مستقبل القيادة وأزمات الشرعية في إثيوبيا

مستقبل القيادة وأزمات الشرعية في إثيوبيا

26 يوليو 2021
الصورة

تجمع في أديس أبابا ضد جبهة التيغراي (22/7/2021/الأناضول)

+ الخط -

يُضفي تعهد، رئيس الوزراء الإثيوبي، أبي أحمد، باجتثاث جبهة التيغراي (TPLF) أبعاداً جديدة لتطلعاته في حكم إثيوبيا، وذلك في سابقةٍ مُعلنة توضح عُمق الأزمة السياسية، ويُعد وصفها بـ"سرطان لإثيوبيا" مؤشّراً على إمكانية توسع سياسة التطهير العرقي والاضطهاد الإثني، وهو ما يُعد انقلاباً على أطروحات السلام الداخلي والإقليمي، ما يعكس غياب استراتيجية مستقرّة لتحويل مرتكزات السلطة في إثيوبيا، وبجانب محاولات تغيير السياسة الخارجية، تشغل إزاحة الجبهة من المشهد السياسي ما يكفل لأبي أحمد المضي بمشروع التحالف الجديد، الازدهار، كتحالف بين أحزاب إقليمية، لا يختلف في محتواه عن تحالف الجبهة الثورية (EPRDF) الحاكم سابقاً.
تعثّرت أطروحات السلام لأبي أحمد أمام التغيرات الداخلية والخارجية، فمن جهةٍ، لم تستوعب سياسة الانفتاح أحزاب المعارضة، أو عودة معارضي الخارج، فقد تصاعد الخلاف مع أحزاب المعارضة المحلية، وفي الوقت ذاته، تفاقمت الأزمة مع جبهة التيغراي، ومن ناحية ثانية، تراجعت تطلعات رئيس الوزراء للتحالف مع إريتريا والصومال، عندما لم يصمد أمام الضغوط الخارجية على رفض مشاركة إريتريا في الحرب ضد التيغراي.
وتجري الأحداث الحالية في ظل تطلع أبي أحمد نفسه إلى قيادة جديدة لإثيوبيا، ومنذ وصوله إلى السلطة، يقوم على إعادة تشكيل هياكلها. وفي تحليل سابق تشر في "العربي الجديد"، تناول الكاتب ملامح (واتجاهات) المشروع السياسي لحزب الازدهار. ولذلك، تبدو أهمية استكشاف تفاعلات البيئة وتأثيرها على مشروع القيادة في إثيوبيا لملء الفراغ بعد وفاة مَلَس زيناوي في أغسطس/ آب 2012، حيث شكلت عمليات نقل السلطة من التيغراي تحدّياً على مدى الفترة التالية.
حرب التيغراي وشرعية القيادة
بعد تصاعد الخلافات الداخلية، اتجه رئيس الوزراء إلى البحث عن تحالفات إقليمية، يهدف أبي أحمد من تحالفه الإقليمي إلى تقليل عمق فجوة شرعيته الاجتماعية داخلياً، بالاستناد إلى كتلة اجتماعية تشاركه معاداة جبهة التيغراي. لذلك كان التحالف بين أفورقي وأبي أحمد وعبد الله فرماجو في يوليو/ تموز 2018، في حقيقته بحثا عن شرعية القيادة في إثيوبيا القائمة على الاحتياج المتبادل للظهور على مستوى القرن الأفريقي، يكون محوره التخلص من جبهة التيغراي، بالإضافة إلى سعي أفورقي إلى استعادة الثورة الإثيوبية المسروقة منه عندما كان يسيطر على أديس أبابا، وبدلاً من تسليمه حكم إثيوبيا دفعته ترتيبات مؤتمر السلام في 1992 إلى إجراء استفتاء أدى إلى إعلان استقلال إريتريا. ظلت هذه الحوادث في مخيال أفورقي تجاه العودة إلى إثيوبيا وإنهاء حكم التيغراي.

