ما وراء اتفاقية مكّة الثلاثية

10 اغسطس 2026

اتفاقية مكّة لتدشين تعاون عسكري ثلاثي بين السعودية وباكستان وتركيا، التي وُقِّعت يوم الجمعة الماضي، في جوهرها توسيع ومأسسة لخطوة سابقة في اتجاه "أقلمة" الأمن والدفاع بين بعض دول المنطقة. ففي سبتمبر/ أيلول الماضي (2025)، أبرمت السعودية اتفاقَ تعاونٍ عسكري مع باكستان. وبعد نشوب الحرب الأميركية أخيراً على إيران، أعلن البلدان تفعيله ووضع آلياته التنفيذية.
الجديد في الاتفاقية الثلاثية انضمام تركيا، ما يمنحها بُعداً دينياً مذهبياً. فالدول الثلاث مسلمة "سُنّية"، والاتفاقية أُبرمت في مكّة، وتعيد إلى الأذهان فكرة "ناتو إسلامي". وفي استلهام اسم "ناتو" إحالة مباشرة على وجود تركيا ثاني أكبر عضو في حلف شمال الأطلسي.
تجدّدت الفكرة على وقع الحرب التي بدأتها واشنطن وتل أبيب ضدّ إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي. فثبت عملياً التداخل الوثيق بين الملفّات والقضايا وحسابات الدول الواقعة في مساحة شاسعة تبدأ من باكستان شرقاً وحتّى ليبيا غرباً، ومن تركيا شمالاً إلى الصومال جنوباً.
في ظلّ هذا التشابك وتلك الخلفيات، الاتفاقية الثلاثية قابلة للقراءة من عدّة زوايا. أوّلها، وربّما أهمّها، استمرار حالة الانكشاف الأمني للسعودية بوصفها نموذجاً لدول مجلس التعاون الخليجي. فبعد 45 عاماً على تأسيس المجلس بدوافع أمنية، كان الخيار خلالها الاستقواء بمظلات أمنية غربية (أميركية بالأساس)، لا تزال دول المجلس تعاني أمنياً، بالمعنى العسكري خصوصاً. ويتوازى استمرار تلك الحالة مع ثبات التقديرات الخليجية للتهديدات والمخاطر المتمثّلة بصورة أساسية بإيران. ويعزّز مدلولات تلك القراءة تزعزع الثقة، بل "الإيمان" الخليجي، بالمظلّة الحمائية الأميركية. إذ تكاد دول الخليج العربية تعلن فشل رهانها على حماية واشنطن لها. وهنا تكون الزاوية الثانية لقراءة تلك الاتفاقية العسكرية الدفاعية، إذ لن يقتصر التفاهم على الرياض وحدها، فعادة ما تتقدّم السعودية الصفوف في هذه السياقات، ثمّ تتبعها بقية الدول، وإن احتفظت كلّ دولة بحسابات خاصّة للتوقيت والكيفية وحدود التأسي بالرياض.
زاوية أخرى مهمّة، تتّصل بالسياق التمهيدي للاتفاق. فقد كانت مصر الضلع الرابع في لقاءات ومشاورات متعدّدة جرت في الأشهر القليلة الماضية، وإذا بها تغيب عن مشهد الاتفاق العسكري (حتّى الآن)، ليبقى ثلاثياً، أو على الأقلّ ليبدأ كذلك. وفي هذا كثير ممّا يقال عن تباين الحسابات ومدى تمايز التقديرات والرؤى المصرية، ليس للمشهد الإقليمي الراهن فقط، لكن أيضاً للمصالح والتحدّيات والأدوار المطلوبة والبدائل الممكنة.
ويستتبع هذا بدوره النظر إلى الاتفاقية المستجِدّة من زاوية حسابات الدول الثلاث الموقِّعة نفسها، ذلك أنّ علاقات كلّ منها مع أطراف الأزمة تبدو متقاطعةً إن لم تكن متعارضةً بدرجة ما. وينطبق هذا أيضاً على شبكات علاقات الدول الثلاث والتزاماتها الخارجية بصورة عامّة. ولتركيا خصوصية في هذا السياق بموجب عضويتها في "ناتو" (الحلف الأصلي). وكذلك الأمر بالنسبة إلى علاقة كلّ من الرياض وأنقرة وإسلام أباد مع دول المنطقة، بما فيها بقية دول الخليج.
إيجابيات الاتفاقية الثلاثية كثيرة وجديرة بالتنويه والإشادة. ويكفي الدول الثلاث شرفاً أنّها بادرت إلى خطوة جريئة وغير مسبوقة بمحاولة "أقلمة" الأمن الإقليمي والانسلاخ عن مظلّات حمائية خارجية ثبت عند الاختبار أنّها فضفاضة وغير ذات جدوى. لكن هذه الإيجابيات لا تمنع (بل تتطلّب) الإجابة عن تساؤلات المستقبل، سواء بالنسبة إلى موقف (وموقع) الأطراف الأخرى ذات الثقل في المنطقة، وكذلك كيفية مأسسة الاتفاقية وترجمتها إلى آليات عمل وصيغ تنفيذية فعّالة قابلة للاستدامة.

58A20E76-8657-4557-85A3-A5682BEB4B9A
سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط. درس العلوم السياسية وعمل في مراكز أبحاث مصرية وعربية. له أبحاث ومقالات عديدة في كتب ودوريات سياسية.