ما وراء أفول الإسلاميين في المغرب

ما وراء أفول الإسلاميين في المغرب

03 أكتوبر 2021
الصورة
+ الخط -

تفاعل كثيرون، في المشرق كما في المغرب، مع الزلزال السياسي الذي أعقب اقتراع 8 سبتمبر/ أيلول المنصرم، عقب السقوط المدوي لحزب العدالة والتنمية في هذا الاستحقاق، فلم يسبق لحزب سياسي أن هوى من رأس قائمة النتائج، لولايتين متتاليتين، إلى ذيل الترتيب، باحتلاله المركز الثامن (13 مقعدا برلمانيا). وحاول هؤلاء تقديم أكثر من تفسير لنكسة الإسلاميين في المغرب، باعتبار هذا البلد آخر القلاع التي صمد فيها تيار الإسلام السياسي، في وجه قوى الثورة المضادّة التي أعقبت الربيع العربي.

تبنّى تيار واسع فرضية التصويت العقابي، في معرض تحليل هذه الهزيمة المدوية، فالسقوط، في نظرهم، مجرّد عقاب شعبي للحكومة ضد السياسات اللاشعبية، ذات الأثر البالغ على الطبقتين، الفقيرة والمتوسطة. قول لا يصمد كثيرا أمام مخرجات صندوق الاقتراع، فلا يعقل أن يطاول العقاب الشعبي حزب العدالة والتنمية (112 مقعدا) وحده، في حكومة ائتلافية، يُفترض أنها مسؤولة تضامنيا عن سياساتها أمام المغاربة.

لم يسبق لحزب سياسي أن هوى من رأس قائمة النتائج، لولايتين متتاليتين، إلى ذيل الترتيب

مقابل ذلك، حققت بقية أحزاب الائتلاف نتائج إيجابية، فحزب التجمع الوطني للأحرار انتقل من المركز الرابع (37) إلى المركز الأول (102). وتقدّم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، درجتين، في سبورة الترتيب؛ بحصوله على 35 مقعدا في البرلمان (+15). وحافظ حزب الحركة الشعبية كذلك على موقعه، في المركز الخامس، بمجموع 29 مقعدا (+2). حتى أحزاب المعارضة لا ينطبق عليها هذا التفسير، فحزب الأصالة والمعاصرة؛ قائد المعارضة زمن حكومة الإسلاميين، فقد 16 مقعدا (86) بالمقارنة مع استحقاق 2016. بينما نجح حزب الاستقلال؛ ثاني حزب معارض، في الحصول على 81 مقعدا (+35). وتقدّم حزب التقدم والاشتراكية بنقطتين؛ بعد حصوله على 21 مقعدا، بزيادة قدرها (+9) مقاعد.

على فرض أن الناخب المغربي قد عاقب فعلا "العدالة والتنمية" بسبب سياساته الحكومية، يبقى التساؤل قائما بشأن كيفية فوز حزب التجمع الوطني للأحرار في الانتخابات؛ لكونه عنصرا أساسيا في الحكومة، وصاحب النصيب الأكبر من الحقائب الوزارية الإنتاجية الوازنة (المالية، الصناعة، التجارة، الزراعة والصيد...). بعبارة أخرى، لا يستقيم ربط النتائج، وبشكل استلزامي، بالأداء الحكومي للأحزاب السياسية؛ فالحزب الفائز لم يكن في المعارضة، حتى يبلور خطابا مقنعا لكسب الأصوات. ولم تكن لوزرائه بصمة خاصة في القطاعات التي سيّروها خلال الولاية الحكومية، بل على النقيض من ذلك، تم في شهر أغسطس/ آب عام 2018، إعفاء وزير الاقتصاد والمالية السابق، محمد بوسعيد، من "التجمع الوطني للأحرار"، بسبب التجاوزات والاختلالات التي عرفتها الوزارة، ما فوّت على المغرب فرصا مهمة، سيما في مجال الاستثمار.

كانت النتيجة بشأن حزب العدالة والتنمية متوقعة للجميع؛ منذ شروع الدولة العميقة في ترويضه

كانت النتيجة بشأن حزب العدالة والتنمية متوقعة للجميع؛ منذ شروع الدولة العميقة في ترويضه، باستثناء إخوان سعد الدين العثماني، ممن اعتقدوا، ببلادتهم السياسية، أن إسداء الأخير خدمات جليلة للمخزن (القصر)، كفيل برفع أسهم قيادة الحزب لدى صنّاع القرار. مكررين بذلك سيناريو قوى سياسية مغربية (حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)، لها من التاريخ والشرعية والأمجاد، ما لا تملكه تجربة سياسية توشك أن تكمل 25 سنة، منذ نشأتها في السياق المغربي أواسط عقد التسعينيات، بعد موافقة حزب عبد الكريم الخطيب، الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، على احتضان قيادات إسلامية (حركة الإصلاح والتجديد)، فشلت في تأسيس حزب التجديد الوطني عام 1992.