على خلاف توقعات الحكومة الإثيوبية، تمكّنت قوات التيغراي من استعادة سيطرتها على الإقليم وطورت عملياتها العسكرية خارجه، وصولاً إلى إقيم العفر

وعلى مدى فترة استقلال إريتريا، ظل أفورقي ينظر بتشكّك إلى حكومات إثيوبيا يشير إلى أن مسارات بناء الدولة سارت على نحو مختلف عن مشروع النضال السياسي، حيث الفرص المتساوية لكل القوميات، فقد بدت اتجاهات الاستقطاب الإثني والتقسيمات الدينية لصالح التيغراي، وأدت إلى دستور فيدرالي قَطَّع الشعب على أسس عرقية. ووفقا إلى أفورقي، فإن ما حدث يمثل مؤامرة صادرت على مشروع الدولة الموحدة، وأن الفيدرالية فلسفة سيئة النية. وتمثل هذه السردية البعد السياسي لمشاركة إريتريا، بجانب مسلحي الأمهرا وجيش إثيوبيا، على الرغم من تداعيات إثارة المسألة القومية، على نحو يُعيدها إلى حالة الصراع في بداية تسعينيات القرن الماضي.
شكلت هذه الأرضية مسار الدخول إلى الحرب ضد التيغراي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، سارت العمليات العسكرية على نحو يُقوّض مصادر القوة لدى مجتمع التيغراي بشكلٍ يتجاوز تفكيك الجبهة، غير أنه، على نحو مفاجئ، أعلنت الحكومة المركزية وقف إطلاق النار من جانب واحد تحت تبرير توفير المناخ لاستفادة المزارعين من موسم الأمطار وتوزيع المساعدات الإنسانية، لكنه، بعد وقت قصير، دعا إلى حشد جيوش القوميات لاستئناف الحرب ضد التيغراي، وأطلق تصريحات استئصالية، وصفت الجبهة بالحشائش، وأنها سرطان لإثيوبيا. تعكس هذه التطلعات صراعاً واضحاً على قيادة إثيوبيا، وإلغاء حقبة مؤسس النظام الفيدرالي، ملس زيناوي.
وعلى خلاف توقعات الحكومة الإثيوبية، تمكّنت قوات التيغراي من استعادة سيطرتها على الإقليم وطورت عملياتها العسكرية خارجه، وصولاً إلى إقيم العفر بشكلٍ وضع جيش إثيوبيا في حالة دفاعية. أصدرت جبهة تيغراي بياناً، في 4 يوليو/ تموز 2021، أشارت فيه إلى شروط وقف إطلاق النار وبدا محتواه محاولة للتموضع داخل إثيوبيا مرة أخرى، وهي، وإن كانت تسعى إلى إرغام الحكومة المركزية على الاعتراف بالهزيمة، فإنها أيضاً أعلنت عن تطلعها إلى فض التحالف بين إثيوبيا وإريتريا، ولم تُخف رغبتها في شن حرب ضد أسمرا. كما وضعت بديلاً آخر، يتمثل في الاحتفاظ بخيار الانفصال وتكوين دولة تيغراي الكبرى.
قد يدفع ضعف الجيش الفيدرالي إلى حدوث تمرّد مسلح في القوميات الأخرى، فمن جهةٍ تسعى معارضة الأورومو إلى قيادة الشؤون القومية بديلا عن حزب الأورومو الديمقراطي (OPD) عضو حزب الازدهار، للتعبير عن المطالب القومية. ومن ناحية أخرى، تسعى جماعة الأمهرا إلى الوصول إلى السلطة باعتبارها المخزن التقليدي لحكام إثيوبيا. وبالتالي، سوف يتوقف مستقبل أبي أحمد على تماسك جماعتي الأمهرا والأورومو، فيما يمثل انسحاب إريتريا خصماً مبكّراً من فرصه السياسية.

