ما وراء حديث بندر عن القيادات الفلسطينية

ما وراء حديث بندر عن القيادات الفلسطينية

13 أكتوبر 2020
الصورة

بندر بن سلطان يتحدّث لقناة العربية .. أي أغراض ومقاصد؟

+ الخط -

يشكّل حديث سفير السعودية الأسبق لدى الولايات المتحدة الأميركية، وأمين عام مجلس الأمن الوطني السعودي (الملغى لاحقا)، بندر بن سلطان، لقناة العربية قبل أيام، مؤشراً مهمّاً إلى طبيعة التغيرات الجارية في السياسة السعودية التي تتحول تدريجياً نحو تكثيف الضغوط، سياسياً ومالياً وإعلامياً، على الجانب الفلسطيني، مع التمهيد لتقارب أوضح مع إسرائيل، استرضاءً لواشنطن، ودعماً لفرص الرئيس دونالد ترامب في الإنتخابات الرئاسية الأميركية الوشيكة. وبغض النظر عن دفاع بندر (وهو أمير من العائلة المالكة) عن سياسات بلاده، فإن ثمّة أسئلةً تخصّ توقيت حديثه قبيل الإنتخابات الأميركية، وأسباب اختياره مدخل الهجوم على القيادات الفلسطينية، وما إذا كان يكشف عن تآكل دعم الرياض لقضية فلسطين، وحدوث تغير في مواقفها من إسرائيل، خصوصاً أن هذا الموقف لا ينفصل عن موقف الحاكم الفعلي في السعودية، محمد بن سلمان، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز في 6 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.
تحليلياً، لا يجب إغفال أن هذا الحديث موجّه إلى واشنطن أساساً، ولا سيما أن الرجل كان سفير السعودية هناك أكثر من عقدين، ونسج علاقات متشابكة مع الأميركيين، وهو يؤمن بأن الوصول إلى قلب واشنطن يمرّ عبر إسرائيل ولوبياتها النافذة في المؤسسات الأميركية، خصوصاً في الكونغرس.

الموقف لا ينفصل عن موقف الحاكم الفعلي في السعودية، محمد بن سلمان، كما ذكرت صحيفة نيويورك تايمز 

ويبدو أن الرياض أرادت توجيه رسالة قبل الإنتخابات الأميركية، مفادها أن السعودية (بما في ذلك رجال الحرس القديم)، مستعدّة للإقدام على خطواتٍ أكثر وضوحاً في التقارب مع إسرائيل، ولو عبر تغيير خطابها تجاه قضية فلسطين وإيقاف دعمها المالي لها، وتحميل قياداتها مسؤولية فشل عملية التسوية، وذلك تحسّباً من إشكاليتين؛ تغير سياسة واشنطن تجاه السعودية في حال فوز المرشح الديمقراطي للرئاسة، جو بايدن، والذي يتقدم بالفعل على ترامب في استطلاعات الرأي، ثم احتمال عودة أميركا إلى الالتزام بالإتفاق النووي مع إيران، في حال انتخاب بايدن رئيساً. وعلى الرغم من احتمال استمرار الخلافات بين طهران وواشنطن، حتى لو فاز بايدن بالرئاسة، فإن التوقعات أن تكون سياسته الخارجية أقل اندفاعاً تجاه إيران، ما يعني تخفيف سياسة "الضغط الأقصى" عليها التي يطبقها الرئيس ترامب حالياً، وهذا من شأنه توجيه رسائل تقلق الثلاثي السعودي الإماراتي الإسرائيلي، بشأن احتمال تحسّن مكانة إيران الإقليمية في الشرق الأوسط.

الرياض أرادت توجيه رسالة قبل الإنتخابات الأميركية، مفادها أن السعودية مستعدّة للإقدام على خطواتٍ أكثر وضوحاً في التقارب مع إسرائيل

