ما وراء جهر المغرب بالتطبيع

28 ديسمبر 2020
الصورة

تبادل اتفاقية اقتصادية بين المغرب وإسرائيل في القصر الملكي بالرباط (22/12/2020/فرانس برس)

+ الخط -

التحق المغرب؛ يوم الثلاثاء، 22 ديسمبر/ كانون الأول الحالي، بشكل رسمي، بركب الدول العربية التي طبّعت، في العام الذي يوشك على الانصراف، علاقاتها مع الدولة العبرية، ليحتل بذلك المركز الرابع؛ وراء كل من الإمارات التي فتحت الباب في أغسطس/ آب، تلتها البحرين بعد شهر، ثم السودان في أكتوبر/ تشرين الأول، في قائمة الدول التي خرجت عن مبادرة جامعة الدول العربية لعام 2002، بعدم إقامة علاقات مع الاحتلال، إلى حين إنشاء دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية.
تعتبِر تل أبيب هذا التطبيع "الأكثر دفئا من بين الاتفاقات الأربعة"، كما وصفه لسان رئيس وزراء الدولة العبرية، نتنياهو، فهو على الجبهة الخارجية بمثابة اختراق جديد، لمنطقة المغرب الكبير، بعد عشر سنوات من الغياب، إثر قرار نواكشوط وقف علاقاتها مع تل أبيب سنة 2010. وعلى الصعيد الداخلي، ورقة رابحة في الصراع السياسي؛ فالأرقام تفيد بأن ثاني أكبر تجمّع يهودي صهيوني، يزيد عن 500 ألف يهودي، من أصولٍ مغربية. يحتل بعضهم مواقع متقدّمة، في المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية، في دولة الاحتلال.

يرى نتنياهو أن التطبيع المغربي بمثابة اختراق جديد لمنطقة المغرب الكبير، بعد عشر سنوات من الغياب، إثر قرار نواكشوط وقف علاقاتها مع تل أبيب سنة 2010

وتعُده الرباط التطبيع الأكثر "براغماتية"، بالمقارنة مع مكاسب بقية الدول التي سبقتها، فنظير استئناف العلاقات، بإعادة الوضع لما كان عليه بعد اتفاق أوسلو (إعلان المبادئ الفلسطيني الإسرائيلي) في العام 1993، وإخراجها إلى مسرح العلانية، بعدما كانت طي السرّية، بعيدا عن الأضواء، منذ حقبة الستينيات، انتزعت اعترافا "ثمينا" من رئيس الولايات المتحدة الأميركية بسيادتها على منطقة الصحراء، التي تعتبر من النزاعات الأطول والأقدم في القارّة السمراء. وبهذا برّر المغرب الذي يرأس ملكه لجنة القدس قرار الانفتاح على الكيان الصهيوني، قصد الاستهلاك الإعلامي، والتخفيف من وقع الخطوة داخليا. وتدرك الدبلوماسية المغربية جيدا مدى حساسية الآراء وتشابكها في قضية الصحراء، ما يعني أن الاعتراف الأميركي، على الرغم من أهميته، غير قادرٍ على اختزالها؛ فحتى اللحظة لا حسم بشأنها على الصعيدين الدولي والأممي، وهذا ما أكده الناطق باسم الأمين العام للأمم المتحدة، حين أعلن أن اعتراف ترامب لا يُغيّر شيئا في القضية.
قُدّم أكثر من تأويل في معرض تفسير الخطوة المغربية المتوقعة؛ بالنظر إلى الإشارات المتلاحقة التي تكشف عن قرب حدوثها. وكانت أشهرها، قبل حوالي سنتين، حين التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي، نتنياهو، بوزير الخارجية المغربية، ناصر بوريطة، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وقبلها تلبية عشرات المغاربة (إعلاميين ومهندسين وفنانين ورجال أعمال) دعوة رسمية، من وزارة الخارجية إلى زيارة إسرائيل. وهذا ما أكده لسان حال ممثل الدبلوماسية المغربية، فالموقف ليس وليد اللحظة، بل هو نتيجة اتصالاتٍ متواصلةٍ بين عاهل البلاد، محمد السادس، والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منذ أكثر من سنتين.

هنالك ما يزيد على 500 ألف يهودي من أصولٍ مغربية، يحتل بعضهم مواقع متقدّمة، في المؤسسات السياسية والأمنية والعسكرية، في دولة الاحتلال