تشكل مسارات الحرب الحالية تحدّياً لقدرة حزب الازدهار على ضمان الوصول إلى هياكل حكم تحقق الحد الأدنى من رضا الجماعات الإثنية

في هذا السياق، يرتبط اهتمام أوروبا والولايات المتحدة بوقف الحرب في التيغراي، والدفع نحو ضمان الحل السلمي، بأنه امتداد للحفاظ على بقاء المكونات الأساسية في الكيان الإثيوبي، التيغراي والأمهرا، باعتبارهما عصبية الحكم والإدارة. وما يتضح من البيانات الأميركية والأوروبية أنها تحاول الوصول إلى خطوة تمهيدية لفك الاشتباك وضبط الصراع، غير أن التحدّي يكمن في كيفية المواءمة بين مطالب التيغراي والحكومة المركزية ونزعتها لإدخال منافسين دوليين في الحرب الدائرة.
وبينما كانت الولايات المتحدة الأكثر نفوذاً في مرحلة هيلا مريام ديسالين (2012 – 2018)، فهي في الوقت الراهن تواجه تنافسية من الصين ومحاولات روسية للدخول لاستعادة دورها البائد، ما يُضفي صعوباتٍ على كيفية تشكيل القيادة الإثيوبية الجديدة. وبجانب العوامل الخارجية، تتوقف عملية التشكل الجديدة على ثلاثة متغيرات، في مقدمتها توفير الحماية السياسية لسد النهضة، وضبط الصراعات الإثنية، وأخيراً، جعل إثيوبيا أكثر استقراراً من دول الجوار وإمدادها ببرنامج مساعدات مالية واقتصادية. ويمثل تراخي مجلس الأمن في التعامل مع سد النهضة مساراً لحماية المشروع الإثيوبي، إمن جانب الاعتراف بالاسترخاء في قضية سد النهضة، وتجنّب اعتبارها تهديداً للسلم والأمن، حيث بدا سلوك الدول أعضاء المجلس أقرب إلى التقرّب من الحكومة الإثيوبية.
على أية حال، تشكل مسارات الحرب الحالية تحدّياً لقدرة حزب الازدهار على ضمان الوصول إلى هياكل حكم تحقق الحد الأدنى من رضا الجماعات الإثنية. كانت مشاركة أفورقي واضحة في تغليب كفة أبي أحمد، غير أن تناسي الخلاف الممتد بين التغري والتيغراي ظل يعمل على تمديد التناقضات بين القوميات الإثيوبية، لذلك كان تدخل الولايات المتحدة وأوروبا للدفع بانسحاب إرتريا باعتبارها عاملاً لإثارة الشعور القومي في إثيوبيا، وخصوصاً جماعة الأورومو، فضلاً عن تطلعاتها الثأرية.
الانتخابات الناقصة
تمكّنت حكومة إثيوبيا، في الشهر الماضي (يونيو/ حزيران) من إجراء انتخاباتٍ على ما يقرب من 80% من المقاعد بجانب تطوير موقفها في سد النهضة، غير أن إخفاق السيطرة على إقليم التيغراي يشكل فجوة في النظام السياسي، لغياب تمثيل 38 دائرة، وذلك بجانب تأجيل الانتخابات في عدد من الدوائر في إقليمي الأورومو والصومالي. وتتلاقى النتائج الحالية مع الانتخابات السابقة في مكافحة المنافسين وحل أحزابهم. وتضمنت الدعاية الانتخابية محتوىً متكرّرا عن إصرار الحكومة على بسط سيطرتها على كل أقاليم الدولة وترويج سد النهضة مصدراً لزيادة الثقة لدى الجماهير، وتقديمه مشروعاً قومياً، غير أن تصاعد التمرّد المسلح في أقاليم التيغراي والأورومو وبني شنقول يكشف عن صعف تغطية السياسة الدعائية لغياب محتوى ناضج يخاطب مسألة الاندماج القومي.

هدف الحكومة من إقامة الانتخابات كان لتفادي أزمة المشروعية الدستورية، وليس البحث عن تسوية وتهدئة

