مستقبل الدولة الليبية .. مسارات التسوية وتهديدات المحاصصة

30 سبتمبر 2020
الصورة

طفلة ليبية في احتجاج في طرابلس ضد انتهاكات حفتر (24/1/2020/الأناضول)

يظل مستقبل الدولة الليبية مرهونًا، كما ظل الحال قائمًا منذ فبراير/ شباط 2011، وسقوط معمر القذافي في العام نفسه، بتفاعلات تدخلات الأطراف الخارجية في الأزمة، وقدرتها على الوصول إلى محاصصة مُرضية في الموارد الليبية، ولا سيما قطاع الطاقة، كما يتضح حاليًا في تنافس الشركات الكبرى، وبعض القوى الإقليمية، على إنتاج البترول والغاز وتصديرهما منذ يوليو/ تموز 2020، وتطمينات كافية لبنية الأمن الإقليمي على المستويين القريب والبعيد، ومن ثم القدرة على ضبط مواقف الأطراف الداخلية المتناحرة وصولًا إلى تسويةٍ سياسيةٍ تمضي في مسار مقلوبٍ، في واقع الأمر، نهايةً بتحقيق قبول شعبي للتسوية وإقامة مؤسسات "ديمقراطية" تتفق مع مخرجات هذه المحاصصة وضوابطها. ويتضح ذلك جليًا حاليًا، على الرغم من تقارب خطابات القوى المختلفة، مثل وحدة الأراضي الليبية، والحفاظ على أمنها، واستقرارها، وضمان انتقال سياسي سلمي بها، وشمول كل أطراف النزاع الليبية في التسوية النهائية للأزمة التي رعتها الأمم المتحدة، عبر خريطة طريق أممية تم إقرارها في سبتمبر/ أيلول 2017. كما يبدو أن الأطراف الخارجية الفاعلة تعيد ضبط تدخلاتها وسط تقارباتٍ محتملة بشكل كبير، واستمرار تهميش دور العوامل الداخلية إلى الحد الأدنى التقليدي، وسط تصعيد وخفض واحتمالات استبعاد القيادات الليبية التي ظلت فاعلةً في الأزمة طوال السنوات الماضية. 

المسارات 

شهدت الأسابيع الأخيرة تحرّكات بين اللاعبين المحليين والقوى الإقليمية والدولية في سياق التوصل إلى حل سياسي، وانعقدت محادثات ليبية - ليبية في بوزنيقة في المغرب ومونترو في سويسرا، لتجاوز الجمود في المسار السياسي. ودُشّنت محادثات مكثفة شاركت فيها بشكل ثنائي أطراف معنية بالأزمة الليبية بشكل مباشر، مثل مصر وروسيا وتركيا وفرنسا والجزائر. وأشار تصاعد هذه المحادثات، ولا سيما التي انخرطت فيها تركيا وروسيا، إلى تراجع دور الأمم المتحدة، حسب مراقبين. ويمكن تتبع هذه المسارات على النحو التالي:

المسار الأممي: شهد مسار إدارة الأمم المتحدة للأزمة جمودًا ملحوظًا منذ استقالة ممثلها غسان سلامة (مارس/ آذار 2020)، وما سبقها من عدم اكتمال الاستعدادات لعقد "المؤتمر الوطني الجامع"، الذي كان مقرّرًا قبيل إقدام الجنرال خليفة حفتر على الهجوم على طرابلس (إبريل/ نيسان 2019)، ما أسفر عن إضاعة جهود أممية مكثفة لاستكشاف مواقف مكونات المجتمع الليبي من التسوية السياسية، وجدولة عقد انتخابات نيابية ورئاسية. وتعزّز هذا الجمود بعدم قدرة المنظمة على اختيار خليفة لسلامة؛ في مؤشّر إلى نظرةٍ سلبيةٍ لقدرتها على إحداث اختراقٍ، وفرضه على الفاعلين الدوليين والإقليميين، ففي مارس/ آذار 2020، تم الكشف عن ترشّح وزير الخارجية الجزائري السابق، رمطان لعمامرة، لخلافة سلامة، ولكن هذا الترشيح تداعى في إبريل 2020، بسبب تحفظ الولايات المتحدة، وربما بضغط مصري إماراتي، وكذلك من المغرب، منافسة الجزائر إقليميًا. 

