
بحضور وزيرة الثقافة البحرينية السابقة، الشيخة مي بنت محمّد الخليفة، التي ألقت كلمة مكتوبة تحت عنوان "منح بحب"، كانت الأروقة الضيّقة لمقرّ الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء تغصّ بالحضور، وفي الطابق الأخير عوضاً عن قاعتها الداخلية المعتاد أن تقام فيها المناسبات والقراءات، "قاعة عبد الله الطائي". ومن أجل هذه المناسبة طبعت الجمعية المستضيفة (الجمعية العمانية للكتاب والأدباء) كتاباً من حوالي 500 صفحة، وكانت لكاتب هذه السطور فرصة اقتناص النسخة الأولى منه، حمل عنوان "عُمان والخليج في فكر د. إبراهيم غلوم"، ساهم فيه كتّاب من البحرين وعُمان والسعودية. تنوّعت مواضيع مقالاته التي جاء بعضها في هيئة دراسات أكاديمية، وأخرى مفعمة بحرارة الحميميات، كما في مقالات زوجته وزملائه، ضمنها مقاربات لانشغالات الراحل التي تمحورت حول ثلاثة مواضيع رئيسة: المسرح والقصة والفكر. إذ عُرف عن الراحل أيضاً تفكيره التنويري الذي يتجه نحو الديمقراطية والمدنية وحرّية الإبداع، ودراسة الصراع بين طموحات تأسيس المجتمع المدني في الخليج والتكوين القَبلي الراسخ عائقاً.
كان نصيب عبد الله غلوم الأكبر الاشتغال في المسرح مساهماً ومؤطّراً، ساهم كثيراً في تأسيس قاعدة للمسرح في الخليج، وقد تُوِّجت اهتماماته (وصراعاته) في هذا الجانب في تأسيس أول مهرجان خليجي للمسرح، ما زالت تنتظم مجرياته وعروضه، وكان لعلاقاته وحرصه ودأبه السبب في استحداث هذا المهرجان، والبحث عن دعم مستمرّ له. أسس غلوم أيضاً في بلده البحرين مجموعة من المراكز المدنية، أو دعا إلى تأسيسها، لتكون نواة مشاريع مدنية لعموم مناطق الخليج التي كانت ترزح تحت الإرث القَبلي والتقاليد المانعة للتقدّم، وفي طليعتها المسرح والموسيقى. ومن مقولاته في هذا السياق: "أرى حقيقةً أن هناك ضرورة قصوى لأن تقوم المسارح الأهلية، وأسرة للأدباء والكتّاب، وجمعيات للفنون التشكيلية والموسيقى، بإعادة صياغة مناهج عملها، وإعداد برامج تتناسب مع التحرّك في المجتمع المدني، بوصفها قوى ثقافية خلّاقة ومؤثّرة في حركة المجتمع، بدلاً من أن تظلّ في مقارّها المحفوفة بالعزلة والنسيان، عليها أن تبحث لها عن دور وسط بما تكفل لها المرحلة السياسية الجديدة من حريات".
وأما ما يخص عُمان، التي استضافت فعّالية تكريمه بعد سنتَين من وفاته، فلغلوم وشائج كثيرة وقديمة، فهو من محبّي هذا البلد، وكان يتردّد إليه باستمرار. في زياراته الأولى في بداية الثمانينيّات، كان يعود بشيءٍ من شجر النخيل والليمون لزرعه في بيته، إلى جانب اللبان الظفاري ومجموعة من المقتنيات السعفية والمعدنية التي تُعرف بها عُمان، مثل الخنجر العماني، حتى إنه اشترى قطعة أرض في منطقة جبلية في عُمان على أمل أن يقضي فيها سنواتٍ من عمره، ولكن المرض لم يسعفه، للأسف، في تحقيق هذا الحلم، إذ توفي عام 2023.
ومن الناحية الثقافية الأكاديمية، ساهم غلوم في تأسيس المسرح العُماني الوليد عبر إدارة ورش عديدة في مسقط، وإلقاء محاضرات تثقيفية في هذا الجانب، وشارك في تأسيس قسمٍ للمسرح في جامعة السلطان قابوس، كما أعربت عن ذلك زوجته الأكاديمية فوزية سعيد الصالح في كلمتها في الفعّالية. وهو أيضاً أول من ناقش رسالة ماجستير في جامعة السلطان قابوس، وكان حدثاً مهماً يومئذٍ في منتصف التسعينيّات، قدّمها الباحث محسن الكندي عن تجربة الأديب العماني عبد الله الطائي.
سنجد أيضاً في سياق العلاقة بعُمان، أن المخطوط المسرحي الشعري الذي تركه الراحل (يُطبع قريباً)، وقد صاغه في تناصّ مع قصائد بدر شاكر السيّاب، حمل في أحد شقّي عنوانه اسم شخصية عُمانية تاريخية، وكان عنوان المخطوط "عذابات أحمد بن ماجد".
كاتب وقاص عُماني، صدرت له تسع مجموعات قصصية، وأربع روايات، فاز بعدة جوائز عربية