محمد حافظ رجب وبركة الأرواح الزاهدة

11 فبراير 2021
الصورة

محمد حافظ رجب .. على مشارف التسعين استغنى بنفسه وكتابته عن العالم

+ الخط -

للبركات إشارة. وللأرواح أمر واجب، ولا نملك إلا طاعتها إن حلّت علينا بفيض الكرم، كرمها هي، وما نحن سوى الضيوف في خدمتها، إن تفضّلت وحلت. الأرواح تقودك إلى الكتابة، الكتابة هي أصلا ابنة أرواحٍ متعثرة لأمرٍ ما كوني أصيل، أمرٍ لا ندريه، كي تظل هذه الأرواح معنا أطول فترة ممكنة.

محمد حافظ رجب عبر الثمانين بسنوات خمس، من دون استجداء أي شيء من أي مخلوق أو دولة أو نظام. الرجل في هدوء صاف، بعدما عبر "ثمانينه"، بلا نواح ومن دون أن يعرض علله كما يحلو للمستورين، للأسف من أجل جائزة، أو علاج، أو تذكرة سفر، أو لجنة تحكيم، أو حتى سرقة رئاسة "المجمع اللغوي"، ليلا بأمر السلطة وفرماناتها.

ما طبيعة تلك الأرواح القوية الهادئة التي تستّرت بكرامتها؟ وما طبيعة تلك الكرامة أصلا في زمنٍ باتت فيه كعملة نادرة وأحيانا زائفة، هل الكرامة أقوى من حاجة الثمانين وضعفها في بدن كاتبٍ ملأ الدنيا عناداً، وكتابةً، وخروجا عن القطيع، والعلف، والاتحاد الاشتراكي، واليسار، واليمين، وكل بغال البلدية وعلفها وسروجها وشكائمها، كمحمد حافظ رجب؟

ما هذه الكرامة التي دخلت في روح رجلٍ على مشارف التسعين، استغنى بنفسه وكتابته عن العالم؟ كيف عبر الثمانين من دون ضجّة، وكيف عبرته الثمانين من غير أن تذلّه لأحد؟ هل كان محمد حافظ رجب قد وعى تماما درس "بغال البلدية"، فظل في عرين عمره ومصابه حتى وصل إلى الثمانين من دون حاجة أو شكاية؟ هل الكتابة حصن؟

من أين يأتي رجلٌ وحيد في الثمانين بكل هذه الصلابة؟ هل ما نراه ونتعفّف عنه يظل يحمينا حتى نصل إلى عرين كرامتنا حتى بعد الثمانين، كيف يُكمل رجلٌ ملأ الدنيا كتابة وجنونا "ثمانينه" على مقربةٍ من البحر؟ وكيف تجيبه السنوات بعدما زادت وطالت؟

رجل في الثمانين لم يطلب شيئاً. فقط انحاز لألمه، وجراحه، وقال كلمته بصراحة المغلوب والغالب معاً، من دون أن يحوز نصرا ولا راية، سوى نصر الكتابة والشغف بالوحدة والأنس بقسوتها عليه، وقسوته عليها أيضاً.

هل صار الرجل، حتى بعدما جاوز الثمانين، خليلا وفيا للوحشة من دون أن يعلن ذلك، ومن دون أن يقرّ ذلك. الأرواح العنيدة والشفافة معا لها "طاقة قدرها"، هل الكتابة تلك المليئة بالوحشة تحمينا في الوقت نفسه من الوحشة؟

رجل لم يعرض جراحه لأحد، بل ظلّ ممسكاً بألمها في عنادٍ يفوق عناد الكتابة وتفرّدها. من أيام قليلة، ماتت ابنته الوحيدة التي تحبه وترعاه، بعدما تعدّت الستين وتركته لصموده. لم يقل أي شيء عن وحدته، لا قبل رحيل ابنته ولا بعده، ولا حتى بعد رحيل العالم كله، بعدما اقترب من التسعين بجوار البحر. وأنا في كل يوم أقرأ عن الكاتب الذي يحتاج عون الدولة، بعدما لم تهتم الدولة، وتكتب اسمه على يافطةٍ على رأس شارع أو لم تُعد طبع أعماله الكاملة للمرّة التاسعة، على الرغم من أن الأعمال الكاملة له في مؤسسات الدولة تمت طباعتها مرارا، وأغلبها في مخازن الهيئة العامة للكتاب غذاء للفئران بالأطنان من سنوات.

لم يخرج علينا أبداً محمد حافظ رجب وطلب شقة، أو طبع كتاب، أو جائزة، وهو الرائد من جيل الستينيات الذي لم يحصل على جائزة أبداً، ولا سافر إلى أي منتدى عربي، ولا قاسم في جائزة، ولا بكى أمام مقامات الشيعة نهارا ووقف مع أي دكتاتور في الجبهة ليلا، ولا ناصر حرباً في الخليج ما بين إخوةٍ قديماً، أو حديثاً، كي ينول الجوائز، بل ظل فقط مع حزنه يكتب ويطل لأحزان البحر، ولا يقول لله، إلا ما يطويه تحت ضلوعه من أحزان. بعض أصدقاء، أو قلة، يتردّدون عليه، وهو قليل الكلام، بل يخرج الكلام منه مؤلما ومجروحا، وتكاد الكلمات لو عادت ثانية إلى حنجرته، وكأن الكلمات قطعة من كبده تخرج منه بعنت، إلا أنه كل آنٍ يطلّ للبحر، ويكتب عن ألمٍ ما راح أبدا عنه، ولم يفارقه كظل، ولا هو أحبّ أن يفارق الألم، وكأن الألم كان بديلاً لصداقةٍ تمناها من دون أن يبوح بها.