يبدو أن الأطراف الخارجية الفاعلة تعيد ضبط تدخلاتها وسط تقارباتٍ محتملة بشكل كبير، واستمرار تهميش دور العوامل الداخلية إلى الحد الأدنى التقليدي

وتجدّدت مشاورات اختيار مبعوث جديد، بالتزامن مع الدورة 75 للأمم المتحدة في نيويورك (سبتمبر/ أيلول 2020)، يرجّح أن يكون البلغاري نيكولاي ملادينوف، المبعوث الأممي الحالي لعملية السلام في الشرق الأوسط، وفي سياق قرار مجلس الأمن رقم 2542 بتمديد عمل بعثته السياسية الخاصة المتكاملة في ليبيا 12 شهرًا أخرى تنتهي في 15 سبتمبر 2021. وحدّد القرار (صاغته المملكة المتحدة، وامتنعت الصين وروسيا عن التصويت عليه، وبررتا ذلك بعدم شموله ملاحظاتهما على مسودته، ووافق عليه بقية أعضاء المجلس الثلاثة عشر) مهام البعثة، مثل: مواصلة تطبيق الاتفاق السياسي الليبي، ودعم جهود حكومة الوفاق الوطني في استقرار المناطق في ما بعد الصراعات، ومراقبة انتهاكات حقوق الإنسان والقانون الإنساني والإبلاغ عنها، وتقديم الدعم، عند الطلب، لمواجهة جائحة كوفيد - 19. كما كلفت البعثة بمهمة إنجاز وقف لإطلاق النار وتقديم الدعم اللازم لتطبيقه "بمجرّد اتفاق الأطراف الليبية عليه". وتضمن القرار فصل دور البعثة الأممية في الوساطة في عملية السلام عن دور الدعم، بما يتسق مع الرؤية الأميركية - البريطانية لتعزيز أداء البعثة السياسي. كما استبدل القرار اصطلاح "الممثل الخاص" إلى "المبعوث الخاص" للأمين العام للأمم المتحدة الذي سيركز في عمله على المساعي الحميدة والوساطة. ولم يتضمّن تعيين المبعوث الخاص أو منسق "بعثة دعم الأمم المتحدة في ليبيا"، UNSMIL، الأمر الذي يؤشر إلى استمرار الخلاف بين القوى الكبرى حول شخصية المبعوث، على الرغم من الدعم المسبق لأعضاء مجلس الأمن لتعيين الغانية حنا تيته، Hanna Tetteh، رئيسة للبعثة (الممثلة الخاصة للأمم المتحدة في الاتحاد الأفريقي حاليًا). 

وفي مؤشر إلى استمرار وجود انقساماتٍ أممية في مقاربة الأزمة، منعت روسيا والصين، أواخر سبتمبر/ أيلول 2020، صدور تقرير لخبراء الأمم المتحدة يتهم الأطراف المتحاربة والداعمين الدوليين لهم، بمن فيهم روسيا وتركيا والإمارات والأردن وقطر، بانتهاك حظر الأمم المتحدة لتصدير السلاح إلى ليبيا، كما ورد في التقرير ضلوع 11 شركة في انتهاك قرار الحظر، أبرزها "فاغنر". 

المسار الدولي .. حالتا إيطاليا وروسيا: فيما توارت الجهود الأممية المباشرة حتى سبتمبر/ أيلول الجاري، نجح المسار الدولي، بقيادة ألمانيا والولايات المتحدة وموقف داعم من الأمم المتحدة، في أغسطس/ آب الفائت، في تحقيق اختراقٍ بتشجيع إعلان لوقف إطلاق النار، ودفع مصر وتركيا وروسيا والإمارات إلى الاتفاق على أطر عمل محدّدة، ركزت على الجانب العسكري – السياسي، فيما همّشت بشكل واضح معالجة المسائل الاقتصادية الحقيقية التي تمثل بدورها الأسباب الحقيقية للعنف. كما همّشت البناء على التطورات الإيجابية التي شهدها الاقتصاد الليبي، مثل بدء شركة Deloitte عملية المراجعة على مصرف ليبيا المركزي، بفروعه في شرقي البلاد وغربها، على أن تنتهي بعد ستة أشهر (مارس/ آذار 2021)، ورفع النتائج إلى مكتب المراجعة الوطني الليبي للمتابعة.

