مسار الإصلاحات في الجزائر بعد المحليات

مسار الإصلاحات في الجزائر بعد المحليات

06 ديسمبر 2021
الصورة

جزائرية تطبع بصمتها بعد تصويتها في الانتخابات البلدية في العاصمة (27/11/2021/فرانس برس)

+ الخط -

تركّز السلطة في الجزائر على خطابٍ سياسي محدّد المبنى والمعنى، إذ تتعمّد تضمينه عباراتٍ تتحدّث عن استكمال مسار بناء المؤسسات بفعل انتخابي مسبق، وبفاعلين يحاول أن يسهّل لهم الوصول إلى المؤسّسات، بعيداً عن الماكينات الانتخابية القوية، وإن في المراتب التالية لتلك التي تحتلُّها أحزاب "التحالف الرّئاسي" القديم مع تعديلاتٍ طفيفةٍ واضحةٍ للعيان.
يحتاج الملاحظ للحالة الانتخابية الجزائرية إلى تحليل بعض النّقاط، بغية الوصول إلى التأكّد من أنّ العملية، حقاً، تهدف إلى استكمال مسار الإصلاحات، من خلال بناء مؤسسات جديدة، أم هي مجرد عملية ترميم للقديم، من دون الغوص إلى ما هو أعمق، بتجديد النخبة السياسية، وبوضع أسس دورانها بعيداً عن ممارسات عرف الجميع أنّها هي ما أخرج مسار التحوُّل نحو الديمقراطية في الجزائر عن سكّته الصحيحة، وتعمّد تخريب شكله ومضمونه.
بداية، يجب التوقُّف، ملياً، عند ظاهرة العزوف التّي اتّخذت أشكالاً عديدة، تتراوح بين المقاطعة والمشاركة السلبية من خلال ظاهرة الأوراق الملغاة التي تكاد، وحدها، تشكّل، وعاء انتخابياً يجب البحث في تكونه السوسيولوجي، ودراسة مسبّبات سلوكه الانتخابي، لأنّ السلطة الوطنية للانتخابات أعطتنا، في كلّ مرّة، تعلن فيها عن النتائج، أرقاماً بالملايين، باحتساب مجموع أصوات الناخبين في الاقتراعات الثلاثة التي جرت في ظلّ العهدة الرئاسية للرئيس عبد المجيد تبّون (التعديلات الدستورية، فالتشريعيات، ثمّ المحلّيات أخيراً).

الحياة السياسية تسير نحو جمودٍ أكبر لناحية الشكل، ونحو فراغ أعمق لجهة مضمون الفعل السياسي، والخطاب السياسي، والثقافة السياسية