على صعيد آخر، ثمّة دوافع تفسّر هجوم الأمير السعودي النافذ على القيادات الفلسطينية؛ أولها منع مسؤولي السلطة الفلسطينية أو تخويفهم من توجيه أي انتقادات لسياسات "السعودية الجديدة"، تحت قيادة محمد بن سلمان. وثانيها التناغم مع موقف إدارة ترامب في تشديد حصار سلطتيْ رام الله وغزة، سياسياً ومالياً، بغية إلحاقهما بالحل الإقليمي لقضية فلسطين، والتسليم بعبثية تحدّي سياسة واشنطن، كما جاء في تصريح السفير الأميركي لدى إسرائيل، ديفيد فريدمان، لصحيفة إسرائيل اليوم (17/9/2020)، إن الولايات المتحدة تفكر في تعيين محمد دحلان على رأس السلطة الفلسطينية، لأن القيادة الفلسطينية (يقصد محمود عباس)، لا تخدم شعبها كما ينبغي، وتقف في الجانب الخطأ من التاريخ. ويتعلق الدافع الثالث بدفاع السعودية عن قرار حليفتيها، الإمارات والبحرين، في التطبيع مع إسرائيل، في إطار دعم جهود الرئيس ترامب لإعادة انتخابه. وقد تزامن توقيت بثّ حديث بندر، مع زيارة وزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد، النصب التذكاري للهولوكوست (المحرقة)، في برلين، برفقة نظيريه الألماني هايكو ماس، والإسرائيلي غابي أشكنازي. ويتعلق الدافع الرابع برغبة الرياض في إعادة تأكيد دورها في خدمة المصالح الأميركية في المنطقة؛ فالسعوديون هم أصحاب المبادرات العربية للسلام منذ طرح الأمير فهد بن عبد العزيز مبادرته عام 1981، (أصبحت لاحقاً مبادرة فاس)، وصولاً إلى مبادرة الأمير عبد الله بن عبد العزيز التي تحوّلت إلى "مبادرة السلام العربية" في القمة العربية في بيروت في مارس/ آذار2002، وكان هدفها الأساسي تحسين صورة السعودية، بعد ضلوع 15 شخصاً من مواطنيها في تنفيذ هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، على الولايات المتحدة.

دوافع تفسّر هجوم الأمير السعودي النافذ على القيادات الفلسطينية؛ أولها منع مسؤولي السلطة الفلسطينية أو تخويفهم من توجيه أي انتقادات لسياسات "السعودية الجديدة"

بعبارة أخرى، لم يكن "تعريب" خيار الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، في التسوية مع إسرائيل، ممكناً من دون الدور السعودي. وبهذا المعنى، ربما استسهل بندر بن سلطان تحميل القيادات الفلسطينية مسؤولية الفشل، تجنباً للاعتراف بإخفاق السياسات السعودية والعربية في فرض أي التزامات على إسرائيل، على الرغم من خطوات التطبيع الهائلة التي أقدمت عليها نظم عربية كثيرة، سراً وعلانيةً، في العقود الأربعة الماضية، ناهيك عن إحجام الرياض عن أي ضغوط على حليفها الأميركي، وتفضيل السعودية تحسين علاقاتها مع واشنطن، ولو على حساب القضايا العربية، خصوصاً فلسطين والعراق. .. وربما ينطوي حديث بندر أيضاً على دوافع شخصية، تتعلق بإبراز دوره عضواً بارزاً في الأسرة المالكة والدبلوماسية السعودية؛ إذ تشغل ابنته ريما منصب سفيرة السعودية في أميركا، في حين يتولى ابنه خالد منصب السفير السعودي في لندن.
يبقى القول إنه لا يمكن إعفاء القيادات الفلسطينية من مسؤولية تدهور قضية فلسطين إلى الوضع الراهن البائس، بيد أن ذلك لا ينفي المسؤولية العربية، خصوصاً تنكّر الثلاثي المصري السعودي الإماراتي، والذي يهيمن على جامعة الدول العربية وقراراتها، لقضايا الشعوب، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية والثورات العربية المغدورة، والزعم إنهما تتحمّلان مسؤولية تردّي الواقع العربي، في مقابل تماهي هذا الثلاثي مع سياسات المحور الأميركي الإسرائيلي في المنطقة، ولا سيما ضد فلسطين وإيران وتركيا.
وإزاء هذا التغير في المواقف والخطابات السعودية/ العربية تجاه قضية فلسطين، تبرز أهمية الرهان على القدرات الذاتية الفلسطينية، والتحلّي بروح المبادرة والنضال، والتوقف عن سياسة "الانتظار السلبي"، والعمل على إطلاق انتفاضة ثالثة، وإعادة تفعيل إرادة الشعب وتنظيم قدراته وإحياء مؤسساته الجامعة، وفي مقدمها منظمة التحرير، لإعادة طرح القضية برؤية جديدة تتجاوز منطق اتفاقيات أوسلو (في تجزئة الأرض والشعب والقضية)، وتحافظ على التواصل الفعّال مع محيطها العربي والإقليمي والدولي الذي يموج باحتمالات تغيير وفرص متاحة، ولا سيما إذا تجدّدت الثورات العربية، ونجحت في تأسيس مسارات انتقالية صحيحة تعيد ترتيب الأوراق والأوزان لمصلحة الشعوب، بما يخفّف من تأثير النخب العربية الحاكمة التي لا ترى بديلاً عن الالتحاق بسياسات المحور الأميركي الإسرائيلي في الشرق الأوسط، ولو عبر تصفية قضية فلسطين وتشويه صورة نضال شعبها، وإجهاض حراك الشعوب العربية ومطالبها العادلة في العيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.