وحسب تحليل مهم صادر عن Global Risk Insights، يزداد الصراع الليبي سوءًا، الأمر الذي يتوقع معه تصاعد الدور الإيطالي؛ إذ ترسل قوى خارجية (من بينها تركيا وروسيا)، أسلحة ومرتزقة وقوات إلى ليبيا، وتم منع رحلات الأمم المتحدة لتقديم المساعدات الإنسانية من الدخول، كما تحتاج إيطاليا والاتحاد الأوروبي إلى وضع سياساتٍ أكثر تماسكًا حول قضايا اللاجئين على نحو عاجل، وهو الأمر الذي فشلا فيه. وترى إيطاليا أن التقدّم الطفيف الحالي نحو السلام مشجّع، وأن فرص نجاح التسوية مرتبطٌ بعاملين، هما احترام امتلاك الشعب الليبي حلا شاملا، ودور وساطة جوهري تقوم به الأمم المتحدة. ودعا رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي، في خطابه أمام الأمم المتحدة (25 سبتمبر/ أيلول)، إلى إعادة إنتاج البترول الليبي في كل أنحاء البلاد (في رؤية متطابقة مع حكومة الوفاق الوطني)، وتعزيز إدارة عادلة للموارد لصالح جميع سكان ليبيا (وهي الرؤية التي يتبنّاها حفتر). 

يزداد الصراع الليبي سوءًا، الأمر الذي يتوقع معه تصاعد الدور الإيطالي؛ إذ ترسل قوى خارجية أسلحة ومرتزقة وقوات إلى ليبيا

وعند النظر إلى دور فاعل هام آخر، وهو روسيا، يلاحظ تراجعه منذ رعاية الولايات المتحدة اتفاق وقف إطلاق النار في 21 أغسطس/ آب الفائت، على الرغم من بروز روسيا (بالتنسيق مع تركيا) قبلها بشهور، كقوة فاعلة في ليبيا. وعزا محللون روس ذلك إلى نجاح حفتر في المباغتة، بفضل تحرّكاته غير المتوقعة، وجنوحه إلى اتخاذ قراراتٍ خاطفة. وسرعان ما انتقل الوصف التقليدي لحفتر "كأداة روسية" إلى رئيس البرلمان في طبرق عقيلة صالح، الذي قدّم مبادرات للسلام بالتنسيق مع روسيا، وزار موسكو صيف العام الحالي (2020)، وحظي باستقبال حار ودعم كبير لمبادراته لتحقيق السلام في ليبيا، ولا سيما من فالنتينا ماتفينكو، رئيسة مجلس الاتحاد الروسي، ووزير الخارجية سيرغي لافروف. ولاحظ مراقبون روس أن دعوة صالح (أغسطس/ آب 2020)، للتوصل إلى وقفٍ لإطلاق النار لم يرد فيها ذكر اسم روسيا، ما أغضب موسكو ودبلوماسييها وشعورهم بالتجاهل.

