ما وراء كوارث المرور في مصر

ما وراء كوارث المرور في مصر

17 يناير 2022

إزالة حطام سيارة بعد حادث في الجيزة في مصر (26/3/2020/فرانس برس)

+ الخط -

شهدت مصر ستة حوادث مرورية فظيعة في أقل من شهر. قبل أسبوع، غرق ثمانية مصريين، بينهم ستة أطفال، إثر سقوط سيارة نصف نقل في نهر النيل. وقبل أسبوعين، أطاحت شاحنة ذات مقطورة بعدة سيارات متوقفة بسبب الشبورة (الغيم الكثيف) على طريق دمياط - بورسعيد قبل بوابة الرسوم بأمتار. وفي اليوم التالي، تفحّم ستة أشخاص في اصطدام عدة سيارات على طريق سريع في السويس. وقعت هذه الحوادث الرهيبة بعد أيام من ثلاث كوارث لا تقل بشاعة، إذ أنهى شاب بسيارته حياة أربعة طلاب ثانوي. وبعدها مباشرة اشتعلت عشر سيارات نتيجة اصطدامها معاً على الطريق الأوسطي... ولقي 16 شخصا مصرعهم في تصادم حافلتين في جنوب سيناء. يقع كثير من هذه الحوادث المميتة على مدار العام في مختلف ربوع مصر، على الرغم من قوانين رائعة ورادعة.
ليست المشكلة، إذن، في نقص القوانين أو ضعف العقوبات، وإنما في تصديقها واليقين بتطبيقها. وهذا جزء أصيل من ثقافة المصريين، ومثلهم شعوب كثيرة توقن أن القانون ليس للجميع. ولا حاجة إلى التذكير بفوضى الميكروباصات وبلطجتها، أو انتشار التكاتك أو سير عربات الكارو فوق الطريق الدائري عكس الاتجاه!.
المعادلة البسيطة المؤكّدة.. "من أمن العقاب أساء التصرف". والتبريرات المكرّرة من نوعية أن الوضع اختلف، وحالياً الكل سواسية ولا أحد فوق القانون، لم يعد أحد يصدّقها، إذ هي كلام فقط. وحين تتحوّل إلى واقع، سيصدّقها الجميع بلا ترويج ولا تسويق. أما حالياً، فمن يقول يتظاهر بالصدق ومن يسمع يتظاهر بالتصديق.
ولكن بعض الكوارث لا تقع بخطأ سائق أو استهتار مواطن، فأحياناً يكون القصور في تصميم بعض الطرق أو أماكن العبور أو نقاط التقاطع أو في تنفيذها سبباً جوهرياً في حوادث كارثية. مثلاً، في نقطة وقوع حادث الطريق الأوسطي مع الأوتوستراد، تصميم نفق مرور الأوسطي من تحت الأوتوستراد يجعل القادم على الأوسطي باتجاه النفق يفاجأ أمامه مباشرة بالسيارات المنحدرة بسرعة من الأوتوستراد، فيستحيل عليه تفاديها. وشهدت هذه النقطة ما يزيد عن عشر حوادث في المكان نفسه وبالطريقة نفسها، ولكن مع اختلاف حجم الكارثة وعدد الضحايا.
مثال آخر، تم إنشاء كباري (جسور) كثيرة في مختلف طرق القاهرة الكبرى، ومعظمها بلا منطق ولا مبرّر واضح. وتقع حوادث يومية في منازل تلك الجسور، بسبب عدم وجود أماكن لعبور المشاة أو وجودها على مسافة بعيدة، لم تراع فيها حاجة مئات المارّة بل آلاف منهم لعبور هذه الشوارع، سواء كبار سن أو سيدات أو ذوي احتياجات. وتكفي نظرة سريعة على مختلف أحياء القاهرة من مدينة نصر ومصر الجديدة شرقاً إلى أكتوبر غرباً ومن شبرا شمالاً إلى حلوان جنوباً، بسهولة شديدة يمكن التأكد أن عشرات الجسور التي مزقت القاهرة قدّمت خدمة جليلة لمن يريد اختراق القاهرة أو عبورها طولاً وعرضاً، لكنّها داست تحتها على حقوق عشرات آلاف من المواطنين سكان تلك المناطق.
ما الحل؟ للحل مساران متلازمان: الأول، الارتقاء بالإنسان، أخلاقاً وعلماً وعقلاً وثقافة. وهذا مسار بعيد المدى، ويتجاوز في أهميته، وفي نطاقه، المرور والسلوكيات في الشوارع والطرق. ولكن على الأقل يجب أن يثق المواطن أنه إذا لم يكن يجيد القيادة ويحترم المارّة ويلتزم بالقانون، فسيلقى عقابا رادعا له ولغيره. الثاني، أن يكون إرضاء هذا الإنسان نفسه هو الغاية النهائية من أي عمل عام. وأن يقتنع القائمون على تخطيط الخدمات العامة والبنية التحتية والتحديث والإنشاءات وتصميمها وتنفيذها بأن هذه الأعمال من أجل ذلك المواطن، وليست لإرضاء قياداتهم بتنفيذ التكليف في أقل وقت بأدنى تكلفة، أياً كانت جودته، ثم أداء "التمام" والسلام.