محمود معروف في فلسطين

محمود معروف في فلسطين

03 سبتمبر 2021
الصورة
+ الخط -

أجدني في عُسرٍ كثير، وأنا أهمّ في كتابة السطور التالية. لا تنقادُ الكلماتُ كما أريد. أراني أراوغ، وأنا أحاول أن أقع على مفردات البداية، ذلك أن ثمّة أسىً مالحا يُعرقل الوصول إلى الجملة الأولى، فالكتاب الذي تختصّ به هذه المقالة "حيث لا نسيان" (مكتبة كل شيء، حيفا، 2021)، دفع به كاتبُه محمود معروف، إلى النشر، ثم انتظر، بعدّ الأيام والساعات، صدورَه ليفرَح به، غير أن كلمةً للقدر أرادت أمرا آخر. أن يلقى الصديق العزيز وجه ربّ العزّة، في مثل هذا اليوم العام الماضي (3 سبتمبر/ أيلول)، قبل أن يصدُر الكتاب، فتنضافُ إليه تقدِمةٌ موجزةٌ لزوجة الصحافي والكاتب الأريب، بحريّة عدوان. ذلكم سببٌ أولُ للأسى الذي يربك استهلال حديثٍ عن كتابٍ شائقٍ، مؤنسٍ رائق. أما السبب الثاني فأنه كتاب تجوالٍ حرّ في بعض فلسطين، دوّنه محمود بتلقائيةٍ، زاوج فيه اليوميّ بالشخصيّ بالعام، وحضرت في كتابته خبرة الصحافي المحترف، حيث التكثيفُ، والبعدُ عن تأنّق العبارة المتزيّد، والحرصُ على ما يلزم من تعريفٍ غير مُسهب، بالأماكن والمعالم. لا تمرّ، أنت القارئ، المتجوّل مع الكاتب القادم من المغرب، في حيفا ويافا وصفد والناصرة ودير القاسي وعكّا وترشيحا ومجد الكروم وقيسارية وجبع وعين حوض و .. ، على مطاعم ومساجد وكنائس وحاراتٍ وميادين ومقاهٍ في هذه المدن والبلدات والقرى، من دون أن يبسُط لك رفيقُك في هذا الطواف، محمود معروف، وبتباسطٍ فيه حميميةٌ ظاهرةٌ، تفاصيلَ موجزةً ودقيقةً من جغرافيا هذه الفضاءات وتاريخها. الأمر نفسُه تطالعه عن ناسٍ كثيرين، يعرّفك بهم الكتاب، من أصدقاء محمود ومعارفه وزملائه، بل وأيضا ممن صادفهم وتحادَث معهم، ستعرف أيضا عن أسرهم، وعائلاتهم في فلسطين وبعض امتداداتها في الشتات.

كتابٌ في مائتي صفحة من الحجم الصغير، لكنه يحتشد بالغزير عن بعض فلسطين، ناسا وأرضا وكفاحا. وبذلك، لا تزيّد في القول هنا إن محمود معروف، في عمله الشفيف هذا، يعلّم من يريد أن يتعلّم كيف تنكتب نصوصُ ما يسمّونه أدب الرحلات، سرودُ التجوال والسفر ومراودة الأمكنة. وتتأكّد في صنيع زميلنِا هنا هشاشة الأزعومة، المتعجّلة والذائعة، عن أثر سيئٍ أحدثته لغة الصحافة على لغة أهل الأدب ممن يزاولون المهنة. ثمّة أدبٌ في نصوص صديقنا الباقي، وثمّة صحافةٌ متقدّمة، وحرفيةٌ في علوّ الكتابة عن مشاعر الذات الموصولة بالتعبير عن الأحاسيس الشخصية في مناجاة الأمكنة وتفاصيلها، وفي تداعيات الذاكرة وإحالاتها، وفي مونتاجات الانتقالات المتقنة من تفصيلٍ في ماضٍ إلى آخر في راهنٍ ماثل. وفي الأثناء، ثمّة اقتصادٌ في العبارة، وحياةٌ تضجّ في اللغة المنسرحة بعفوية العارف بالكتابة فنا وإبداعا.

يودّعنا محمود معروف، في آخر صفحات كتابه الذي صار وصيةً، على ما أفضى ربعي المدهون، مستحضِرا أحفاده (توفي عن 67 عاما)، وقد افترض أن ما كتبه كان حديثا منه إليهم عن رحلاته إلى الوطن، "رحلات غنية بالتاريخ والحب والجمال والدفء والأمان"، كما وصفها محقّا "أُلقي على كاهلهم، وهم الأطفال، أمانة مواصلة الحلم ليصبح حقيقة". والكتاب في الأصل مُهدى، في صفحته الأولى، "إلى أحفادي، جوانا ويوسف وياسمين وأليزا وفادي .. هذا وطنكم ... لا تنسوه". ولم يتزيّد يحيى يخلف في مقدّمته الكتاب لمّا وصفه بأنه "وثيقة اجتماعية وثقافية"، من فرط ما أغنى به محمود ما تداعى إلى قلمه من خواطر، مشحونة بمشاعر الألفة مع الناس والأماكن، بمعلوماتٍ بالغة الفائدة، عن أعداد سكان الناصرة، وعن كنيسة البشارة فيها، وعن تاريخ مسجد حسن بيك في يافا، وعن آخر خطبة لعز الدين القسّام في مسجد الجرينة في حيفا، وعن سور عكا، وعن ترشيحا وجغرافيتها، وعن أسواق القدس، أمثلة لا غير. أما دير القاسي، بلدة محمود التي هجّرت منها أسرته إلى لبنان في عام النكبة، فقد فاضت الكتابة عنها بوفيرٍ من التاريخيّ والذاتي والاجتماعي. وفي الغضون، كانت ذكرياتٌ ومحكياتٌ تتوالى إلى مدارك صديقنا، فيروي، ويقول عن شعورِه باختناقٍ وغصّةٍ أليمة، حين التقت عيناه بعيني أحد المستوطنين هناك، وهو في داخل السيارة. أما لقاؤه في ترشيحا بالحاجّة أم خالد خرمة، الباقية الوحيدة من دير القاسي في الوطن، فجاء مشهدا ممتلئا بالإيحاءات والمعاني ..

"أشعة الشمس تمنح الأرض الخضراء، جبالا وتلالا ووديانا، مسحةَ جمالٍ تُنعش القلب" .. هذا في صفد. وفي كل سطور "حيث لا نسيان" مباهج تُنعش القلب أيضا، يبعثُها حبُّ بلا حدودٍ لفلسطين، ولكن مقادير باهظةً من أسىً لا تُغادرك وأنت تقرأ، وأنت تتحسّس هذا الحب. .. رحمك الله أبا نبيل.