محاصيلنا من الذكريات
(محمد عبلة)
كل آن ونحن نمشي مع الحياة تقل محاصيلنا من الذكريات، تلك التي كانت من سنوات قليلة خضراء، وعلى أطراف أصابعنا وأكثر اتّساعاً أمام أعيننا من مزارع القمح وضحكات أصحاب الغنم في لعب العصا أو في الأفراح؛ هل حكمة السنوات ومصفاة العمر وقلة أفراحنا المتاحة، كل ذلك يجور على الذكريات التي كانت خضراء وعلى أطراف أصابعنا؟
أتذكّر أن في الشتاء، وفي منطقة صغيرة جداً، اسمها "النخل"، كانت الخيام القليلة تُنصب لأناس من بعيد؛ في ذقونهم الأهلة، والنجوم. وأحياناً يكون أبو زيد الهلالي بسيفه موشوماً على ظهر الكف، وكانت بناتهم تُحسن الغناء؛ كانت خيامهم فقيرة، وغناؤهم عذباً، وأرغفتهم قليلة وثيابهم الفقيرة زاهية، والوشم في ذقون بناتهم جميلاً مع الغمزات التي وهبتها الطبيعة لذقونهن وخدودهن بكرم وسخاء، حتى أصوات البنات كانت جميلة وهنّ ينادين على إخوتهن، حتى وهنّ يلعبن مع كلابهن بجوار الخيام، والنار مع الحطب والقرد المربوط بجوار خيمهم والكلاب أحياناً، وصوت الرباب من داخل الخيام مع دخان الشاي، كان ذلك كله يجعلنا نقف هناك وراء جذوع النخيل، نحن أبناء الفلاحين وأولاد المدارس الصغار، ونحسد صغارهم على تلك السعادة النابتة حول ركيّة النار أو الشاي أو دجاجهم المسروق بالحيل. كانت القلوب طرية، والأمل كان قليلاً، وكانت الناس تكتفي بذلك الفرح القليل النابت في خيام أناس فقراء جاءوا من أطراف الكون في موسم القمح ودوران النوارج ما بين النخيل.
كانت الأيام وكأنها طيبة، رغم أنها، في جوهر حقيقتها، لم تكن طيبة، ولكنها مرّت على القلب بلطفٍ وطيبة، وكأن السماء كانت تستر عيوبها وتداري ثقوبها، وتجعلها أمام عيوننا هكذا خضراء، وما تزال، حتى بعد ما تضعضعت تلك الذكريات وبهتت؛ هي طيبة الفقراء بلا كراهية أو عوز، أو هو عوز جبرت الأشياء في الروح بخاطره، فصار في ساعته جميلاً.
أولاد المدارس ينظرون لهم في حذر، وأولاد الأغنياء في ترفّع، وهم مع النار في الخيمة في ضحك، رغم البرد إن كان الوقت شتاءً، ومع الرباب والغناء إن كان الوقت صيفاً. أما أولاد الفقراء فقد كانوا ينظرون إلى حدوات الفرس وهم بالشواكيش يلينون حديدها بالقرب من ألسنة النار، والجمر. كان الغناء يأتي من الخيام طيباً، والشواكيش بجوار "الكور" تدقّ على الحديد، فيلين الحديد تحت الشواكيش مكوّناً ربانة لحش البرسيم، أو سكيناً، أو ساطوراً صغيراً، أو حدوة لحصان.
كانت نيران الشتاء داخل خيامهم لطيفةً وعيون صغار بناتهم وهي مشتعلة بالكحل تلاطف عيوننا الصغيرة بالأحلام، رغم شراسة ملافظهم في حالات عنفهم، أو في الدفاع عن خصوصياتهم في جلستهم داخل خيامهم. كانت الأيام طرية، والطموحات في طيات البنان، والأطماع نادرة، والخيام التي لهم كانت عامرة بالفرح، رغم قلة الزاد في خيامهم، فجأة بلا مقدّمات، يفكّون خيامهم، ولا نراهم إلا في الشتاء، أو في مواسم البلح وعمل النوارج فوق أجران القمح، فتكبُر من كانت صغيرة ولا تكلمنا، بل وتزيد الكارثة حينما نجدها وقد صارت طويلة ووضعت الحد، وكأنه السيف الذي يقول للعيّل منا "كن عند حدّك فقد كبُرتَ يا عبيط"، فيزيد جمالها وتزداد خشيتنا وحواجزنا ويزيد أيضاً دلال الكحل في عيون صبايا الحلب، وقد ودّعن الطفولة في إغماضة سنة واحدة، أو سنة وأشهر.
لماذا كل آنٍ تقل أفراح محاصيلنا من الذكريات؟ لا أجران القمح التي كنّا نلعب حولها نراها الآن، ولا بنات الغجر، ولا خلاخيل ضاربات الودع ولا تلك الإبر التي كانت تدقّ للبنات الوشم، ولا حتى أجران القمح، ولا النوارج ولا حتى غناء الغيطان، ولا اللمّة حول فوانيس الذكريات، ولا حتى قرود الحلب.
كل سنة ينفض الحي ثيابه عما علق بها من ذكريات، وتتعرّى أيضاً المنازل من ألفتها القديمة بعد قطع النخيل؛ كان سرب حمام في المغارب يطير، ويحط فوق حصر القمح بجوار البنات وهن يغسلن الأقماح على "الموردة".
الترعة والسكة الحديد تحوّلت إلى دكاكين، والموردة بأحجارها المرصوصة محيت من الوجود تماماً، وما عادت أسراب حمام تحوم حول قمح البنات وهن يغسلنه من الطين، وما عاد التلاميذ الذين اخضرّت شواربهم وفي جيوبهم الراديوهات الصغيرة يتحنثون من بعيد لغناء الموردة وأنفاس البنات؛ كان هناك ذلك الرجل الغريب الذي يبيع المسك والريحة ويفتح القوارير من صندوق خشبي ويمسح نظارته، فيهب العطر من خشب الصندوق، فتترك البنات أقماحهن فوق الحصر ويقتربن من الروائح، والرجل البيّاع، كريم العين وكبير السن أيضاً، يقترب في الكلام من حدود الغزل.