متى ينجح الحراك القادم في مصر؟

20 سبتمبر 2020
الصورة
+ الخط -

الحراك الشعبي قادم من دون شك في مصر، سواء اختار الشعب أن ينزل إلى الشوارع اليوم (20 سبتمبر/ أيلول) كما يطالب ناشطون، أو في وقت لاحق بشكل تلقائي، ومن دون سابق موعد."الثورات تولد من رحم الأمل وليس من شدة البؤس". تلك مقولة شهيرة لأحد منظري الثورات البارزين، كرين برينتون. ولعل المفتاح في كلمة "الأمل" التي قد تحمل الإجابة عن أسئلة محورية: لماذا لا تنتفض (تنزل) الجماهير؟ ما هي الشروط التي ينبغي أن تتوفر كي تتحرّك؟ وماذا سيحدث بعد تحرّكها؟

استفاضت دراسات وبحوث عديدة في شرح الأخطاء الإستراتيجية التي وقعت في أثناء ثورة 25 يناير ( 2011) والفترات التي تلتها، إلى أن وصل بنا الحال إلى حكم عسكري قمعي عصف بأي صوت معارض، وحظر التجمعات والممارسة السياسية الفعالة، وعسكر المجتمع وخنق قدرته على الحراك، وتواطأ مع المجتمع الدولي ضد إرادة الشعوب وحقها في الحرية والديمقراطية والتحكّم بقرارها بإرادتها الحرّة. ولعل المواطن البسيط يعي تماما الثمن الباهظ الذي دُفع، منذ ذلك الوقت، والمخاطر الجمّة التي قد تتفاقم لو حدّثته نفسه بالانتفاضة مرة أخرى. ولعله أيضا يستشعر غياب البديل المتمثل في قياداتٍ ملهمةٍ تحوز على الثقة، وتبعث الأمل قي قدرتها على بناء نظام مستقر وفعال، وتطوير البرامج التي تقدّم الرؤية الواضحة، وتلبي الاحتياجات الأساسية للشعب، وتحافظ على المصالح الإستراتيجية لمصر. والأهم من ذلك كله المؤسسات المدنية التي يمكن أن تستند إليها الدولة، وتحل محل المؤسسة العسكرية التي أحكمت السيطرة، ليس على الدولة فقط، بل وعلى المجتمع أيضا. 

وصل الحال المصري إلى حكم عسكري قمعي عصف بأي صوت معارض، وحظر التجمعات والممارسة السياسية الفعالة

التحرّك في ظل نظام يواصل القمع منذ تسع سنوات بشكل منتظم، وفي غياب البديل، تجعله يبدو وكأنه مخاطرة جسيمة غير محمودة، ولا مضمونة العواقب. 

ومن حسن الحظ أن المناخ الثوري ما زال ينبض في مصر، ولم يستطع النظام العسكري أن يخمد أنفاسه، فالسخط الشعبي يتزايد وبسرعة، لأسبابٍ منها ارتفاع نسب الفقر والضائقة المالية والاقتصادية التي أنهكت قطاعا واسعا من الطبقة الوسطى، ناهيك عن الطبقات الفقيرة. كما أن قطاعات عريضة من الشباب الساخط على نظام الحكم في مصر، ومن الفئات العمرية الأقل من 25 عاما، باتت تتطلع إلى استعادة روح يناير، وإحداث التغيير الحقيقي هذه المرّة. وتساهم سياسات الحكومة في تحميل المواطن أعباءً لا قدرة له على تحمّلها من رفعٍ للدعم وانخفاض القوة الشرائية للجنيه المصري، وأخيرا فرض الجباية والأتاوات والإزالات على عموم الشعب، تساهم في إرتفاع وتيرة الغضب. ومهما حاول النظام أن يزيّن "إنجازاته" ويروّجها، فإنه ما زال عاجزا عن معالجة المشكلات الهيكلية للإقتصاد المصري (العجز المزمن في ميزان المدفوعات – تفاقم الإنفاق الحكومي والمديونية الداخلية والخارجية – ضعف الإنتاجية والتصدير – قلة الاحتياطي من النقد الأجنبي). وبات من الواضح التوتر الشديد والاهتزاز الملحوظ بين الطبقة الحاكمة في إمكانية احتواء الغضب الشعبي وتحذير الأجهزة الأمنية للنظام نفسه من مغبّة سياساته، وارتفاع وتيرة الغضب، وقفز عديدين من مؤيديه من قاربه، واستشعارهم بخطورة المسار الذي يسير فيه. لكل هذه الأسباب، إضافة إلى اتساع أطياف المعارضة غير التقليدية وتنوعها، والتي ارتفع صوتها، ليحل محل معارضة النخب السياسية التقليدية العقيمة، أصبحت تتوفر شروط عديدة لإمكانية الحراك. لكنها تظل غير كافيةٍ لإنجاحه وإحداث التغيير. 

