مجلس إدارة العالم
ينتقل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى مرحلة جديدة في تعاطيه مع العالم، إذ يمضي حالياً نحو ترجمة رؤاه لما يجب أن يكون العالم عليه، ويسعى إلى إيجاد إطار منظّم لعلاقات واشنطن الخارجية، وضابط لحركة العالم وتفاعلات دوله. إطار جديد بمعايير مختلفة وقواعد يضعها ترامب، من دون ضمانة بعدم تغييرها في أي وقت بلا إنذار.
في حديثه عن "مجلس السلام" الذي دشنه قبل أيام للإشراف على إدارة قطاع غزّة، قال ترامب إن عمل المجلس قد يمتدّ إلى قضايا ونزاعات أخرى في العالم. نحن بذلك أمام تطوّر خطير على مستويين: أولهما الجزئي المتعلّق بقطاع غزّة وكيفية إدارته، وهو مستوى واضح الملامح ويتضمّن إجراءاتٍ محدّدة لتنفيذ التصوّر الخاص به، فمجلس السلام ليس سوى جزء من خطّة ترامب لإنهاء الحرب في غزّة، ثم ضمان عدم تجدّدها. لا تعالج تلك الخطّة أسباب الحرب، ولا تحمل أي ضمانات أو حتى مداخل لتسوية عادلة لمعضلة الاحتلال وإعادة حقوق الفلسطينيين.
رغم ذلك، تتضمّن الإجراءات المحدّدة وفقاً لخطّة ترامب قوة عسكرية متعدّدة الجنسيات، مهمتها إحلال الأمن ومنع الاشتباك مجدّداً، ولجنة تكنوقراط تنفيذية تتولى الإدارة المحلّية والشؤون الحياتية في القطاع، تحت متابعة من كيان استشاري ثالث ربما يحمل اسم "مجلس تنفيذي"، رغم أن دوره إشرافي ورقابي وليس تنفيذيّاً.
ومن هذه التركيبة، يتضّح أن "مجلس السلام" سيكون بمثابة مظلّة عامة تتجاوز آليات إدارة غزّة وهياكل تنفيذها، ما يتماشى مع تصوّر ترامب، الذي لا تزال تفاصيله غامضة بشأن الدور العالمي لذلك المجلس. وهذا هو المستوى الثاني في تلك الخطوة: محاولة لإلغاء المؤسّسات الدولية ذات الطابع العالمي، وفي مقدمتها الأمم المتحدة. وسيكون ذلك المجلس بمثابة "مجلس إدارة العالم"، أو بتعريف أكثر دقة: مجلس إدارة "شركة" العالم، فالمنطق المحرّك لدونالد ترامب هو منطق الشركات المساهمة، حتى إنه وضع شرط تقديم مليار دولار مساهمة مالية (حصّة) مقابل العضوية الدائمة في ذلك المجلس.
في ملفّ غزّة تعقيدات يستحيل معها التنبؤ بفرص نجاح ذلك المجلس في إدارة القطاع. وعلى المستوى العالمي والاضطلاع بالدور الرئيس في إدارة قضايا العالم وحلّ مشكلاته وضبط تفاعلاته، الأمر واضح ولا يحتاج إلى فراسة ولا ملكات تنبُّئِية. فتلك الخطوة من الرئيس الأميركي من شأنها تقسيم العالم مجدّداً إلى معسكرَين؛ ليس على أساس فكري أو سياسي، كما في فترة الحرب الباردة، وإنما بمعايير شخصية وعلى أسس مزاجية تماماً. ليس حسب توافق دولة ما مع سياسات واشنطن ومناوأة أخرى لمصالحها، وإنما أيّها مع ترامب (Pro - Trump) وأيّها ضدّه (Anti - Trump). ولا حاجة إلى ذكر ما يعنيه ذلك من إهدارٍ كامل للقانون الدولي، وتقييم العلاقات بين الدول وسياساتها تجاه بعضها وفقاً لرضا ترامب أو رفضه، فقط.
ليس من المُتصوَّر قبول القوى الكبرى الأخرى في العالم ذلك الوضع، أو السكوت عن التحرّك باتجاهه. فإن موسكو وبكين وبيونغ يانغ وطهران، وربما عواصم أخرى كثيرة، ستكون مجبرة على الائتلاف معاً والتنسيق فيما بينها لمواجهة ذلك التكتّل الساعي إلى الانفراد بإدارة العالم. وستظهر مرة أخرى دول غير منحازة، لكنّها ستكون هذه المرّة مشتتة بين هذا المعسكر وذاك.
وقد تفضي بعض التباينات داخل كل مجموعة إلى نشوء مجموعات أصغر وتكتلات أضيق، فيصبح العالم مجموعة من الكارتيلات بين الدول. تتعدّد فيه مصادر الفوضى والانفلات في غياب القانون الدولي وافتقاد مبادئ أساسية وضوابط عامة، مثل تلك الموجودة في منظومة الأمم المتحدة. والمؤسف حقّاً أن الحنظل الذي يزرعه دونالد ترامب سيعاني العالم مرارته طويلاً بعد زوال ترامب نفسه.