مساءلة غائبة في طهران

13 ديسمبر 2025

إيرانية تسير بين أعلام بلادها في طهران (7/12/2025 Getty)

+ الخط -

بينما يحتفل السوريون بمرور عام على سقوط نظام بشّار الأسد، يحقّ لهم، ولغيرهم ممَّن تضرّروا ممّا فعلته إيران طوال السنوات الماضية، أن يتحدّثوا عمّا فعله مشروع طهران، وعن الجراح البالغة التي سبّبها. لم تتعامل إيران بأيّ دبلوماسية أو ذكاء مع تطوّرات الأحداث في سورية، بل بدأت منذ اللحظة الأولى عمليات تجييش طائفية، وأرسلت آلافاً من المقاتلين للدفاع عن المراقد المُقدَّسة بزعم أنها تتعرّض للخطر، وصوّرت الثورة السورية باعتبارها معركةً وجوديةً لمحور المقاومة، ولم تنصح النظام بأن يستمع إلى شعبه، بل شجَّعته على الحلّ العسكري، وساعدته في المضي في ذلك الخيار حتى نهايته.

وممّا يؤكّد هذا الخيار الإيراني ما ذكره الجنرال حسين همداني في مذكّراته التي حملت عنوان "رسائل الأسماك". إذ ذكر فيها أنه أعدّ خطّةً شاملةً للتعامل مع الثورة في سورية، وتضمّنت محاور عدّة، سياسية وعسكرية واقتصادية واجتماعية وثقافية، ثم ذهب بالخطّة إلى الأمين العام الراحل لحزب الله، حسن نصر الله، الذي حذف محاور الخطّة كلّها، وأبقى على المحور العسكري فقط، ليتسم التعامل الإيراني بهذا الطابع على نحو رئيس حتى سقوط النظام نهاية العام الماضي.

إحقاقاً للحقّ، لم تخلُ الخطّة الإيرانية من محاور أخرى غير عسكرية، لكنّها كانت تزيد من اشتعال الغضب في نفوس السوريين، إذ تفتّق ذهن القادة الإيرانيين عن حلّ "عبقري" تمثّل في محاولات لتغيير الديمغرافيا السورية، وتوطين عشرات الآلاف من الشيعة، الإيرانيين والأفغان والباكستانيين... في دمشق وحلب وغيرهما. وانتشرت خلال السنوات الماضية صورُ الاحتفالات بالمناسبات الشيعية في المدن السورية، وما تتضمّنه من سلوكيات بدت غريبةً عن السوريين ولا تنتمي إلى منطقتهم، ما زاد من التوتّر الطائفي. ذلك كلّه بسبب تصوّر القادة الإيرانيين أنهم بذلك يضمنون مصالحهم طويلة المدى. ثم كانت النتيجة أن اختفى هؤلاء المستوطنون في غمضة عين بعد سقوط الأسد، ولم تنفعهم محاولات تغيير الديمغرافيا بشيء، ولم ينفعهم ضمان خطّ الإمداد العسكري فوق أجساد السوريين وعلى حساب أرواحهم، وسقط المشروع الإيراني في سورية خلال 12 يوماً فقط.

لا توجد مؤشّرات على وجود أيّ نية لمراجعة ما حدث من القادة الإيرانيين، بل شهدنا تمادياً في تمجيد الجرائم التي حدثت

لم يكن السلوك الإيراني الذي يتعمّد استفزاز محيطه العربي مقتصراً على الجوانب السياسية والعسكرية فقط، بل امتدّ حتى إلى ساحات الرياضة. نتذكّر في هذا السياق وضع تمثالٍ للجنرال الإيراني قاسم سليماني (اغتالته أميركا في العراق) عند مدخل ملعب مباراة فريق سيباهان الإيراني مع فريق الاتحاد السعودي، ما سبّب إلغاء المباراة واعتبار الفريق الإيراني خاسراً. كما حرصت إيران وأذرعها على رفع لافتات لسليماني في شوارع بيروت ومطارها، وكذلك في العراق، في سلوك يعبّر عن الغطرسة وعدم الاعتبار من ردّات الفعل.

أما كان من الأولى توفير الوقت والجهد والأموال والأسلحة والموارد الهائلة التي أُنفقت في هذا المشروع العبثي؟ هذا كلّه كان من الممكن تجنّبه لو أن نظام بشّار وحلفاءه في طهران تحلّوا ببعض الرشد والعقلانية، ووفّروا على أنفسهم، وعلى المنطقة، سنوات من الدماء التي سالت من أجل نظام ساقط لم يقدّم لهم سوى كراهية محيطهم العربي والإسلامي.

المؤسف أنه لا توجد مؤشّرات على وجود أيّ نية لمراجعة ما حدث من القادة الإيرانيين، بل شهدنا تمادياً في تمجيد الجرائم التي حدثت. فبعد كل عملية اغتيال تنفّذها إسرائيل بحقّ أحد قادة حزب الله، يخرج علينا الحزب بسيرة القتيل، متضمّنةً المعارك التي خاضها في سورية واليمن، مع توضيح أبرز "الإنجازات" و"البطولات" التي حقّقها في هاتَيْن الساحتَيْن، وخاصّةً في معارك القصير والقلمون ومناطق سورية أخرى، مع الإشارة إلى تلك الأعمال بنبرة فخر واضحة. فكيف يمكن التعامل مع مشروع كهذا لا يزال يرى أنه كان محقّاً فيما فعل، بل ما زال مصرّاً على التذكير بما فعل في ساحات عربية عدّة؟

تبدو إيران إذن مصمّمة على المضي بالرؤية نفسها التي ثبت فشلها الذريع، وبالرغم من أنها مهدّدة بعدوان إسرائيلي جديد في أيّ لحظة، إلا أنها لم تحاول التصالح مع محيطها، بل لم تنفّذ حتى أيَّ مصالحات داخلية لتقوية جبهتها قبل المواجهة الجديدة شبه المحتومة. هذا النوع من حالات الإنكار يُعدُّ بمثابة علاماتٍ تمثّل نُذَر خطر على مستقبل النظام بأكمله، إن لم يستفق ويحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

D90F1793-D016-4B7E-BED2-DFF867B73856
أسامة الرشيدي

صحفي وكاتب مصري، شارك في إنجاز أفلام وحلقات وثائقية عن قضايا مصرية وعربية، وكتب دراسات ومقالات نشرت في مجلات ومواقع إلكترونية.