بشكل عام، تشكّل النتائج المؤقتة تحدّيا لتكامل سلطة الحكومة المركزية، وخصوصاً مع استعادة جبهة التيغراي وضعها السياسي في الإقليم، وظهورها في صورة المنقذ أمام السكان، بسبب جنوح الحكومة الفيدرالية للتطهير العرقي في التيغراي ومؤسسات الدولة وارتكاب انتهاكات واسعة في الإقليم، وهي تطورات تساعد على استعادة الجبهة صورتها القوية، بعد أن اهتزّت منذ 2014. ويمكن القول إن هدف الحكومة من إقامة الانتخابات كان لتفادي أزمة المشروعية الدستورية، وليس البحث عن تسوية وتهدئة، بحيث تظلّ مسألة الشرعية محلّ جدلٍ لبقاء إقليم التيغراي خارج التمثيل السياسي، وتسارع تحرّكاتهم لاستعادة السلطة.
كانت استجابة النظام الانتخابي التعدّدية الإثنية ضعيفة للغاية، فعلى الرغم من تغير شكل حكومة الجبهة الثورية (EPRDF)على مدار 28 عاما، ظلت المشكلة الرئيسية ماثلةً في هيمنة التيغراي على القيادة وفق المركزية الديمقراطية وصعوبة تطبيق الديمقراطية الليبرالية، في استجابة محدودة لتصاعد الوعي الإثني وانخفاض مستوى التنمية. وعلى مدى التاريخ المعاصر، لم يكن التحول السياسي ضمن مشروطية مؤسسات التمويل الدولية، فقد ظلت المساعدات تتدفق في ظل تردّد "الجبهة الثورية" في الارتباط بالاقتصاد الرأسمالي. وتشير تجربة المساعدات على مدى فترة حكم التيغراي لقبول غربي بتثبيت التفاوت في العلاقات الإثنية. وخلال تلك الفترة، شهدت إثيوبيا انتهاكات واسعة ضد الجماعات الإثنية الأخرى، لم تقتصر على الإكراه والإغتيالات السياسية.

بين الدين والسلطة
في المجتمعات المتعدّدة الإثنية، تكشف صراعاتٌ كثيرة أولوية الإنتماء العرقي على الدين، غير أن تنازع الانتماء لدى الجماعات الإثنية تلازمه حالة قلق من الاندماج الكامل في الدولة الوطنية. وفي الجماعات المختلطة دينياً، تظهر الانحيازات للقيم الأولية. وبتداخل التعدّدية العرقية والدينية ظهرت صراعات أكثر تعقيداً، كانت أهم مظاهرها في اندلاع نزاعات ما بين ذوي الدين الواحد، وذلك بجانب نشوء صراع مع الأديان الأخرى. وبغض النظر عن الخلاف الممتد بين الأرثوذكس والمسلمين، يشكّل انتشار البروتستانت عاملاً إضافياً في الخلافات السياسية. وبهذا المعنى، تظهر أنماط متعدّدة للانقسامات الدينية والعرقية.
في الحالة الإثيوبية، ظلت كنيسة التوحيد الإثيوبية الأرثوذكسية جزءًا إداريًا من الكنيسة القبطية الأرثوذكسية في الإسكندرية على مدى الفترة 333 ـ 1959، وقد ارتبط انفصالها بظهور الكنيسة الإنجيلية الإثيوبية Mekane Yesus (EECMY) من أعمال الإرساليات لنشر المذهب في أوساط كل الجماعات الإثنية، وتم ترسيمها في 1959، وتًقسمت لمجامع كنسية إقليمية بلغ أعضاؤها 18000 عضو في 1974 وتصل في 2010 لحوالي خمسة ملايين عضو من إجمالي البروتستانت البالغ 18 مليوناً تقريباً، وهي معدّلات النمو الأسرع في العالم.

يقع مسلمو إثيوبيا بين معضلتي الانتماء لإثيوبيا بهويتها المسيحية والتزاماتهم الدينية تجاه جماعاتهم