وفي منتصف سبتمبر/ أيلول الجاري، لوحظ تواتر تقارير عن عزم روسيا على إرسال نحو ألف جندي مرتزق من سورية لدعم حفتر، في مساعي إعادة تموضعه عسكريًا، وبالفعل أرسلت نحو 400 جندي مرتزق قبل نهاية الشهر الجاري (سبتمبر). وجاءت هذه التقارير مناقضةً لخلاصات جنوح روسيا أخيرا لمقاربة حذرة في ليبيا بعد فشل دعمها لحفتر في تحسين وضعه، ووضوح ذلك رسميًا في 20 أغسطس/ آب الفائت، عندما أكد لافروف، في محادثة هاتفية مع نظيره التركي جاووش أوغلو، التزام موسكو بوقف إطلاق النار، ودعم المفاوضات الدستورية في جنيف، الأمر الذي عزّز ملاحظة خبراء روس وجود تقسيم للعمل، ولا سيما بين وزارة الدفاع، التي تزود حفتر بقدر لا يستهان به من المعدّات العسكرية، والوزارات الاقتصادية التي تحتفظ بصلات قوية مع حكومة الوفاق. فيما تبدو الجهود التركية الحالية، والتي تعمل بتنسيق سياسي كبير مع روسيا، من وراء تدخلها العسكري المتزايد مستهدفةً محو كل مكاسب الدعم الخارجي التي حصل عليها حفتر و"الجيش الوطني الليبي" في الماضي، ما يجسّد مفارقة مألوفة في الأدوار الدولية الحالية في الأزمة الليبية، والتصعيد غير المحسوبة تداعياته داخليًا لصالح تفاهمات ومكاسب خارجية، تتجاوز التناقض الظاهري في المصالح.

كل الطرق تؤدي إلى القاهرة؟

تظل القاهرة الفاعل الإقليمي الأبرز في الأزمة، والأكثر ارتباطًا على الأرض بتداعيات هذه الأزمة وتهديداتها المباشرة للأمن القومي المصري. كما تحاول القاهرة استعادة قدر كبير من دورها المتآكل منذ التدخل العسكري التركي في ليبيا، ويلاحظ انتهاجها سياسة أكثر توازنًا منذ تبنّيها "إعلان القاهرة" (يونيو/ حزيران 2020)، الذي أعاد التأكيد على مخرجات اجتماع برلين (فبراير/ شباط 2020)، ودعا إلى تكوين مجلس رئاسي "في غضون تسعين يومًا" من إعلان المبادرة لضمان تمثيل عادل لشرقي ليبيا وغربيها وجنوبيها في هذه السلطة السياسية العليا. وتقسيم الحقائب الوزارية (9 لطرابلس، و7 لبرقة، و5 لفزان)، وتقسيم ست وزارات سيادية بين الأقاليم الثلاثة بالتساوي. وحدّدت المبادرة فترة انتقالية مدتها 18 شهرًا يمكن تمديدها بما لا يتجاوز ستة أشهر، يتم خلالها إعادة تنظيم مؤسسات الدولة الرئيسة، مثل مصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط والمؤسسة الليبية للاستثمار.

تظل القاهرة، على الرغم من بعض محددات ومشروطيات شركائها الإقليميين، البوابة المثالية لتسوية سياسية شاملة، وقابلة للاستمرار 

ولوحظ تراجع الدعم المصري غير المشروط لحفتر، على مستوى الخطاب السياسي الرسمي، وصعود اسم عقيلة صالح شريكا للقاهرة في إدارة الأزمة الليبية. وفي 22 سبتمبر/ أيلول، زار عقيلة وحفتر القاهرة لإجراء محادثات مع مسؤولين مصريين، اختتماها في اليوم التالي بمقابلة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أكد موقف مصر الثابت في دعم الحل السياسي للأزمة الليبية بعيدًا عن التدخل الأجنبي، والترحيب بالخطوات الإيجابية التي تقود إلى السلام والبناء والتنمية، ودعوة الأطراف الليبية إلى الانخراط الإيجابي في مسار يقود إلى الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، استنادًا لنتائج قمة برلين وإعلان القاهرة.

وعلى الرغم من تصاعد أدوار إقليمية أخرى، مثل الجزائر المجاورة لليبيا، أو المغرب صاحبة الحضور الدبلوماسي المعهود في محادثات الأزمة الليبية، تظل القاهرة، على الرغم من بعض محددات ومشروطيات شركائها الإقليميين، البوابة المثالية لتسوية سياسية شاملة، وقابلة للاستمرار، ومتضمنة ضرورات ضمان الأمن القومي المصري، مثل تأمين حدود ليبيا الشرقية، وخروج القوات العسكرية التركية وتحجيم أي تهديدات إرهابية مستقبلًا. 