وبشأن متوسّط المشاركين في الانتخابات، في الاقتراعات المذكورة، يُلاحظ أنّ العملية السياسية لا تعني إلّا ربع الوعاء الانتخابي، ما يعني أنّ السلطة يجب أن تفكّر في الباقين ممن يقاطعون أو يشاركون سلبياً، هل يقومون بذلك بسبب عدم اقتناعهم بتلك الإصلاحات، وما يرتبط بها من تجديد النخبة السياسية وظواهر المشاركة السياسية، أم أنّ الثقافة السياسية راسخة في أذهانهم، بسبب مشاهدتهم لنفس الماكينات الفاعلة، في ظلّ النظام السياسي السابق، تتحرّك على مستوى الحياة السياسية بل هي من تفوز وتتصدّر المؤسسات التي قالت السلطة إنّها بصدد إعادة بنائها، لأنّ المؤسّسات السابقة تمّ انتخابها على أسس الفساد والمال السياسي المشبوه.
بالنتيجة، هل يمكن الإبقاء على مفردات الخطاب السياسي بدون تغيير بشأن مسار استكمال بناء المؤسسات، المشاركة السياسية والفعل السياسي، أم أنّ النتائج التي أسفرت عنها، في كلّ مرّة، الانتخابات، في نسب المشاركة فيها، تستدعي تفكيراً وبحثاً، معمقين، ثمّ اقتراح منظومة خطاب سياسي تركّز على إعادة تشكيل الحياة السياسية، بعد النجاح في عملية الهروب من حالة الفراغ السياسي على مستوى كلّ المؤسّسات، من أعلاها (الرئاسة، الغرفة العليا للبرلمان) إلى أسفلها (المحليات)، إضافة إلى النص القانوني المنظّم للحياة السياسية في البلاد (الدستور)؟
أمّا إذا عمدنا إلى قراءة نتائج الانتخابات لناحية الفائزين فيها، بتلك النسبة المتدنّية من المشاركة، بمتوسط ربع الوعاء الانتخابي، حتّى بالنسبة للمحليات الأخيرة، باحتساب الأوراق الملغاة التي أطلق عليها مسمّى المشاركة السلبية، فإنّنا نصل إلى نتيجة مؤدّاها أنّ الحياة السياسية في الجزائر تتّسم بالفعل السياسي الناقص، لناحية المشاركة، وببقاء التشكيل السياسي البشري نفسه، على مستوى كلّ المؤسسات، بمعنى أنّ المقاطعة أو المشاركة السلبية لم يستفد منها إلّا من يملكون تلك القدرة على تحريك القواعد الانتخابية، اعتماداً على النخب نفسها. وإن، بفعل القانون العضوي الجديد للانتخابات، بعيداً عن المال الفاسد والتزوير، وهذا يعني أنّ الحياة السياسية تسير نحو جمودٍ أكبر لناحية الشكل، ونحو فراغ أعمق لجهة مضمون الفعل السياسي، والخطاب السياسي، والثقافة السياسية.

تكاد الجزائر تكون البلد الوحيد الذي يملك كل مقوّمات الإقلاع، خصوصاً بفعل توفّر الانسجام الاجتماعي المرتكز على تجربة تاريخية مشتركة مريرة

لا يجب أن يُلاحَظ ما تقدّم من دون الاستفادة من دروسه على مستويات ثلاثة: التغيير، وتجديد النخب، والثقافة السياسية. على مستوى التغيير، يمكن ملاحظة أنّ ثمّة إرادة لإحداث التغيير، بعيداً عن العدمية التي أصبحت طابعاً لصيقاً بالحياة السياسية في الجزائر، لكنّ المشكلة تكمن في مقاربة إحداث ذلك التغيير، من ناحية، وشكله ومضمونه، من ناحية أخرى، ذلك أنّ النتائج التي نراها ماثلة أمام أعيننا تؤكد بقاء دار لقمان على حالها، بسبب اتباع الأساليب نفسها في التغيير وإرادة إدامة الثقافة السياسية التي لم تخرج من دائرة تأثير عاملين اثنين حيويين، هما الريع الاقتصادي والعامل الخارجي الضاغط والمانع لإحداث التغيير (بيئة جيوسياسية متوترة، على الدوام، صراعية، خصوصاً بعد العام 2011، في الجوار المباشر للجزائر) بأعمق مما نراه.
بالنسبة لعملية تجديد النخب، تكمن الإشكالية في أنّ عوامل العدمية (المقاطعة، وعدم المشاركة، وإرادة إحداث التغيير الشامل في ظرف زمني قصير)، والبعد عن قبول قواعد اللعبة السياسية ومقاربات التحوّل (التدرّجية، والحوار، والمفاوضات، والمرحلية... إلخ)، إضافة إلى تعامل السُّلطة مع المطالب الإصلاحية، أحياناً، بالرفض أو الاستقطاب، وذلك كلّه يؤدّي إلى بقاء النخب نفسها تتجدّد، لكن في إطار الشكل والمضمون اللذين يسمحان بأداء الوظائف نفسها داخل نظام سياسي رافض أيّ تجديد أو دوران للنخب داخل المجتمع، على الرغم من التغييرات التي أحدثتها عملية التنمية والتطوير في البلاد، منذ الاستقلال، والتي تجعل من عملية تجديد النُّخب ضرورة حتمية وتاريخية، بلغة اليساريين.
على مستوى الثقافة السياسية، تكاد الجزائر تكون البلد الوحيد الذي يملك كل مقوّمات الإقلاع، خصوصاً بفعل توفّر الانسجام الاجتماعي المرتكز على تجربة تاريخية مشتركة مريرة (الاستعمار الاستيطاني والحرب التحريرية الكبرى)، لكنّها لم تقم بالخطوات الضرورية لتحويل تلك المقوّمات إلى وقود يسمح بتفجير طاقات الجزائريين.