واجهت الكنيسة الأرثوذكسية تحدّياً آخر، فمع تطبيق العلمانية والماركسية في 1974، عملت الدولة على إخضاع "كنيسة التوحيد الأرثوذكسية الإثيوبية" لسلطة الدولة، فقد أكرهت العلمانية والفيدرالية الكنيسة على تقليص نفوذها السياسي والديني. وقد شعر الأرثوذكس بخسارة دورهم التاريخي لصالح البروتستانت، ما دفعها إلى البحث عن تعزيز الهوية الأرثوذكسية لتكون مركز الوطنية، وذلك في مواجهة الأيديولوجية الماركسية "نظام الدرك" وأنشطة الكنيسة البروتستانتية. ظل هذا التوجه يتنامى منذ بداية الثمانينيات في القرن الماضي، ولذلك بدت حريصةً على إظهار الهوية المسيحية بالدولة في الاحتفالات العامة.
وبشكل عام، تعمل النزاعات حول المجال الديني في بيئة هشّة لا تساعد على وجود قواعد صارمة تنظم العلاقة بين الجماعات العرقية والدين، ما يفتح الباب أمام انتهاك التوافقات المؤقتة، كما لم يمنع تماثل العقيدة الدينية الأرثوكسية من اندلاع صراع إثني بين جماعات التغري، التيغراي والأمهرا، يوضح أزمات عديدة مستمرة تاريخياً الجوانب المختلفة للأزمات الإثنية، وتؤكد مشاركة جيش إريتريا في الحرب ضد التيغراي على أولوية الانتماء العرقي.
ولدى الكنيسة الإنجيلية اعتقاد بوقوف أراد وجماعات وراء احتجاج الأورومو في 2015 بالاعتداء على الكنائس نتيجة الشعور بالانتقام والكراهية ضد الكنيسة الإثيوبية، وتعتبر أن الدعوة لتشكيل كنيسة أوروميا الأرثوذكسية تعبير عن انقسامات دينية تظهر في وجود قساوسة لا يخضعون للتسلسل الهرمي القائم، ما يدفع الكنيسة الأرثوذكسية إلى نشر سلطتها الدينية على أنقاض مؤسسات الأورومو لتغيير الهوية المحلية أو تدميرها وتحويلهم لتابعين.
يقع مسلمو إثيوبيا بين معضلتي الانتماء لإثيوبيا بهويتها المسيحية والتزاماتهم الدينية تجاه جماعاتهم، تشير الروايات المختلفة إلى أن التوطر الطبيعي للدولة يقتضي الدفاع عن مصالحها الخارجية، والاندماج في المؤسسات السياسية. وعلى خلاف ذلك، هناك رؤية مغايرة تقوم على افتراض أسبقية الولاء الديني للانتماء السياسي. وعلى الرغم من تقدير نسبة المسلمين بما يقارب 35% من السكان، فقد عاشوا واقعاً صعباً، ارتبط، في بعض مراحله، بالعنصرية، غير أنه مع وصوله إلى السلطة، عمل أبي أحمد على دمج ممثلي الهيئات الإسلامية، حيث لم يلغ وجود المجلس الأعلى حالة الإضطهاد المستمرة منذ 1930 وحتى 2012، حيث تبدو مؤشرات المعارضة واسعة في أوساط المسلمين.

كان من المفترض التوصل إلى تسوية للمسألة القومية في 1974 غير أن استيلاء مجموعة منجستو هيلا مريام على السلطة دفع الحركة الطلابية إلى الاستمرار في النضال المسلح

ويمكن النظر إلى تأييد بعض المنظمات الإسلامية مواقف الحكومة تطوراً طبيعياً، فتأييد "المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية الإثيوبية" سياسة الحكومة في سد النهضة، هو تعبير ديني، يتلاقى مع الاتجاهات التي تذهب إلى معيارية الدولة الوطنية. وهذا لا يختلف عن الاتجاه العام لعلاقة الجهات الدينية بالسلطة تحت مظلة التوافق أو الخضوع. ويمكن النظر إلى ردّه على بيان شيخ الأزهر، منظمة منضوية تحت السلطة، وتفوق قدرتها على احتواء الخلاف على شرعية تصرفات السطة السياسية في الإدماج غير المتماثل للمسلمين في جهاز الدولة واستمرار مشكلة تفاوت توزيع الثروة.

