مستقبلنا الآتي من أفغانستان

مستقبلنا الآتي من أفغانستان

18 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

مشاهدة بعض اللقطات المسجّلة لما بعد اقتحام "طالبان" كابول يوم الأحد، كفيلة باختصار المشهد الأفغاني المريع. وكلما ظن المشاهد العربي أن ما يحصل هناك بعيد عنه آلاف الأميال، وجب عليه تحسّس جسده ورأسه وعنقه ولسانه، ذلك أن المسافات هذه الأيام لم تعد تعني الكثير، فالتوحش عابر للجغرافيا وللأديان، وسفالة حسابات الدول الكبرى كذلك، ودرجة تشابُه أوضاع كثيرة في منطقتنا مع ظروف أفغانية، لا تعترف بحدود في أحيان عديدة. ألا تتماثل صور هؤلاء الخارجين من الكهوف، محتفلين على ظهور مركبات أميركية، مع استعراضات "داعش"، الأخ غير الشقيق لـ"طالبان"، أيام اجتاحوا حواضر عربية في الرقّة والموصل وصلاح الدين ودير الزور؟ أوليس مطابقاً مع ما لا نزال نراه في المناطق اليمنية التي تحكمها جماعة الحوثيين، التي تشرب من نبع متفرع من العين الذي ينهل منه كل من "داعش" و"طالبان" و"القاعدة"؟

لكن المشاهد الأفغانية الحالية تخلّف مرارة مضاعفة، ذلك أن الأمل بالتخلص من حكم الوحوش، عمّر عشرين عاماً هناك. كان لا بد من ملاحظة أن ما حصل خلال هذين العقدين ليس مبنياً على أرض صلبة، وأنه قابل للانهيار في أي لحظة، لأنه لم يستند إلى قاعدة اجتماعية تدين كفاية بالولاء لفكرة دولة لجميع المواطنين بالتساوي. كان لا بد من التنبه إلى أن المؤسّسات المدنية التي أريد منها التأسيس لاجتماع طبيعي في أفغانستان غير قابلة للعيش من دون السند الأجنبي الدائم، وأن الجيش الأفغاني هو فضيحة فساد متنقلة بطائرات حديثة وبأكثر الأسلحة الأميركية دقةً. كان لا بد من الاعتراف بأن السلطة الأفغانية التي تأسست بعد حرب 2001، لم تستطع ضمان ولاء فئاتٍ وازنة، ليس من البشتون حصراً، بل من باقي المكونات الأفغانية من طاجيك وهزاريه وأوزبك وتركمان، إلى درجة أن الأفغان فضلوا الهرب أو الاستسلام على القتال ضد مستقبل سيكون أسوأ في ظل حكم أهل الكهف. كان لا مفر من تقدير خطر أن الاعتراف العالمي بـ"طالبان" جارٍ منذ فترة طويلة، وأن "المجتمع الدولي" سيطبّع سريعاً مع عودة حكم "الإمارة الإسلامية"، وأن الأميركيين مستعدّون، لا بل متحمّسون لعقد صفقة مع التنظيم الخارج من المغاور، تقوم على أن يحيّد الطالبانيون أي شيء أميركي من بنك أهدافهم، وأن يتولوا محاربة "داعش" في أفغانستان بالنيابة عنهم، ولمَ لا، أن يزعجوا جيراناً مطلوباً إزعاجهم بشدة بالنسبة إلى أميركا: إيران والصين وروسيا خصوصاً.

هذه لائحة مما كان لا بد من الاعتراف به خلال العقدين الماضيين، وهو ما لم يحصل بما يكفي. للأمانة، أحياناً كثيرة كان يُقَرّ بذلك على لسان معنيين محليين أو أجانب، لكن درجة سوداوية المشهد المتخيَّل، كانت تطرد الكلام الذي يجدر البوح به، وأن يُعمَل بما يقتضيه تقدير الموقف. كثيرون في أميركا وخارجها كانوا يضعون النقاط فوق حروف هذا السيناريو الذي يتحقق اليوم، لكن أحداً لم يكن يتوقع أن يحصل شيء بهذه الدرجة من الوضوح: تسليم وتسلّم بين الأميركيين و"طالبان"، مع رفع عتب أميركي على هيئة تحذيرات للحركة الكارهة للحياة، من مغبة استهداف الرعايا الأميركيين وهم في طريقهم إلى طائرات الإجلاء.

زحمة التسجيلات المصوَّرة الآتية من كابول لا تحجب لقطتين اثنتين تختصران الكثير مما يخطر على البال: الهرب الجماعي لتلامذة مدرسة خوست لحظة وصول نبأ اجتياح "طالبان" مدينتهم. وطبعاً، المشهد الأبوكاليبسي لفرار الناس في مطار كابول حتى غطّى البشر مدرجات الطائرات وسُحقت أجساد بعضهم تحت إطارات الطائرات التي تمسّكوا بها. تلامذة مدرسة خوست أطفال لم يعيشوا حكم طالبان الأول (1996-2001)، لكنهم رضعوا أخباره في حليب أمهاتهم. لأمهاتهم الحصة الأكبر من جحيم الأمس واليوم والغد. للمدرسة حصّة أخرى من جهنم، للحياة في أفغانستان أكثر من مأتم، ولنا انتظار تكرار مشاهد أفغانية عندنا، من العراق وسورية ولبنان واليمن وأماكن أخرى، لكن قد لا نشاهدها مصوّرة مباشرة على الهواء، لأن الكهرباء مقطوعة حيث تعبث أيادي الحرس الثوري.