محاصصة انتخابية لسلطة فلسطينية شكلية تابعة

27 يناير 2021
الصورة
+ الخط -


تبدّلت الأخبار والأولويات الإعلامية الفلسطينية، من البحث في حيثيات إصلاح البيت الفلسطيني ومراجعة النهج السياسي والبرنامج الوطني، إلى متابعة أخبار الانتخابات المزمع إجراؤها واستقراء المزاج الفصائلي العام، والتنبؤ بنتائج الانتخابات، وتحليل الموقفين الإقليمي والدولي منها. إذ بارك بعضهم اتفاق حركتي حماس وفتح على إجرائها، بغض النظر عن الأسباب والكيفية، وكأنها العصا السحرية القادرة على معالجة الخلل الفلسطيني، في حين أننا مقبلون على إحدى أكثر العمليات الانتخابية هامشيةً على مستوى التاريخ والعالم، نظراً إلى ظروفها وشروطها وشبه وضوح نتائجها؛ طبعاً إن سلّمنا بإجرائها وفق الزمن والمكان والتراتبية المعلن عنها في المرسوم الرئاسي؛ بحكم عدة عوامل سياسية واجتماعية ولوجستية. فمن ناحيةٍ لوجستيةٍ، تعكس الانتخابات حاجة كلتا السلطتين الشكليتين في الضفة وغزة إلى خطوة تنظم واقع الانفصال وتؤطّره، بما يساعد على مواجهة التحدّيات الضخمة المفروضة عليهما، حيث تتعرّض كلتا السلطتين لحصار صهيوني مباشر وغير مباشر؛ فجّ وقاسٍ؛ تعجزان عن مواجهته أو التعامل معه، كما يتمثل في تردّي أوضاع قطاع غزة معيشياً وخدمياً، وكذلك في الانتهاكات الصهيونية المتواصلة على مناطق الضفة الغربية، والتدخل المباشر في تعاملات البنوك مع أسر الشهداء والأسرى، فضلاً عن التحكّم في مجمل اقتصاد مناطق الضفة وحيثياتها.
تساعد أنباء التوافق على إجراء الانتخابات في تأجيل التعامل مع هذه الملفات المحرجة لهما، إلى بعد الانتهاء من الانتخابات، الأمر الذي يمتد إلى قرابة العام وفق مراحلها الثلاث، كما سوف تساعد التوافقات الانتخابية في تحقيق انفراجاتٍ محدودةٍ على أوضاع السلطتين، سيما بما يخص تخفيف، وربما إلغاء، بعض قرارات سلطة رام الله العقابية تجاه قطاع غزة، كما قد تساهم في زيادة حجم المنح والتبرّعات الخارجية، سيما العربية لهما، وإن كان عنوانها الأول سلطة رام الله. إذاً قد تسفر الانتخابات عن بعض تغيرات إيجابية فيما يخص شؤون مناطق السلطتين المعيشية، سيما في غزة، غير أنها تغيّرات محدودة ومؤقتة وخادعة، فلن تدوم كثيراً، فهي حلولٌ ترقيعية تعكس تهرب كلتا الحركتين وعجزهما عن التعامل الجدّي مع الأزمات المعيشية والسيادية الحاصلة في مناطقهما.

نحن أمام انتخاباتٍ فقدت دورها الأساسي كوسيلة، أو إجراء يضمن حكم الشعب لنفسه، تتيح له التعبير عن توجهاته وآرائه، وعن مصالحه، سيما ما يخص شؤونه اليومية

