محاكمات نورمبرغ .. القوة تحكم العدالة

22 نوفمبر 2020
الصورة

"أطباء بلا حدود" تحتج في اعتصام في روما على مجزرة في أفغانستان (3/11/2015/Getty)

+ الخط -

عقدت، في العشرين من نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1946 أولى جلسات محاكمات نورمبرغ الشهيرة، والتي خصصت لمجرمي الحرب العالمية الثانية الألمان. حوكم في الجلسات التي امتدت نحو عشرة أشهر، 24 متهما ألمانياً، ممّن تسلموا مناصب عسكرية وسياسية مهمة مع هتلر. وجهت سلطات الادعاء العام، وكانت مؤلفةً من وفود من الدول المنتصرة في الحرب، اتهامات التآمر وارتكاب جرائم حرب، وجرائم ضد السلم وضد الإنسانية. وأصدرت المحكمة التي كان قضاتها أيضاً من الدول المنتصرة في الحرب، حكما على معظمهم بالإعدام، فيما برّأت ثلاثة فقط، وقد تمّت لاحقا تبرئة متهمٍ منهم كان قد حُكم عليه بالإعدام ونفذَّ فيه الحكم! صحيحٌ أن الإرث الألماني العسكري كان ذا طبيعة توسعية وعدوانية، لكن نموذج نورمبورغ للعدالة الدولية التي تبنتها هيئة الأمم المتحدة، بجهود الدول المنتصرة، عبّر بوضوح عن ثقافة المنتصر، الذي أجبر المهزوم على توقيع صك الهزيمة، ثم ساقه إلى قاعة المحكمة، ومن ثم إلى منصة الإعدام.
منع نظام القطبين الذي ترسّخ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية نشوء نظام عدالة دولي قوي وفعال، مع وجود تنافر بين أفكار المعسكر الغربي والأفكار الشيوعية، وقد شهد العالم بالفعل في تلك الفترة جرائم دولية لا شك فيها، مثل التي حصلت في فيتنام وكوريا والتشيك، ومناطق أخرى، تم غض الطرف عنها للحفاظ على توازن نظام القطبين الذي لا يمكن اختراقه إلا بحربٍ عالميةٍ جديدة، كان العالم في غنى عن خوضها .. ومع انهيار الشيوعية، وتفكّك نظام الاتحاد السوفييتي، برزت القوة الأميركية المسيطرة، وسمح للنظام الحقوقي الدولي أن يعمل مغمِضا إحدى عينيه، متغاضيا عن جرائم ليس له حيلة تجاهها. وما عقد من محاكمات لمجرمي الحرب في رواندا وصربيا وأماكن أخرى كان نموذجا لمحاكمات المنتصر والمسيطر، حيث تم استبعاد كل الجهات التي موّلت الأسلحة وصدّرتها إلى مجرمي الحرب، واقتصرت الإدانة على شخصياتٍ بعينها اعتبرت رمزا لإدانة السلوك الإجرامي المباشر، من دون التطرّق إلى الظروف التي أدت إلى تمكين هذه الشخصيات من تنفيذ جرائمها.
عقلية استثناء القوي، وتحييده عن القوانين التي تنطبق على الجميع عداه، ما زالت سياسة دائمة، وبرنامجا عند كلا الحزبين في أميركا، الجمهوري والديمقراطي، وإنْ بنسبٍ متفاوتة. وقد وصف جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق في إدارة دونالد ترامب، عشية صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية في إبريل/ نيسان العام 2019، القاضي برفض التحقيق في جرائم حرب أفغانستان، بأسعد ثاني يوم في حياته، أما اليوم السعيد الأول فكان حين أقنع إدارة الرئيس جورج بوش بالانسحاب من التوقيع على معاهدة روما التي أنشأت المحكمة الجنائية الدولية. يعكس هذا الموقف خصاما مستحكما بين العدالة الدولية والنظام الأميركي، وأميركا ما زالت متمسّكةً بروح المنتصر الذي يمتلك القانون وآلية تنفيذه، وتعتمد في تمرير هذه الفكرة على قوتها الهائلة التي تسقط أمامها أي سيادة لروح العدالة في العالم.
قدّمت "هيومن رايتس ووتش" ومنظمات أخرى استئنافا ضد قرار وقف التحقيقات في أفغانستان، وتمت الموافقة على الاستئناف. وهنا اتبعت أميركا أساليب جديدة بالممانعة، فقد أصدرت الولايات المتحدة أمرا بوقف منح تأشيرات دخول لموظفي المحكمة الدولية، وهدّد وزير الخارجية، مايك بومبيو، بأن الولايات المتحدة يمكن أن تذهب إلى أبعد من ذلك، بفرض عقوبات اقتصادية، إذا ما أخضعت المحكمة الدولية مواطنين أميركيين للتحقيق! تمارس أميركا عنفا سياسيا دوليا بالإبقاء على روح نورمبرغ، حيث يفرض المنتصر شروطه، وتتزعزع الثقة بالمحاكم الدولية التي تكون فعالةً ضد دول وأشخاص، ومحجوبة عن آخرين، بحسب المصالح وأولويات القوي، ما يعني أن النظام الدولي، وعلى الرغم من مرور 74 عاما على افتتاح محاكمات مجرمي الحرب الألمان، ما زال يترنح تحت وطأة نتيجة تلك الحرب، وهو بحاجة لإعادة نظر جذرية بقوانين تطبيق هذه العدالة وأساليبه.