رأى بعضهم، في هذه المقايضة، رغبة من الرباط في تحييد الولايات المتحدة الأميركية في موضوع الصحراء، وإنهاء عقود من المقترحات المتعبة للرباط (جيمس بيكر وفكرة التقسيم، كريستوف روس وتوسيع مهام بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، جون بولتون وإحياء فكرة الاستفتاء..). ولا سبيل لتحقيق ذلك غير إدخال إسرائيل في المعادلة، قصد ثني ترامب؛ المسيحي الإنجيلي المؤمن بضرورة خدمة إسرائيل، على تغيير موقفه من المغرب وقضية الصحراء، خصوصا، وأنه أحجم، طوال ثلاث سنوات، عن تعيين سفيرٍ لإدارته في المغرب، قبل أن يتذكّر في الأسابيع الأخيرة من ولايته، جميل المغرب، إنه من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال بلاده.
واعتبر آخرون أن قرار الالتحاق بركب التطبيع عادي جدا، لكونه نتيجة طبيعية لمراجعة المغرب سياسته الخارجية، حيث حلّت البراغماتية والمكاسب محل الولاء والاصطفاف. وبدا ذلك واضحا في تغيير اتجاه بوصلة العلاقات، في السنوات الأخيرة، من الشرق (العالم العربي) نحو الجنوب (القارة الأفريقية)، بعدما وجدت الرباط نفسها أكثر من مرة ضحية تصدّع النظام العربي (قضية الصحراء، الأزمة الليبية، ملف كأس العالم..)، فكل دولةٍ تبحث عن مصالحها المطلقة، من دون أدنى اعتبار لمصالح باقي الأشقاء. في هذا السياق، تظهر ورقة اليهود المغاربة الإسرائيليين التي يمكن للمغرب استخدامها للضغط، قصد إنهاء الصراع حول منطقة الصحراء. يُذكر أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، حاول جاهدا استغلال ورقة شعبية المغرب في صفوف هؤلاء اليهود، فشكّل فريق عمل لعقد مؤتمر لهم، برعاية الملك محمد السادس، لدعم سلام "فلسطيني – إسرائيلي" يستند إلى حل الدولتين.

اعتبر بعضهم أن قرار الالتحاق بركب التطبيع عادي جدا، لكونه نتيجة طبيعية لمراجعة المغرب سياسته الخارجية، حيث حلّت البراغماتية والمكاسب محل الولاء والاصطفاف

يذهب تأويل ثالث إلى أن الاتفاق ثلاثي الأطراف بين الرباط وواشنطن وتل أبيب، ما يعني أن أميركا ليست مجرد وسيط وفاعل خير، فمنطق العلاقات الدولية يفترض أن لها مكاسب من وراء هذه الصفقة. ويزيد قرار إقامة قنصلية عامة لها في مدينة الداخلة في إقليم الصحراء، لرعاية الاستثمارات الأميركية في الصحراء ومنطقة غرب أفريقيا، من رجاحة هذا التأويل. على هذا الأساس، يكون الاعتراف الأميركي مجرد إجراء لتنزيل الاستراتيجية الأميركية الجديدة، المعلن عنها سنة 2018، تجاه القارة الأفريقية، لمواجهة الخطر الصيني، ممثلا في مشروع "الحزام والطريق". وسبقه إجراءٌ آخر، قبل حوالي شهرين، قام به وزير الدفاع الأميركي (المستقيل)، مارك أسبر، تمثل في توقيع اتفاق شامل للتعاون العسكري بين الرباط وواشنطن، يهدف، بحسب الوزير، إلى تقويض القوة الصينية في القارة السمراء.
وقد أثير سجال كبير، منذ 10 ديسمبر، بشأن القيمة الحقيقية لآلية الإعلان الرئاسي الذي وقعه الرئيس ترامب، ودلالته القانونية والسياسية في السياق الأميركي. بين من رأى فيه مجرّد أداة عملية في السياسة العامة، ما قد يجعله في مهبّ الريح بقدوم الرئيس الجديد، جو بايدن، خصوصا أن إدارته تضم أنصارا لجبهة بوليساريو. وبين من اعتبر الإعلان، إلى جانب المذكرات والأوامر التنفيذية، أدوات مخوّلة حصريا للرئيس، حتى وإن لم تعرّف صراحة في الدستور الأميركي، على الرغم من قبولها دائما في الإجراءات الرئاسية، واستخدامها بشكل متكرّر.
كشفت الخطوات اللاحقة عن الإعلان الرئاسي أن القرار صادر عن الإدارة الأميركية؛ وزارتي الخارجية والدفاع ووكالة الاستخبارات، منها التزام مختلف الإدارات الأميركية بمضامين القرار، ومراسلة واشنطن مجلس الأمن، قصد تغيير موقفها من قضية الصحراء .. وغيرها من إجراءاتٍ تؤكّد قيمته القانونية والمؤسساتية. ويقود هذا كله إلى طرح تساؤل مفاده؛ هل انتقلت أميركا في قضية الصحراء من سياسة تدبير (إدارة) النزاع نحو حل النزاع؟ يبقى الجواب رهين ما إذا كانت واشنطن ستضع ثقلها لاستصدار قرار في مجلس الأمن لصالح المغرب.
يبقى تحقيق هذا الحلم بعيدا، على فرض حسن نيات واشنطن تجاه الرباط، فاتضاح معالم المعادلة الأميركية الجديدة التي تتجاوز الجهر بالتطبيع بين الرباط وتل أبيب، نحو إقحام المغرب في جبهة التصدّي للخطر الصيني، ينذر بمخاطر جمّة، واحتمال توتر حقيقي في منطقة الصحراء، لو قرّرت الصين، أو حتى روسيا التي لا تتوقف عن تسليح الجزائر، احتضان جبهة بوليساريو.