المسار الداخلي

شهدت الأزمة الليبية تفاعلات داخلية ملفتة، حيث تم في 18 سبتمبر/ أيلول الحالي التوصل إلى اتفاق بين "الجيش الوطني الليبي" ونائب رئيس المجلس الرئاسي في حكومة الوفاق الوطني، أحمد معيتق، في سوتشي، تمت بمقتضاه إعادة فتح المرافق النفطية، والبدء في إنتاج البترول وتصديره، والاتفاق على تكوين لجنة تضع مسودة للموازنة ومراقبة توزيع العائدات البترولية بين قادة "الجيش الوطني الليبي" وحكومة الوفاق الوطني، على أن يظل الاتفاق ساريًا حتى يناير/ كانون الثاني 2021 عند تكوين حكومة جديدة. كما تتواصل مساعي رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح، ورئيس مجلس الدولة الأعلى، خالد المشري، لإصلاح المجلس الرئاسي، وربما شمولهما في تكوينه، على خلفية تعهد رئيس حكومة الوفاق، فائز السرّاج، بترك منصبه بحلول نهاية شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، بعد موافقة لجنة الحوار الوطني على تكوين حكومة جديدة. 

استقالة السرّاج المزمعة تتعلق بعمل تنسيقي بين روما وباريس، أكثر من كونها بدوافع داخلية

ويبدو أن استقالة السرّاج المزمعة تتعلق بعمل تنسيقي بين روما وباريس، أكثر من كونها بدوافع داخلية. ويمكن الاستدلال على ذلك برسوخ التعاون الإيطالي الفرنسي بالفعل في مجال الطاقة، والتنسيق الكبير بين باريس وروما متسع في تطبيق سياسة "سلام البحر المتوسط" التي يتبعها الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون. ففي 13 سبتمبر/ أيلول الجاري، أعلن رئيس مكتب العلاقات الاقتصادية الخارجية التركية المسؤول عن ليبيا، أن حكومة الوفاق الوطني كانت على وشك توقيع اتفاق لمنح شركات طاقة تركية حصة في إنتاج البترول والغاز الطبيعي في ليبيا، ليصدُر بعدها بيومين إعلان السرّاج الملفت بعزمه على الاستقالة في أكتوبر، وهو ما لمّح إلى صلة التنسيق الإيطالي الفرنسي بالمشروع التركي.

تهديدات التسوية والمحاصصة

ثمّة تهديدات كثيرة تحيط بعملية تسوية الأزمة الليبية، مثل توحيد "المؤسسة العسكرية" الليبية التي تبدو شرطًا مسبقًا، وإن كان بالغ التعقيد، لهذه التسوية، حال السعي إلى جدّيتها واستمراريتها، في ظل ما يمكن وصفه بـ"المشروع الشخصي لحفتر"، وتدني مؤسساتية القوات الداعمة لحكومة الوفاق الوطني، وانتشار "عناصر إرهابية" في المكونات العسكرية للجانبين، ربما تؤثر لاحقًا على مهنية "الجيش الليبي". كما تمثل المحاصصة التي يتدافع عليها الفاعلون الدوليون والإقليميون للاستئثار بمصالح اقتصادية مهمة في قطاع الطاقة الليبي، والمشروعات المستقبلية لإعادة بناء الدولة الليبية محدّدًا مهمًا، يرقى إلى وصف الأزمة الليبية بمقاربة "لعنة الموارد"، في مساعي هؤلاء الفاعلين لتسوية حقيقية للأزمة الليبية، في ظل التهميش الدائم للشأن الداخلي الليبي، وجدارة الشعب الليبي بنيل السلام بعد قرابة عشرة أعوام من الأزمة الداخلية والتدخل الدولي العاجز عن حسمها. 