ما المطلوب كي ينجح الحراك؟ ببساطة شديدة، المطلوب تنظيم الساخطين قبل أن يتحرّكوا، فلا يمكن للجماهير أن تتحرّك من دون قيادة وتنظيم وبديل وبرامج تزرع الأمل في جدوى الحراك. من حق الجماهير أن ترى، ولو بصيص ضوء في آخر هذا النفق المظلم، يبعث فيها الأمل، ويحفزها على التحرّك.

لا يمكن للجماهير أن تتحرّك من دون قيادة وتنظيم وبديل وبرامج تزرع الأمل في جدوى الحراك

"لماذا تنجح أو تفشل الثورات؟" سؤال مهم طرحه أستاذ العلوم السياسية، روبرت ديكس، في دراسة متميزة، توصل فيها إلى أن المفتاح الأساسي والعامل المشترك في كل الثورات هو القدرة على بناء تحالفاتٍ تناضل ضد الأنظمة المستبدة، وتحشد الجماهير، لتُحدث التغيير والانتقال إلى نظام جديد. ربما يرى كثيرون أن هذا كلامٌ قديم، جُرّب في مصر من قبل، وثبت فشله. ولكن الحقيقة أن من جرّبه من قبل هو الذي فشل أو أفشله، ومن لم يجرّبه ما تزال لديه الفرصة الّا يكرر أخطاء من سبق وينجح. وللحقيقة أيضا أن المرّات التي جرى فيها تكوين تحالفاتٍ حقيقيةٍ شهدت نجاحا ملحوظاً، كتجربة الجبهة الوطنية للتغيير والحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) وشباب "6 إبريل". 

ما حدث في مصر بعد يناير/ كانون الثاني 2011 لم يكن بناءً لتحالفاتٍ تسعى إلى إنجاز هدفٍ مشترك، وإنما تأسيس لجبهاتٍ تعمل وتتآمر بعضها على البعض الآخر، وتفتّت قوى المعارضة وتستقطبها وتجرّ المجتمع معها إلى دائرة الاستقطاب اللعينة. التحالفات الحقيقية سيخرج من خلالها القيادات البديلة والمستقبلية، خصوصا من العناصر المميزة والواعدة من الشباب. كما أنها ستمثل بديلا شرعيا وجدّيا للنظام الاستبدادي القائم. ويمكن لهذه التحالفات أن تتصدّى للقيام بعمليات التطهير المطلوبة والشاملة لبقايا النظام الاستبدادي، وأن تشكل نواة للمؤسسات التي يمكن أن تقوم عليها دولة ديمقراطية جديدة. وأزعم أن السنوات القليلة الماضية أثبتت أن في مصر قيادات بديلة من مختلف التيارات السياسية (معظمها مغيب في السجون، ويصعب حصرها جميعا في هذه المساحة)، قادرة على إدارة البلاد والتصدّي لحل مشكلاتها وحماية ثرواتها بصورة إن لم تكن أفضل بمراحل من قدرة النظام القائم، فعلى الأقل لن تكون أسوأ أداءً.

المناخ الثوري ما زال ينبض في مصر، ولم يستطع النظام العسكري أن يخمد أنفاسه

إن اعتمدنا على المعارضة التقليدية القديمة في بناء تلك التحالفات، فقد نضطر للانتظار طويلا، وفي الغالب من دون جدوى. مضى قرابة العقد، ولم تتم لا مكاشفة أو مصارحة أو مصالحة بين القوى السياسية، ولا الاتفاق على هدف واحد يتم النضال من أجله، ولا التوافق على قيم عليا يلتزم بها الجميع، ولا التوافق على رؤيةٍ لمستقبل مصر التي نريد. لا أظن أنه تُرجى جدوى من تلك المعارضة، وخصوصا أن الوقت الآن ليس وقت صراعاتٍ أيديولوجيةٍ وتصفية حسابات شخصية ومكايدات سياسية. فمن حق آلاف الشهداء والمسجونين والمختفين قسرا والمطحونين، علينا أن نحدّد أولويات المرحلة والأهداف التي نناضل من أجلها، وفي مقدمها زوال الحكم العسكري، والإفراج عن المعتقلين، واسترجاع ما تم التفريط فيه من مصالح الوطن الاستراتيجية. 

عناصر الانتفاضة الشعبية والانفجار التلقائي موجودة، من سخط شعبي متزايد، ونظام متوتر عاجز عن إقناع الشعب بجدوى إنجازاته، وتفريطه وارتهانه التام للخارج، إلا أن شروط نجاح الحراك غير متوفرة. ومن الظلم تحريض الناس على الثورة، من دون أن تتوفر لها القيادة والبرامج البديلة التي يمكن أن تُخرجها من ضيق تلك المرحلة ومرارتها إلى مستقبل تنعم فيه بالكرامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية. ولعل الأمل في الشباب وجيل جديد من المعارضة أن يبني تحالفاته وأساليب مقاومته بشكل مبدع وخلاق، يتناسب مع عصر الرقميات والذكاء الاصطناعي، وأن يتجاوز عصر الديناصورات السياسية.