مسرح اللامعقول السلطوي

08 ابريل 2021
الصورة
+ الخط -

تؤكد السلطة العميقة يوما بعد يوم، عبر إنجاز انقلاباتها على الدولة وحلولها محلها، أنها تذهب عامدةً متعمدةً نحو إفشال الدولة، وسلبها مكوناتها السيادية، ورميها على قارعة انتظار إنجاز انهيارها سياسة واقتصادا ومجتمعا، وحينها لا يبقى من شعارات الاستقلال والحرية والسيادة سوى الحطام والأنقاض، حتى لم يبق من المسؤولية ولو ذرّة واحدة، لدى من يزعمون أنهم "مسؤولو دولة" سلمت قيادها بفعل الفساد وموبقات النهب والسرقات التي سميت زورا، وبكلمة مخفّفة، "هدرا" موصوفا، إلى شركاء نفعيين وزبائنيين هم عماد السلطة/ الدولة العميقة؛ الذين ارتكبوا جرائم يندى لها الجبين، وهم، على امتداد سنوات الاستبداد وعقوده الطويلة، يواصلون سياسات تلويث الضمائر، ونهب المال العام، واقتطاع المشاعات وأراضي الدولة، وتسجيلها بأسمائهم أو بأسماء شركاء لهم، حتى لم يبق نائب أو وزير إلا وأدخل إلى الحلقة الجهنمية، لقاء صمت زبائني كتوم على ارتكابات "الكبار"، أو مشاركتهم في ارتكاب الكبائر، وتوزيع المغانم والتحاصص فيما بينهم على تملك واستملاك كل ما طاولته وتطاوله أياديهم من أموال الدولة وعقاراتها المنهوبة.

لم يعد هذا كله من قبيل سر الأسرار، فالمصائب وكوارث الفساد والإفساد التي تترى، ولا يتحمّل مسؤوليتها أحد، بل يتهرّب الجميع من تداعيات عدم المسؤولية الناتجة عن إهمال ربما متعمد أو غير متعمد، وكلها مؤشّرات على انهيار القيم وغياب الأخلاقيات، وعدم تفعيل أجهزة الرقابة والمحاسبة ومؤسساتها، وانعدام حس العدالة لدى من يفترض بهم تحقيق العدالة، حين يجري تسييس القضاء وإلحاق شلل ونحل من القضاة بسلك السلطة/ الدولة العميقة، بغرض رفع المسؤولية عمّن هو المسؤول الحقيقي عن هذه المصيبة أو تلك، ولأهداف لم تعد خافية على الناس العاديين.

في السلطويات الاستبدادية القائمة في بلادنا، لم تصل قضيةٌ من القضايا، أو فضيحة من الفضائح، أو جريمة من الجرائم، التي تهم الرأي العام، إلى خواتيمها المفترضة، حيث التسييس السلطوي يقطع الطريق على استكمال أي تحقيقٍ في أي قضية، حين تكون السلطة هي المتهمة أو هي الفاعلة، أو حين يكون المقرّبون منها هم الفاعلون أو المتسبّبون بهذه الجريمة أو تلك، وذلك في غيبة تفعيل قوانين الحساب والعقاب أو تطبيقها، وغياب من يفترض أنهم مراقبو التشريعات والقوانين، وعدم متابعتهم أي قضية من القضايا، طالما أن السلطة، أو بعض أطرافها المتنفذين، هي المتهمة فيها، فيجري استبعاد القضاء كذلك عن المتابعة، كما يجري استبعاد المشرّعين عن القيام بدورهم، ليقف الدستور والقوانين الدستورية عاجزةً عن القيام بوظائفها ومهامها المنوطة بها، حين يتعلق الأمر بمصالح شخصية وزبائنية وسمسراتٍ لا حصر لها.

"سياسيون" بلا سياسة، وسلطويون يريدون لذواتهم الأنانية والنرجسية كامل السلطة، وكل ما ينتج عنها من مغانم وأسلاب وهبات وسرقات

ليس من العجب أن تواصل السلطة ارتكاباتها وهي تقود إدارات الدولة، جاعلة منها حكما وحكومة سلطوية موصوفة، بل أكثر حين يتحوّل الاستبداد إلى نوع من التنميط الديكتاتوري؛ سواء كان الحاكم السلطوي فردا، أو جماعة مافيوية تلتف حول ذاك الحاكم، مشكّلة تلك البطانة النفعية المستفيدة من كونها سلطة دولةٍ مضاعة، تحوّلت مع أدوات السلطوية الحاكمة إلى سلطة عميقة، هي السلطة ذاتها، الخارجة من الدولة وعنها وعليها، في تنميط معياري للدولة العميقة، كما أضحت عليها اليوم دول الرسميات العربية وأشباهها في العالم الثالث والرابع والخامس، وحيث ينعدم وجود الدولة من الأساس؛ ليس في عالمنا المعاصر اليوم، بل بدأت منذ قيام العالم القديم منذ ما قبل الميلاد، حين أسّس الكاتب الروماني وخطيب روما المميز، ماركوس توليوس شيشرون، لنظرته ونظريته عن المجتمع البشري، وطبائع القوة والسيطرة وتراتبية الهيمنة، وصولا إلى الحاكم والسلطة السياسية التي تتعيش على حساب الجميع؛ ذلك من قبيل: الفقير يعمل، الغني يستغل الفقير، الجندي يدافع عن الاثنين، المواطن يدفع للثلاثة، الكسول يعتمد على الأربعة، السكّير يشرب من أجل الخمسة، مدير البنك يسرق الستة، المحامي يغش السبعة، الطبيب يقتل الثمانية، حفار القبور يدفن التسعة، رجل السياسة يعيش من العشرة.