استمرار المسألة القومية
كان من المفترض التوصل إلى تسوية للمسألة القومية في 1974 غير أن استيلاء مجموعة منجستو هيلا مريام على السلطة دفع الحركة الطلابية إلى الاستمرار في النضال المسلح. وقامت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا وجبهة تجرير شعب تغراي بالتمرّد وتدشين حرب عصابات في 1975 استمرت حتى 1991. مع وفاته، بدأت أزمة القيادة تظهر مرة أخرى، ولكن في ظل حالة الفراغ في جبهة تيغراي اتجهت إثيوبيا للبحث عن قيادة انتقالية خارج مخزن الاجتماعي الحبشي، كانت المرة الأولى في اختيار هيلي مريام ديسالين ثم أبي أحمد. ولعل عدم قدرة ديسالين على مواصلة مهامه ترجع لتناقضات اتساع التمرد والكراهية ضد التغراي ورغبة التغراي في الاحتفاظ بمراكز السلطة في الجيش والأمن والاقتصاد، فيما ينتظر الأمهرا لملء الفراغ عبر التحالف مع الأورومو. وفي هذا السياق، شكل ظهور أبي أحمد حلاً مرضياً لإخضاع التيغراي.
تلازمت هذه التغيرات مع وجود عوامل خارجية تؤثر في العمليات الأساسية لبناء النظام السياسي، فقد شكل الحضور الأميركي عاملاً مشتركاً في ترتيبات انتقال السلطة. في أواخر حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي، لاحظ الأميركيون تزايد الاضطرابات بطريقةٍ دعتهم إلى نصح هيلا سيلاسي بالتنازل عن العرش، ونقل السلطة إلى ابنه (أمها هيلا سيلاسي) لتفادي عزله بالقوة، وأيضاً، خلال هذه السنوات ظلت أزمة قيادة إثيوبيا محل خلاف دولي وغير مستقرّة. وبينما حظي منغستو بدعم السوفييت، ساندت الولايات المحدة حركات التمرّد مبكراً في 1983، حتى جاءت بملس زيناوي زعيماً منفرداً وفق تصورات لحل المسألة الإثنية. وإرغام منغستو على التنازل عن الحكم. ومنذ نهاية 2010، وقبل وفاة زيناوي، اتجهت إثيوبيا إلى الانفتاح على الحزب الشيوعي الصيني في إطار تحويل السياسة الخارجية. وعلى الرغم من دخول البلاد في مرحلة تقلبات سياسية، تنامت التنافسية الدولية على بناء شراكاتٍ قامت على وجود فرص للنفوذ توفرها عمليات التشكيل الجارية للنظام السياسي. في هذا السياق، يمكن فهم مواقف الدول في مجلس الأمن من قضية سد النهضة بأنها محاولاتٌ للتمسّك بالفرص القائمة أو المحتملة.

تبدو أهمية سياسات أبي أحمد، من وجهة سعيه إلى تأسيس نمط مركزي يشمل جماعة الأورومو البعيدة تاريخياً عن مركز السلطة في دولة إثيوبيا

تتقارب المرحلة الحالية مع وضع إثيوبيا في فبراير/ شباط 1974 لدى إطاحة هيلا سيلاسي، حيث تم تغيير القيادة في ظل تنامي الحرب الأهلية وكثافة التدخل الأجنبي. ولعل تحول منغستو إلى الماركسية دفع الولايات المتحدة لرعاية حركات التمرّد. وهو ما قد يحدث هذه المرة، فالعمليات السياسية منذ وفاة زيناوي، هي البحث عن قيادة بديلة، لا تبدو السياسة الخارجية لإثيوبيا غير مريحة لأن يسد أبي أحمد الفراغ، سواء لمشكلات إثيوبية أو تعدّد التدخل الدولي وخصوصاً بعد تلويحه بالتقارب مع الصين وروسيا.

