مرحباً بكم في سيدي بوسعيد
عامل يزيل طيناً غمر منزلاً في سيدي بو سعيد بعد عاصفة مطرية (27/1/2026 فرانس برس)
تُعدّ ضاحيةُ سيدي بوسعيد، المطلة على مدينة قرطاج التاريخية، من أكثر الأحياء جاذبيةً للزوّار؛ يتوجّه إليها مليون سائح كلّ عام. فاللونان الأبيض والأزرق اللذَان يلفّان مبانيها التقليدية، وارتفاع هضبتها، وإشرافها على الحوض المائي للعاصمة التونسية، جعلتها أشبه بالأميرة ذات الجمال المتوهّج الدائم ليرغب الجميع في أن يقضي أمسية رائقةً بين شوارعها الضيّقة ومقاهيها المكتظّة. لهذا، لم يكن مفاجئاً قرار منظّمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) إدراج هذه الضاحية في قائمة التراث العالمي، بعد أن سبق للمنظّمة أن اختارت تسعة مواقع أخرى، لتصبح تونس البلد العربي الأكثر حظّاً في حماية مخزونها التراثي والثقافي.
عندما انهمرت الأمطار بقوّة غير مسبوقة على تونس، قبل أشهر قليلة، تشقّقت أجزاء من الهضبة الحمراء التي ترتكز عليها ضاحية سيدي بوسعيد نتيجة عوامل عديدة، منها عدم احترام قواعد البناء في تلك المنطقة ذات التربة الحسّاسة. ففي كلّ مرحلة سياسية يحرص مقرّبون من رأس النظام، أو أطراف من الأرستقراطية التونسية، بمن فيهم الأثرياء الجُدد، على اقتطاع جزء حيوي من هذه الجنّة ليقيموا عليها قصراً أو ما شابه. وكان آخرهم زوجة الرئيس بن علي، ليلى الطرابلسي، التي نجحت في تشييد مبنى مهيب لا يبعد عن القصر الرئاسي كثيراً، وما إن اكتمل البناء حتّى دَهَمتها الثورة، فرحلت وبقي القصر في انتظار مالك جديد.
يعرف الموساد الإسرائيلي المكان جيّداً. آخر "رسالة" وجّهها هذا الجهاز الإجرامي إلى تونس تمثّلت في مقذوفين أصابا سفينتَين من أسطول الصمود الذي لا يزال بعض نشطائه التونسيين في السجون. وفي ذلك رسالة مزدوجة، الأولى إلى النشطاء الذين تجمّعوا من أجل فكّ الحصار عن غزّة. وكانت الثانية موجّهةً إلى الرئيس قيس سعيّد، الذي من دون موافقته ما كان للأسطول أن ينطلق من تونس. وعندما تكون جالساً في مقهى سيدي شبعان يمكنك مشاهدة ما استهدفته المخابرات الصهيونية. وقبل هذا الاعتداء، كانت للمخابرات الإسرائيلية عملية قصمت ظهر منظّمة التحرير الفلسطينية، قُتل فيها المناضل الكبير خليل الوزير (أبو جهاد). وقعت الحادثة في المربّع المحيط بسيدي بوسعيد، وحينها شُكّك في الرئيس بن علي، ومدى ارتباطه بالموساد.
لم يكن ذلك الرجل الصالح (وُلِد في مدينة باجة عام 1156 وتُوفِّي عام 1230)، يتوقّع أنّ انتقاله إلى العاصمة سيقوده إلى تلك الضاحية الساحرة المطلّة على البحر لتكون مكان دفنه، وتحمل اسمه، وتصبح مقصداً للجميع، سواء ممَّن يعرفه أو يجهله، من تونسيين وغيرهم من مختلف الأعراق والجنسيات والأديان. لم يكن زاهداً فقط، بل كان أيضاً مجاهداً عمل على حماية السواحل من القراصنة والغزاة الأوروبيين الذين كانوا منذ وقت مبكّر يطمعون في الهيمنة على تونس ويخطّطون لاحتلالها. وكان هذا الصوفي مثل عديد من نظرائه، مدركاً لتلك المخاطر، فتحمّل مسؤولياته في تأجيل ذلك المخطّط الآثم. وقد يمرّ الملايين من البشر بجانب قبره من دون انتباه، لكنّ الرجل تحوّل إلى جزء من الذاكرة الجماعية للتونسيين، وأصبح يُحتفَل بذكره في خروج جماعي سنوي في إطار جزء من التراث الجماعي والفلكلوري الجميل الذي تختلط فيه الثقافة بالدين والتاريخ والأسطورة.
الفنّانون والشعراء والمبدعون الأوروبيون الذين عشقوا هذه الهضبة الفاتنة عددهم كبير، منهم البارون رودولف ديرلانجي، الرسّام والباحث والموسيقي الفرنسي من أصول ألمانية. استقرّ في سيدي بوسعيد، وبنى فيها قصره الشهير (النجمة الزهراء) بين سنتَي 1912 و1922، وسخَّر حياته لجمع الموسيقى العربية وتوثيقها. قصر جميل ومبهر، تجده على يمينك قبل أن تصل إلى مقهى سيدي بوسعيد.
في تونس، لا تعترضك فقط الأزمات والمشاهد السلبية التي تراكمت بشكل مزعج، ولن يحدّثك التونسيون فقط عن خيبة الأمل في ثورتهم المُجهَضة، وعن شبابهم الطامح إلى الهجرة بأيّ ثمن، وعن سجونهم التي اختلط فيها الحابل بالنابل والمثقّف بالمجرم، ولكن عليهم أن يأخذوك إلى أزقّة سيدي بوسعيد وشوارعها الضيّقة في رحلة لا تُنسى.