مريد البرغوثي .. ذاهباً إلى سدرة منتهاه

18 فبراير 2021
الصورة
+ الخط -

هل رحل مريد البرغوثي حقاً؟ هل ذهب إلى سدرة منتهاه وقرار قلبه النهائي؟ هل اعتزل منافيه الكثيرة أخيراً على سبيل الأمل؟ هل أغمض عينين ظلتا مفتوحتين دائما على حلم لا يموت؟ هل غادر غربته الأزلية ليلتقي وطنه المنتظر في قلب رضواه؟

قبل سنتين، التقيته للمرة الأولى والأخيرة، عندما جاء لإحياء أمسية شعرية في الكويت بعد غياب طويل، بدعوة من مركز حروف الثقافي، وكانت فرصة جميلة لأهدي له كتابي الشعري "مجرّد مرآة مستلقية"، والذي تضمن قصيدة مهداة له. وكتابي الآخر "وجع الذاكرة"، والذي احتوى مقالا مطولا عنه، باعتباره أحد شعراء الذاكرة الفلسطينية التي لا تموت ولا تشيخ.

التقطت له بعض الصور وهو يقرأ القصيدة، والتي قرأتها لاحقا بحضرته في أثناء الأمسية، ما أضفى عليها بالنسبة لي معنىً آخر أكثر ثراء من المعنى التي ذهبت إليه في كتابتها الأولى. وفي بعض مقالي الذي عنونته "شاعر التيه والمنافي"، كتبت إنه "ضارب في تيه الجغرافيا لكنه لم يضيّع بوصلته الوطنية ولا الشعرية، بل احتفظ بقلبه الفلسطيني إيقونة للهوى القومي دائما.

وقد قضى البرغوثي قبل أن يرى رام الله زمنه في التنقل بين المنافي العربية والأجنبية، باحثا عن حائط يعلق شهادته عليه، وعن مستقرٍّ لقلق القلب المقيم. فبعد أن اختار القاهرة منفى أول، إثر تخرجه في الجامعة وزواجه من زميلته الأديبة والأكاديمية المصرية، رضوى عاشور، اختارت القاهرة أن تقوم بسجنه، ثم نفيه، إثر معارضته لقرار الرئيس المصري آنذاك أنور السادات زيارة إسرائيل، وتوقيع معاهدة صلح معها، وقد ظل البرغوثي ممنوعا من العودة إلى مصر والعيش مع أسرته الصغيرة فيها لمدة 17 عاما، وكان حصيلة ذلك القرار مجموعة شعرية اختار لها عنوانا عبّر عن معاناته مع التنقل والتهجير، فكانت "قصائد الرصيف" الصادرة العام 1980. ومضت سبع سنوات، قبل أن يلحقها بمجموعة أخرى، كرّس فيها ذلك المعنى، بعنوان "طال الشتات"، وهو يعني أن الشتات قد طال وتنوعت محطاته أيضا، لكنها كانت دائما محطّات مؤقتة، فمن القاهرة توجه البرغوثي إلى بيروت، حيث رأى الدبابات الإسرائيلية وهي تجتاحها، فكانت بودابيست وجهته التالية، حيث قضى فيها ردحا من السنوات، يكتب الشعر وقلبه موزع بين فلسطين، حيث تكوينه الأول، والقاهرة حيث زوجته وابنه الصغير، وعمّان التي أبعد عنها أيضا حيث والدته المقيمة هناك، وبيروت التي أصبحت عصيةً على هويته يومها.

عرف مريد البرغوثي دائما بتشديده على الدور الحيوي والمهم للمثقف في تكوين رأي عام حر تجاه كل القضايا الوطنية والمصيرية، كما عرف بحرصه على ممارسة دوره كمثقف مستقل عن آراء السلطة، بغض النظر عن شكل وطبيعة وهوية هذه السلطة. ولذلك كانت المسافة تتسع على مر الأيام بينه وبين أي سلطةٍ سياسيةٍ قدّر له أن يتماسّ معها وخصوصا السلطة الفلسطينية.

وعلى الرغم من انحياز مريد البرغوثي الفطري لقضيته الفلسطينية، كقضية وطن وشعب، في كل ما كتب من قصيد، فإن ذلك لم يغلق موهبته الجميلة على ذلك المعنى، بل كان شديد الاهتمام بالمشترك الإنساني. وكان الإنسان هو بطله الأول، بغض النظر عن انتماءاته السياسية أو العرقية أو الدينية. ولذلك وجدت أشعاره الكثير من الأصداء لدى القراء بمختلف اللغات التي ترجمت إليها أعماله، خاصة وأن قصيدة البرغوثي ابتعدت، منذ البداية، عن التهويمات الغامضة التي استغرقت الكثير من قصائد مجايليه من الشعراء العرب، واهتمت بتكريس جماليتها الخاصة وابتكار أشكال متجددة لها، من دون أن يتخلى عن ولعه المؤثر في الانغماس بتفاصيل العيش الفلسطيني اليومي ومادياته، مما ساهم في انتشارها عالميا".

في أثناء وجودنا معه على هامش أمسيته في الكويت، أبدى نوعا من الضيق والاستغراب على عبارة "عظم الله أجرك"، التي قلتها لإحدى الحاضرات على سبيل التعزية لها في قريبها الراحل. قال إنكم بهذه العبارة تنسون الميت وتواسون الحي.

لا، لن ننساك، يا مريد،.. رحمك الله.