توحيد الجيش الليبي

كلفت مصر بإدارة ملف "توحيد المؤسسة العسكرية" الليبية، حيث استضافت من سبتمبر 2017 إلى أكتوبر 2018 جولات محادثات هذا الملف السبع. وانتهت المحادثات من دون الوصول إلى اتفاق شامل، ما زاد من صعوبة العملية والاستقطاب بين طرفي النزاع. ودارت محادثات القاهرة حول فكرة المشاركة في السلطة عبر وضع أبنية جديدة، يمكنها ضمان شمول أكبر عدد ممكن من العسكريين في مناصب متنوعة. وتم اقتراح تكوين ثلاثة مجالس داخل وزارة الدفاع الليبية: مجلس القيادة العامة، ومجلس الأمن القومي والمجلس الأعلى للدفاع. لكن احتمالات توحيد "المؤسسة العسكرية" تدهورت بشكل حاد بعد إبريل/ نيسان 2019. 

إدارة الملف تتجه بعيدًا عن القاهرة، على الأقل مرحليًا، حيث يسعى الإتحاد الأوروبي بقوة في الفترة الحالية إلى العودة إلى محادثات لجنة 5+ 5 العسكرية في جنيف

وكان ملفتًا ومؤشرًا إلى ذلك، أو القدرة الدولية على دفع هذا الملف، انسحاب القوات الأميركية (صغيرة الحجم في واقع الأمر)، من طرابلس، في مطلع إبريل/ نيسان 2019، فيما غيرت الإدارة الأميركية موقفها الذي يدعو الطرفين إلى ضبط النفس، ووجهت دعوة لحفتر بأن توقف قواته فورًا هجومها على العاصمة، وعودتها إلى مواقعها السابقة. وتوقع محللون أميركيون وقتها (نيويورك تايمز 7 إبريل 2019)، أن توسيعه لخطوط إمداداته من دون تمكنه من تحقيق نصر حاسم قد يضطره لانسحاب مذل. فيما أشارت الصحيفة نفسها لاحقًا (مايو/ أيار 2020)، إلى منح البيت الأبيض حفتر الضوء الأخضر لمهاجمة طرابلس. وفي مطلع سبتمبر/ أيلول 2020، أكد تقرير مراقبين مستقلين للعقوبات إلى مجلس الأمن استمرار انتهاك تركيا والإمارات والأردن وروسيا وقطر حظر الأسلحة المفروض على ليبيا. وتزايد بشكل خاص الدعم اللوجيستي العسكري المباشر من روسيا لمجموعة فاغنر، وربما شركات عسكرية خاصة أخرى مقرها في الاتحاد الروسي، في الفترة بين يناير/ كانون الثاني ويونيو/ حزيران 2020. 

ويبدو أن إدارة الملف تتجه بعيدًا عن القاهرة، على الأقل مرحليًا، حيث يسعى الاتحاد الأوروبي بقوة في الفترة الحالية إلى العودة إلى محادثات لجنة 5+ 5 العسكرية في جنيف ضمن سلسلة سياسات تتضمن رفع الحصار المفروض على تصدير البترول، ودعم عملية برلين وجهود الوساطة الألمانية وإجراءات تهدئة الصراع بما فيها حظر السلاح. 

المحاصصة الدولية في قطاع الطاقة

عاد التراجع في الاقتصاد الليبي بعد ذروة نموه وتعافيه في 2017 إلى الواجهة؛ إذ يتوقع أن يشهد الاقتصاد الليبي مع نهاية العام 2020 انخفاضًا قدره 58.7% في الناتج المحلي الإجمالي، بعد نمو قدره 17.9% في العام 2018، ونمو أقل 9.9% في العام 2019. يضاف إلى ذلك تراجع أداء حكومة الوفاق، في ظل التزام تركيا بما حددته القاهرة خطًا أحمر من سرت إلى الجفرة، وتفهم جدية موقف القاهرة وتداعياته حال عدم الالتزام به، وأزمة استمرار حصول جماعات المصالح، ولا سيما في غرب ليبيا والساعية إلى الحصول على سبل الإثراء وشبكات التهريب والبترول المدعم وخلافها من المكاسب الاقتصادية، بالتدريج على قوة أمر واقع مادية ومالية وقانونية. 