أما سياسياً فتبدو الانتخابات تعبيراً واضحاً ومباشراً عن حالة الجمود والتحجّر السياسي، الرسمي والفصائلي، إذ يتم تجاهل مجمل أصوات الفلسطينيين المنادين بالتغيير داخل الوطن وخارجه، وجميع المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية التي تفرض التغير، والأهم يتم تناسي دلائل فشل نهج "أوسلو" والبرنامج المرحلي، من أجل المضي في انتخابات تكرّس "أوسلو" وسلطة الاحتلال، وتتماهى مع الأدوار والمهام والوظائف التي رسمتها وحدّدتها الدولة الصهيونية لسلطة أوسلو الشكلية. وكأنها انتخاباتٌ استباقيةٌ تحاول إغلاق الباب أمام جميع الأصوات الواهمة التي عوّلت على الإصلاح من داخل الجسم السياسي الفلسطيني، بمعنى إمكانية الضغط على الفصائل، سيما الفصيلين الأقوى، فتح وحماس، بهدف دفعهما إلى مسار إصلاحي يطوي صفحة الاستسلام، ويستعيد مسار حركة التحرّر، حيث تطوي الانتخابات هذه الصفحة كلياً، ليعلن كلا الفصيلين، وبدرجة أقل قليلاً مجمل الفصائل، إصرارهما على المضي بالنهج السياسي البائس نفسه الذي أضرّ القضية وجزأها كما جزأ الأرض والشعب، وبالشخوص والأشخاص نفسهما، وكأن شيئاً لم يكن.
كذلك نجد، بما يخص العوامل الاجتماعية المرافقة لهذه العملية الانتخابية، ملاحظاتٍ عديدة تفرغها من مضمونها الرئيسي، فنحن أمام انتخاباتٍ فقدت دورها الأساسي كوسيلة، أو إجراء يضمن حكم الشعب لنفسه، تتيح له التعبير عن توجهاته وآرائه، وعن مصالحه، سيما ما يخص شؤونه اليومية، فضلاً عن الضرر الذي تلحقه بوحدة الشعب. طبعاً قد يصحّ وصم جميع انتخابات السلطة بذلك، بحكم طبيعة السلطة الوظيفية، وافتقادها أبسط مقوّمات السيادة والاستقلال، لكنها اليوم أكثر وضوحاً وفجاجةً نتيجة عوامل عديدة، مثل قصر مدة الإعداد والتحضير لها، فهي تعقد في غضون أشهر قليلة، لا تتيح للشارع أي مجالٍ لكسر احتكار الفصائل عموماً المجال العام، و"فتح" و"حماس" خصوصاً، فهذا يتطلب كثيراً من الجهد والنقاش والحوار والتفاعل مع الشارع، ومن التباحث في الاستراتيجيات، وفي اختيار الأسماء التي يرضى بها الشارع ويثق بها، وهو ما قوّضته كلتا السلطتين باستبداديتهما واعتقالاتهما الدورية كل صوت معارض في مناطق سيطرتهما. ثم ولو فرضنا جدلاً نجاح الشارع في تأليف قائمة قوية ومتماسكة من خارج الطيف الفصائلي، وذات توجهاتٍ سياسيةٍ جذريةٍ مغايرة لتوجهات نهج أوسلو السياسي. ولو تمادينا في افتراضنا هذا، متخيلين نجاح القائمة في الانتخابات، متجاوزة المعيقات الفصائلية المذكورة، وهيمنتها المالية على الفضاء العام وعلى رواتب جزء كبير من الأسر، ألن تتدخّل حينها الدولة الصهيونية لتقويض العملية الانتخابية وتدميرها، كما حصل في الانتخابات التي سبقتها عندما حصلت حركة حماس على الغالبية التشريعية.

ضرورة التركيز الآن على إيجاد بنية وبيئة وطنية مناضلة ثورية، توحد الشعب والأرض والقضية، قبل التفكير في العملية الانتخابية

ثم ما هي قدرات المجلس التشريعي الواقعية والعملية، في ظل سلطة "أوسلو" الخاضعة للاحتلال والحامية له؟ فقد شاهدنا مئات الأمثلة عن عجز السلطة في مئات القضايا والملفات الاجتماعية والاقتصادية، بل والثقافية والتعليمية والإعلامية أيضاً، طبعاً إذا ما تجاهلنا عجزها وفشلها السياسي، فبغض النظر عن هوية الأشخاص الممثلين في المجلس التشريعي، وعن توجهاتهم السياسية، وعن أمانتهم الشخصية، يمثل المجلس التشريعي بشقيه، الفردي والجماعي، أحد أجزاء المؤسسات التي صنعتها الدولة الصهيونية، بغرض حمايتها من مقاومة الشعب الفلسطيني؛ جميع أشكال المقاومة؛ ومن أجل تخفيض أعباء الاحتلال وتكاليفه، وفق نموذجٍ يفرغ السلطة من أي ملمح سيادي، ومن الإمكانات السلطوية الحقيقية، إذا ما استثنينا إمكاناتها الأمنية. وعليه، لا تملك السلطة صلاحية اتخاذ القرارات السيادية التي تمسّ شؤون الناس اليومية بصورة كاملة، كما في تأمين الرعاية الطبية العادية والطارئة، كتأمين لقاح كورونا مثلاً، وفي حماية المنتجات والأراضي الزراعية وآبار المياه المستهدفة صهيونياً، أو بما يخصّ حركة العمالة الفلسطينية اليومية، وأموال السلطة وجهة صرفها، وصولاً إلى ضبط الأسواق ومستوى المعيشة وإيجاد فرص عمل منتجة، ورفع مستوى الدخل الفردي ومئات المسائل الحيوية والمصيرية.
في المحصلة، لا أجد في توافق "فتح" و"حماس" على إجراء انتخاباتٍ من ثلاث مراحل، أو شاملة من مرحلة واحدة متزامنة داخل الوطن وخارجه، أي أمل لاعتبارها سبيلاً للخروج من التيه والقاع العالقين فيهما اليوم، فالانتخابات انعكاس مباشر للبنية والحالة اللتين أفرزتهما، وهو في حالتنا الراهنة واقع "أوسلو" الاستسلامي وترسيخ الاحتلال وحمايته. الأمر الذي يدفع الكاتب إلى الاعتقاد بضرورة التركيز الآن على إيجاد بنية وبيئة وطنية مناضلة ثورية، توحد الشعب والأرض والقضية، قبل التفكير في العملية الانتخابية.