شرعت قيادة الحزب حينها في التدمير الذاتي، رغبةً في كسب رضى المخزن، ونيل الحظوة لديه، فقد استبدل الإسلاميون، بعد انتقالهم من موقع المعارضة إلى كراسي الحكومة، الخطاب الإصلاحي باللغة التبريرية، وعوّض احترام شرعية المؤسسات شعار النضال من أجل الديمقراطية، وانقلبت معركة الدفاع عن الحقوق والحريات؛ التي خاضها الحزب سنوات المعارضة، إلى حفلة لمناصرة السلطوية والاستبداد، بعدما أضحى التبرير من صميم مهام بعض القيادات، فبرّر هؤلاء عنف الدولة ضد محتجّي حراك الريف، في وقتٍ رفضته مؤسسة دستورية، بحجم المجلس الوطني لحقوق الإنسان. وعادت المحاكمات السياسية للأصوات المزعجة للنظام، أمثال توفيق بوعشرين وسليمان الريسوني وحميد المهداوي وهاجر الريسوني وعمر الراضي والمعطي منجب وعلي أنوزلا .. خلال فترة تولي الإسلاميين المهام الحكومية.

على مدار عقد، لم يعزّز "العدالة والتنمية" ذاته بمؤسسات مستقلة أو هياكل تنظيمية، من شأنها المساعدة في تقديم الدعم البشري أو المادي له

موازاة مع ذلك، هرع حزب المصباح (شعار "العدالة والتنمية") إلى تنفيذ أوامر الدولة العميقة وتعليماتها، على حساب أنصاره وقواعده وحاضنته الاجتماعية، المتمثلة أساسا في الطبقتين، الشعبية والمتوسطة، فأقرّ قاعدة الاقتطاع من أجور المضربين، لوقف مسلسل الإضراب في قطاع الوظيفة العمومية. واستبدلت نظام التوظيف الجاري العمل به منذ الاستعمار، بأسلوب التعاقد في قطاع التربية والتعليم. وفرض تحرير الأسعار، برفع الدعم عن المحروقات، واعتماد نظام المقايسة. وأدخل تغييراتٍ على أنظمة التقاعد، بالزيادة في سن الإحالة على المعاش، وكذا في نسب الاقتطاع.

كشف الإسلاميون، بهذا الانبطاح أمام الدولة العميقة، عن سذاجتهم السياسية، وهزالة التخطيط الاستراتيجي عندهم، وحتى "البراغماتية" التي اعتبرت كلمة السر عند قراءة تجربتهم في المغرب، تبيّن أن ممارستهم السياسية أبعد ما تكون عنها. وأقوى دليل ذلك إجهازهم على حاضنتهم الشعبية، عوض العمل على توسيعها؛ أفقيا وعموديا، لضمان خزّان انتخابي وافر.

لا يعقل أن يقضي حزب عشر سنوات في تدبير (تسيير) الدولة، مركزيا ومحليا، من دون أن يعمل على إيجاد، أو على الأقل دعم، بروز أنوية اقتصادية جديدة، يمكنها أن تصير مستقبلا نخبا مالية محتضنة له، ما يعني قدرة الحزب على التأثير والاستقطاب في صفوف رجال الأعمال، بعيدا عن قاعدته الاجتماعية (الطبقة المتوسطة). قس على ذلك في بقية المجالات، فعلى مدار عقد، لم يعزّز "العدالة والتنمية" ذاته بمؤسسات مستقلة أو هياكل تنظيمية، من شأنها المساعدة في تقديم الدعم البشري أو المادي له.

يؤدّي حزب العدالة والتنمية ضريبة التدمير الذاتي، نتيجة رخاوة تنظيمية اعتبرت المشاركة في الحكومة إنجازاً بذاته

نعم، لقد خاض الإسلاميون في المغرب تجربتهم الحكومية، من دون أن ينجحوا في إقامة منبر أو مؤسسة إعلامية، تشتغل بمهنية واحترافية عالية، قادرة على إسماع صوتهم إلى الداخل والخارج. وتطوّعت صحف ومواقع مستقلة للقيام بهذه المهمة، من باب المهنية، لا الولاء والتبعية، لكن أصحابها دفعوا ثمن خياراتهم غاليا. وكانت صحيفة أخبار اليوم المغربية الموءودة خير مثال على ذلك.

غرق الإسلاميون في التدبير فنسوا التنظيم، فلا حديث عن مراجعة الأطروحة السياسية للحزب، أو تجديدها، منذ عام 2008. وكان هذا متوقعا، فالحزب يفتقد إلى مؤسسة بحثية أو مركز فكري، يساعد على قراءة التجربة وتقييمها في الحاضر، ويبلور الرؤى الفكرية ويصنع التصورات الاستراتيجية للمستقبل، ما جعل قيادة الحزب مقتنعةً بأن أدبيات المعارضة ستبقى صالحة لزمن الحكومة.

صحيحٌ أن حزب العدالة والتنمية دفع ثمن أخطائه، لكنه، قبل ذلك وبعده، يؤدّي ضريبة التدمير الذاتي، نتيجة الرخاوة التنظيمية التي اعتبرت المشاركة في الحكومة إنجازا بذاته، وبات التطبيع مع المخزن؛ بأي ثمن، كل أماني قيادة الحزب. لذا جاء الانهيار بهذا الحجم، ليضع المشروع والأطروحة السياسية للحزب محلّ تساؤل كبير. ما يعني أن "العدالة والتنمية" على موعد مع صفيح ساخن، في المقبل من الأسابيع، يفتح الباب على كل الاحتمالات؛ والتي تتراوح ما بين الالتحاق بقائمة الأحزاب المدجنة على يد المخزن والإعلان عن انطلاقة جديدة للحزب بإزاحة الجيل المؤسّس، وبينما يبرز خيار الانشقاق وولادة حزب جديد.