محمد عفيفي مطر .. الذي فرّط في النحل

22 أكتوبر 2020
الصورة
+ الخط -

عذاب الفقراء هو هكذا، لا يُترجم لا بالقرش ولا بالجنيه ولا بالموقف السياسي، ولا حتى بالنزق الشديد أحيانا في الرؤية. يترجم بالعطاء، بالعطاء فقط، حتى وإن تم بوصيةٍ قالها شاعر قبل رحيله لأولاده، بأن يتبرع بـ 17 قيراطا من أرضه.

كان يسعد سعادة بالغة حينما يضاحكني ويقول لي: "هل تعرف، يا صعيدي، أن هذه اليد التي تراها تكتب الشعر، أو لم ترها، هي من أسبوع التي كانت تجمع العسل؟". بالطبع، كان يأخذني بعض العجب من فلاح تحقق شعريا تحققا واسعا، وفي الوقت نفسه، يشاكس الدنيا بفرحه وزهوه، حينما يشرح لك أنه حرث الأرض أو سمّدها، أو لاطف غلال جرن القمح في الصهد، أو اعتصر العسل بأصابعه في الأواني، وجاء أيضا كي يجلس فوق كرسي في القاهرة، ويكتب الشعر ويناطح الظلم بما أمكنه من معرفة وجهد.

حالة كانت تربكني أحيانا وأتأملها دونما صدام أو تفسير، ونحن الذين تركنا قُرانا خلف ظهورنا من سنوات، تسبب الفقر، في قطيعةٍ ما مع ما تركناه. كنت أتأمل فرح الرجل، وخيلاءه الجميل، بما حقق، حتى كان يصل إليّ صمته، ثم يقول: "هل تعرف أنه كان لي عم، اسمه عبد الحكيم، يلعب العصا، ما زلت أحاول جاهدا أن أمسك فرحه، وهو يلعب بالعصا لسنوات، حتى كتبت عنه قصيدة". كان سعيدا بالقصيدة.

محمد عفيفي مطر مدرسة لشقاء الفلاح العنيد الذي يحرص على العلم كحرصه على الشعر والحزن معا، فيكمل تعليمه ويحصل على ليسانس الفلسفة من عين شمس، ثم يسافر بالشعر وعذابه والحزن إلى العراق، ويعود في النصف الأول من الثمانينيات لمصر، كي يكمل رحلته الشعرية، بالصمود نفسه، وبالوجه الحاد نفسه، والقلب الطيب بلا ميوعة.

دونما أي محايلة أو انحناء، فقط ينتظر من الشعر الذي وهبه عمره، وأحيانا ينتظر الشهرة كأي كائن ويقول: "معقول يأتي أي يوم، وأمشي في ميدان التحرير، ويعرف الناس أنني محمد عفيفي مطر الشاعر؟". ظل يحفر في الجرن والمنحل والشعر والأرض بمكابدات الفلاحين وعزمهم، حتى وصل إلى الخامسة والسبعين، وكان يحلو له أن يقول: "معقول أنا عشت كده، ده كلهم ماتوا بدري؟"، حتى جاء مرضه الأخير.

كان يرحمه الله خلطة خاصة من الطفولة والدهشة والعمل والإنجاز، من دون أن يعتدي على حق أحد، إلا الكتابة، فقد كان فيها صريحا، وإنْ أضمرها، حتى حصل على جائزة الدولة التشجيعية بعد الخمسين، فاندهشتُ من قبول عفيفي لها، وقد كان ساعتها وصل إلى استحقاق التقديرية، ولكن برضا الفلاح، أخذها.

هل كان الرجل قد تعب، خصوصا بعد مناكفات سجنه الأخيرة، الذي كم آلم أغلب الحقل الثقافي، وكم خرجت المقالات بعد سجنه وكأنها تعلن عذاب "سهروردي جديد اشتغل فقط بالشعر". .. خرج عفيفي من السجن قويا، وواصل الرحلة حتى آخرها. وفي نهاية الرحلة، طُبعت أعماله الكاملة (في الشروق)، فكانت كـ"طبطبةٍ" على كتف فلاحٍ يتيم تعذّب مع الشعر خمسين سنة، وكانت بالفعل هي سنوات الفرح والتألق في آخر عمره.

يظل عفيفي هو ذلك الفلاح النبيه جدا لما يجب أن يكون له، وما يجب أن يفعله في مقابل ذلك، دونما إفراط أو تفريط، فكان يجالسنا ويخالطنا بطبائعنا كما هي، وخطايانا كما هي. فقط يطلب منا أن ننتبه للقراءة وأنفسنا، لأن المدينة، كما رأى، كم أكلت من أرواح صلبةٍ فرّطت في أشياء من أجل رغباتٍ وملذات، كان يراها غير ضرورية لو مسخت روح الإنسان، أو جعلته قليلا أمام هممه، وحينما يصفو الجدل كان يتيه محبةً في فضيلة أن تقرأ في غرفتك أو في أرضك "داغستان بلدي" لحمزاتوف، وباقي الأضاليل ليس مكان لها إلا النسيان.

اليوم صباحا، أقرأ يافطة "مدرسة محمد عفيفي مطر الثانوية المشتركة" على مساحة 17 قيراطا تبرّع بها، على أرض منحله الذي كم تباهى بعسله، وتباهى بأصابعه التي كانت تعصر العسل في الأواني، فأتعجّب من فلاحٍ شال حمولة كاملة من عذاب الأرض والناس. وفي نهاية عمره، جار على حق النحل، وأقام مكان المنحل مدرسة.

عليه الرحمة، وإن كانت الأرواح عند الله تسامح، فتسامحنا، على خبايا من ذهبٍ، في نفسه، لم نعرفها، كان عفيفي يتعمّد، أن يداريها عنا.