تاريخية السلطة
تشكّل الثقافة السليمانية، ذات الطابع العرقي ـ الديني، خلفية السياسة في إثيوبيا تجاه الجماعات غير الأرثوذكسية، ليتركب التاريخ السياسي لإثيوبيا من التفاعل القائم بين ثلاثية: نظام الفرد، وبيروقراطية الإقطاع، والثورة الدائمة. تبدأ الدورة السياسية من الثورة والاحتجاج ضد النظام القائم، بسبب استئثار الطبقة الحاكمة وانتشار المحسوبية وممارسة القمع والتهميش ضد قطاعات واسعة من الشعب، وعادة ما تمرّ هذه المرحلة بضعف الحكم المركزي وعدم القدرة على مواجهة الثورات تنتهي باختفاء الحاكم وخروجه من المشهد السياسي. في التاريخ المعاصر، تنطبق هذه المسارات على، هيلا سيلاسي، ومنغستو، وزيناوي. ويمكن النظر بشكل مقارب إلى نتائج احتجاجات 2015، حيث تشكل نقطة البداية لدورة جديدة في النظام السياسي. وتبدو أهمية سياسات أبي أحمد، من وجهة سعيه إلى تأسيس نمط مركزي يشمل جماعة الأورومو البعيدة تاريخياً عن مركز السلطة في دولة إثيوبيا، وفق سردية تقوم على فكرة المُخَلص والزعيم الروحي المشمول بحماية الرب، ووفق نمط القيادة النشطة على اساس المزج بين القيم الدينية والوضع السياسي.
وبينما كانت شرعية رئيس الوزراء السابق، زيناوي، قائمة على توفر أيديولوجيا لحل المسألة القومية على أساس التمثيل النسبي للجماعات الإثنية وإنهاء الحرب الأهلية، فإن استناد مشروع أبي أحمد إلى دمج كل القوميات تحت مظلة حزب واحد تتجاهل الفروق الإثنية وجذور الصراعات العرقية والدينية، قد تستفيد السلطة من حالة الغضب المستمرة من خمس سنوات في حشد القوميات ضد التيغراي، لكنها لا تصلح أن تكون سياسة ممتدّة ومُغرية، فالانقسامات الدينية ظلت ظاهرة مرتبطة بالتاريخ الإثيوبي. وحالياً، يساهم نمو الكنيسة البروتستانتية في تشكيل ضلع ثالث للنزاعات السياسية التي تتطور حتى تصبح شكلً التعبير عن الهوية والرموز المحلية والصراع على التحول الديني من الأرثوذكس والإسلام إلى البروتستانتية.

يرتبط فهم سياقات الصراع في إثيوبيا بالاقتراب من العوامل الدينية والتاريخية، وسياقاتها الحديثة في تشكيل السلطة والنفوذ

ويعاني سياسيو الجبهة الثورية والازدهار من غياب الشرعية الكافية لحشد القوميات للقبول بالمركزية، فمع استقالة رئيس الوزراء السابق، ديسالين، تصاعد إدراك الفروق. يواجه دمج الأورومو في مركز السلطة صعوباتٍ ترتبط بالميراث التاريخي لتركيبة السلطة في إثيوبيا، لكنه حسب تغير التركيبة الدينية يمكن استيعاب البروتستانت أو الأرثوذكس ضمن مكونات السلطة. ويمكن فهم الصراع المذهبي بين المسيحيين بالاقتراب من السلطة، لا يبدو انتماء أبي أحمد للبروتستانتية عاملاً مساعداً لدمج الأورومو بقدر ما يؤدّي إلى استقطاب ديني على مستوى الإقليم، وفي مواجهة الكتلة التاريخية الإثيوبية، ما يمثل مناخاً إضافياً للصراع الديني ـ السياسي يعمل على تعميق أزمات الإندماج.
ويرتبط فهم سياقات الصراع في إثيوبيا بالاقتراب من العوامل الدينية والتاريخية، وسياقاتها الحديثة في تشكيل السلطة والنفوذ. وبينما كانت قيادة هيلا مريام ديسالين ذات طابع تسييري تحت هيمنة جبهة التيغراي، ظلت مسألة الشرعية تشكل مركز اهتمام أبي أحمد، على الرغم من انحداره من خارج الكتلة التاريخ للسلطة في إثيوبيا، حيث تُعد جماعة الأورومو من المكونات المعاصرة، واستمرّت على هامش النخبة السياسية، ولا تُعد العلاقات القرابية مع الأمهرا كافية لتثبيت انتمائه للجماعة العميقة في تاريخ إثيوبيا، كما يواجه عداؤه التيغراي أصحاب ميراث حضارة أكسوم مشكلة إضافية أمام استقرار الشرعية السياسية لحكم من خارج المسار التاريخي. ومن ثم، تضع هذه التطورات إثيوبيا على مشارف حربٍ أهليةٍ ممتدّة، وخصوصاً في ظل توقع عدم قدرة أي منها على حسم الصراع وانفراط التحالف مع إرتريا والصومال، يكون مرجّحاً استمرار الأزمة في المدى المنظور، وبشكلٍ يشجّع على إثارة مطالب قومية أخرى.