التحدّيات تضغط بشدة، ورفعها يحتاج إلى الكلمة الواحدة والصف المرصوص، وليس إلى إدامة الخلاف من دون آفاق

وقد أدّت حقيقة عدم الاستفادة من الانسجام الاجتماعي إلى انقسام سياسي، ما زال يغذّي الخلافات، بل وصل إلى درجة الأزمة السياسية المزمنة، لأنّ المخيال الجمعي للجزائريين بشأن صورة الدولة، الفعل السياسي والمشاركة السياسية، متناقضة، برمّتها، بين المجتمع والسلطة. يولّد ذلك كله ثقافة سياسية تحتاج إلى إعادة تشكيل وبناء لإحداث التغيير اللازم للإقلاع الضروري والحيوي.
ماذا تحتاج الجزائر، بالنتيجة، بعد الخروج من شبح الفراغ السياسي، وإن بمقاربة، كما رأينا، دون المستوى المقبول، للإقلاع على المستويين، الاقتصادي والسياسي؟ طرحنا هذا السؤال، مرّات ومرّات. وفي كلّ مرّة، كنا نؤكّد على ضرورة تشكيل مخيالٍ جمعي، يبني على ذلك الانسجام الاجتماعي المرتكز، بدوره، على تاريخ واحد، وتجارب مريرة للتضحية، وثراء هوياتي تعدّدي على كلّ المستويات، ورؤية واحدة وموحدة لمعطيات الأرض، والبلاد والوحدة الوطنية. 
هل يكفي ذلك، أم يحتاج الجزائريون إلى إرادة إضافية، من الكلّ، للذهاب نحو أفق واحد، هو الخروج من الأزمة والبناء على العناصر المذكورة للإقلاع، لأنّ البلاد محاطةٌ بهول من التحديات، ولا تحتاج إلى تأخير موعد الإقلاع عن وقته المحدّد العاجل، الآن، ومن دون تأخر؟ هذا هو السؤال الذي على كلّ الجزائريين الاهتمام، بصفة عاجلة، بإيجاد جوابٍ له متوافق عليه في إطار ما يجمع ولا يفرق، وبعيداً عن المهاترات والنقاشات البيزنطية، ذلك أنّ تلك التحدّيات تضغط بشدة، ورفعها يحتاج إلى الكلمة الواحدة والصف المرصوص، وليس إلى إدامة الخلاف من دون آفاق، لأنّ طبيعة المجتمعات الخلافات، حقّاً، لكن في ظلّ توافقٍ حتمي في نقاط تقاطع محدّدة، عندما يكون الأمر متعلقا بمصير بلد في حجم الجزائر.
الأجندة المستقبلية، بالنتيجة، بعد مسار استكمال بناء المؤسسات، وفق الخطاب السياسي للسلطة، محدّدة المعالم: إحداث التغيير، وتجديد النخبة، وإعادة تشكيل شكل الثقافة السياسية ومضمونها بمقصد واضح، أيضاً، هو الإقلاع الحقيقي. أجندة تعني الكلّ وتحدّد مستقبل الجميع، من دون استثناء.