محمد بكري فدائيّاً

27 ديسمبر 2025
+ الخط -

كنّا طلاباً في الجامعة، في النصف الأول من الثمانينيات، صودف أننا قرأنا في صحيفةٍ عن ممثل فلسطيني اسمُه محمّد بكري يؤدّي دوراً في فيلم أجنبي عن فلسطين. وبعد أسابيع، وصل الفيلم إلى إربد، مدينة جامعتنا (اليرموك) في شمال الأردن، فكانت مشاهدته في السينما بمثابة واجبٍ وطنيٍّ، سارعنْا إلى تأديته، نحن أصدقاءُ نقرأ ونشاهد أفلاماً ونشتري كتباً ومجلاتٍ بما أمكن من نقود، ونحبّ غسّان كنفاني ونتجرّأ على ياسر عرفات ونخوّن من نشاء. ذلك الفيلم اسمُه "حنّا. ك"، من إخراج اليوناني كوستا غافراس الذي عرّفنا حسّان أبو غنيمة عنه، في صحيفةٍ أردنيةٍ، إنه تقدّمي ويساري. كان محمّد بكري في نحو الثلاثين عاماً، وهذا أول أدواره في السينما، تُرافِع عنه، في الفيلم، محاميةٌ يهودية، بعد أن قبضت سلطات الاحتلال عليه، وهو يتسلّل متخفّياً عائداً إلى أرضه. لم يُغادر ذلك الممثل الشاب على الشاشة ذاكرتي، كما غيري من شبّان تلك المرحلة، وإن تقادَمت تفاصيل الفيلم ولم نعد نقوى على استعادتِها تماماً، غير أن بكري، منذ تلك اللحظة، صار الممثل الفلسطيني العالمي الذي في وُسعنا، نحن الفلسطينيين، أن نتباهى به أمام شهرة عمر الشريف. كيف لا، وقد بدأ حضورَه في فيلم أميركي، لوحق وهوجم وأغضبَ إسرائيل ولوبياتٍ تناصرها في الولايات المتحدة.
لاحقاً، أدّى الراحل أدواراً في أعمالٍ سينمائيةٍ في هولندا وفرنسا وأميركا وبلجيكا، ما قد يُجيز تصنيفه، عن حقّ، فنّاناً عالمياً، غير أن هذا تفصيلٌ نافل، سيّما أنه صدَق في قوله مرّة إنه لم يحاول أن يُرضي أحداً بمشاركاته في السينما العالمية، فقضيّتُه أولاً وأخيراً فلسطين وهوية ناسها، وفظاعات المحتل. وصفتُه الأساس أنه الفنان الذي شغلته مهمّته التي كان فدائيّاً وهو يزاولها، بمثابرة ونشاط (43 فيلماً ومسرحية)، تظهير الهوية الفلسطينية أمام وحشيّة إسرائيل وعنصريّتها، الدولة التي شاءت الأقدار أن يكون بكري من مواطنيها، ويحمل جنسيّتها، وهو يصرّ على البقاء في وطنه، في الجليل، وعلى أن يرى فلسطين واحدةً. ولعلّه الحسّ الفني العالي الذي ينهض على الإيحاء والتهكّم والمفارقات ما جعله شديد الحماس لرواية إميل حبيبي "المتشائل"، والتي أدّاها "مونودراما" مبكّراً، وعرضها في غير بلد (أميركا مثلاً). وقد ظلّ، في مسارِه ومسيرته، وفيّاً لفكرة قتال إسرائيل بالفن، المسرح والسينما، تمثيلاً وإخراجاً وتأليفاً، الفن الذي لا يُهادن بشأن رواية الفلسطيني روايته. ولهذا، ظلّت إسرائيل تتحسّب منه ومن أعماله، وهو الذي قال مرّة، بشعور الفنان شديد الثقة بما يصنع، إنه أقوى من إسرائيل. ومعلومةٌ تلك المعركة القضائية (والسياسية من قبلُ ومن بعد) التي خاضتها معه 19 عاماً بعد فيلمه (الوثائقي) "جنين جنين" (2002)، وكان سخيفاً (وربما طريفاً؟) من دولة الاحتلال أنها اتّهمته في هذا الفيلم بجريمة تشهير بضابطٍ كان ممن أشرفوا على المذبحة في المخيّم. وقد ترك بكري الكاميرا هي التي تنطق، وسجّل شهادات شهود، فكان العمل وثيقةً بصريةً فحسب. ولمّا صارت الإبادة في غزّة، قال إن الوحشية هناك أكبر من أن تختزلها الكاميرا، وإن العالم يصوّر غزّة بما يكفي. ولكنه أخرج فيلماً من ستّ دقائق، لا حوار فيه بين عجوز صامت وأعمى "يرى" الحرب أكثر مما يراها آخرون.
انتفض الكنيست بسبب "جنين جنين" الذي واصله محمد بكري في فيلمٍ من المخيّم نفسه بعد 20 عاماً على الأول. ولمّا وصف مذيعٌ في إذاعة الجيش الإسرائيلي الفنان الراحل بالمدهش والمحبوب، في نبأ وفاته، ضجّ مستمعون وأعضاء في الكنيست وإعلاميون، فكيف تُخلع هاتان الصفتان "على من قدّم جنود الجيش مجرمي حرب"، في فيلمٍ "يشكّل تشويهاً متعمّداً للمقاتلين ويسيء إلى سمعة جنود الجيش"، بحسب نائبٍ من "الليكود". وللعلم، شارك بكري في أعمالٍ مع مخرجين وممثلين إسرائيليين، وبينهم أصدقاءُ له، غير أنه جاء على خذلان بعض هؤلاء له، واصطفافهم مع الإبادة في غزّة. وقد كان يختبر معادلات الثبات في وطنه، مع التزامٍ تجاه هويته فلسطينيّاً، وتجاه شعبه الواحد الموحّد، وتجاه حكاية هذا الشعب.
رحم الله محمّد بكري، الشاهد البديع في المرويّة الفلسطينية، لا أنساه قدّامي على شاشة سينما في إربد قبل أزيد من 40 عاماً، ولن أنساه جليساً معنا في الدوحة غير مرّة، صامتاً، أو ينتظر أن نشاهد معه فيلم "واجب" من بطولته، أو متحدّثاً عن مشاريع وآمالٍ، وعن رواية إبراهيم نصر الله "زمن الخيول البيضاء" يتحمّس لإنجازها دراما تلفزيونية... .

معن البياري
معن البياري
رئيس تحرير "العربي الجديد"، كاتب وصحافي من الأردن، مواليد 1965.