بمثل هذا التسلسل التراتبي كتبت السلطة، منتخبة وغير منتخبة، سلسلة حكاياتها وسردياتها، جاعلةً من الدولة مسرحها الدامي، مسرح سلوكها اللاعقلاني، القادر دائما، وفي كل حين، على تدوير الزوايا وصناعة المستحيل، طالما أن الأمر يتعلق بمصالح مافياتها الشخصية والجماعية، وفي عزلة تامة عن المجتمع والمصالح العامة، تلك التي يجري انتهاكها في غفلةٍ من الناس؛ وحتى في أوقات "الصحوة"، لا تجد السلطة مناصا من مواصلة ارتكاباتها كما في السابق، وذلك تحت شعارات الدفاع عن حقوق الطائفة والمذهب والإرث العائلي أو الأسري، والاتّجار بحقوق الفقراء والمحرومين؛ ذلك كله بهدف استمرار السلطة في أيدي من جعلوا منها مهنةً لهم، يجري توريثها للأبناء وللأحفاد إن أمكن، على اعتبار أن بيوت السياسيين يجب أن تظلّ "مفتوحة" ولا ينبغي إغلاقها، وإلا أصبح السياسي عاطلا من السلطة ومتبطّلا خارجها، وهو المخلوق وفي فمه ملعقة من "ذهب السلطة" االسلطة التي تبيض ذهبا حقيقيا للبيوتات السلطوية الخارجة عن إرادة الناس، وهي التي لم تأت أصلا بإراداتهم الحقيقية الحرة.

في السلطويات الاستبدادية القائمة في بلادنا، لم تصل قضيةٌ، أو فضيحة، أو جريمة من الجرائم، التي تهم الرأي العام، إلى خواتيمها المفترضة

يشتغل مسرح اللامعقول السلطوي في بلادنا، بكل وقاحة وصفاقة، "سياسيون" بلا سياسة، وسلطويون يريدون لذواتهم الأنانية والنرجسية كامل السلطة، وكل ما ينتج عنها من مغانم وأسلاب وهبات وسرقات. وحين تقع واقعات الجرائم التي يروح ضحيتها أناس، ويكون أمن البلاد والعباد عرضةً للأخطار، وقد وقعت عديد من هذه الأخطار فعليا، وراح ضحيتها مواطنون أبرياء، يرفض سلطويونا أن توجّه سهام المسؤولية تجاههم، بل تجدهم يقاتلون ويناطحون من أجل عدم تحميلهم المسؤولية عما هم مسؤولون عنه أصلا، فلا يتحرّكون ولا يحرّكون سوى سواكن من يستطيع إبعاد المغارم عنهم، فلا استقالات ولا إقالات كما في كل بلاد العالم التي تحترم فيها كرامات الناس وحقوقها دفاعا عن قيم المواطنة، لا عن مثالب السلطة ومقالبها، فيجري البحث دائما عمّن يخرج الجناة والمجرمون من دائرة الاتهام، وبالتالي من دائرة المحاكمة، لتسجل القضايا دائما ضد مجهول لتحفظ في ملفات القضاء، مع أن الجناة والمجرمين "أشهر من نار على علم" كما يقال.

لماذا لا يعد تقصير أهل السلطة في كل ما تسبب ويتسبب بكل تلك الجنايات والجرائم والارتكابات الموصوفة؛ اعتداءات على كيان الدولة والمجتمع والمصالح العامة؟ ولماذا لا تعد الرشى المالية وغيرها سببا أو أسبابا كافية، للتدليل على المجرمين الحقيقيين، الذين بتقصيرهم، وبالرشى التي يدفعونها أو يتلقونها، يكونون قد ساهموا إسهاما فعالا بتفجير هنا وبعملياتٍ إرهابية هناك، وبقتل أبرياء في الشوارع والقطارات، فمن يتحمّل مسؤولية كل هذا الذي جرى في لبنان وفي مصر وفي سورية وفي العراق، وفي غيرها من بلاد التحلل من الدولة وأمنها الوطني/ القومي واستقلالها وسيادتها، ومن يتحمّل، في النهاية، المسؤولية المباشرة وغير المباشرة عما وقع ويقع من انتهاكات وجرائم ضد المصالح العامة؟ أليست السلطات الحاكمة في مثل هذه البلدان هي المسؤولة مسؤولية مباشرة عما ارتكب من أفعال جرمية؟ أم أن "الحق على الطليان" دائما، ويا دار ما دخلك شر، في حين أن الشر كامنٌ في كل المواقع السلطوية التي تستمر في تجاهل مسؤوليتها عما جرى ويجري، في عنادٍ مفضوح لروح مسؤوليةٍ يفتقدها اليوم بالمطلق المسرح السلطوي القائم في بلاد العجائب والطائفية والمذهبية عابرة حدود الأوطان، المحمولة على أكف تدخلات إقليمية ودولية، داعمة وراعية ومساندة لشلل ومليشيات منظومة مافيات العسس البوليسية في الدواخل الوطنية.