تنافس إيطالي - تركي للاستئثار بمشروعات الطاقة

وهكذا، فإن التعافي الاقتصادي في ليبيا، القائم بالأساس على قطاع الطاقة، يظل رهنًا بمضي خطط المحاصصة الدولية فيه قدمًا. ويتوقع أن تستأنف ليبيا صادراتها النفطية عبر ميناء مرسى الحريقة في شرق البلاد، بنهاية سبتمبر/ أيلول الجاري، للمرة الأولى منذ ثمانية أشهر، حيث ستنقل شركة يونيبيك الصينية نحو مليون برميل بالتزامن مع استئناف الإنتاج بمعدلات بطيئة، وتنفيذا لاتفاق بين "الجيش الوطني الليبي" وحكومة الوفاق الوطني في منتصف سبتمبر/ أيلول الجاري، الذي وافقت بمقتضاه المؤسسة الوطنية للنفط على استئناف الإنتاج في الموانئ والحقول "الآمنة". وحسب المؤسسة، فإن منع حفتر تصدير البترول الليبي، منذ يناير/ كانون الثاني 2020، كلف البلاد خسائر تجاوزت 9 مليارات دولار، فيما اقتصر قراره برفع الحصار عن إنتاج وصادرات النفط على فترة شهر واحد. 

الأطراف الخارجية الفاعلة تعيد ضبط تدخلاتها وسط تقارباتٍ محتملة بشكل كبير، واستمرار تهميش دور العوامل الداخلية إلى الحد الأدنى التقليدي

وجاءت هذه التطورات وسط حالة تنافس إيطالي - تركي للاستئثار بمشروعات الطاقة؛ حيث تستأنف شركة "إيني" الإيطالية منذ يوليو/ تموز الماضي خيارات تطوير مصنع لطاقة الغاز بالشراكة مع الشركة الليبية. كما التقى ممثلون عن الشركة، في أغسطس/ آب، بأعضاء مجلس إدارة مجموعة كاليون التركية العملاقة لمناقشة خيارات إقامة مصنع للطاقة الشمسية في ليبيا. فيما أعلنت شركة أجوكو التابعة للمؤسسة، التي تشغل حقول سرير ومسلا والبيضا والنافوره وحمادة، والتي يمكن أن يصل إنتاجها إلى 300 ألف برميل يوميًا، في 19 سبتمبر، استعدادها للإنتاج مجددًا. وتنتظر روسيا تفعيل اتفاقات وقعتها شركة روسنفت مع المؤسسة لاستكشاف البترول وإنتاجه في 2017، فيما عبرت المؤسسة أخيرًا عن قلقها من وجود مرتزقة روس في موقع حقل الشرارة، أكبر حقول إنتاج البترول. 

ويمكن أن يقود مسار مساعي الاتحاد الأوروبي، بقيادة فرنسا، لفرض عقوبات جديدة على تركيا، إلى تحول في توجهات إيطاليا في ليبيا، الأمر الذي لاحظ مؤشراته بعض المراقبين الإيطاليين في إعلان رئيس حكومة الوفاق الوطني المقرب من روما فائز السراج عزمه على تقديم استقالته تمهيدًا لتكوين حكومة جديدة في الشهر المقبل، وأن إيطاليا وصلت بالفعل إلى نقطة بدء جديدة لسياساتها في البحر المتوسط، وفي قلبها ليبيا. 

خلاصة

تقود مسارات التسوية السياسية الحالية في ليبيا، وتهديدات المحاصصة القائمة، إلى توقع استمرار رهن مستقبل الدولة الليبية بمخرجات التوافق الدولي والإقليمي حول الأزمة، واستمرار تهميش مواقف الشعب الليبي، والارتهان فقط بمواقف النخب السياسية والعسكرية التي تبتعد شيئًا فشيئًا عن التعبير عن الإرادة الشعبية الليبية. ويعزّز ذلك تزايد اعتمادها على الدعم الخارجي لسياساتها، بل وربط متزايد لمواقفها بمنأى عن خيارات الشعب الليبي الذي تعطلت طموحاته في تحول سياسي حقيقي قبل سنوات قليلة، ولا سيما بعد شن حفتر عملية طرابلس قبل نحو عام ونصف العام.