ما لم يقله المعرّي

04 يناير 2026

أبو العلاء المعرّي (لوحة "الجنّة والنار" لتحسين سعيد)

+ الخط -

أيكون ما لم يكتبه أهمّ من الذي كتبه؟ أتكون في ذهنه أفكار أعمق وأدقّ وأكثر وضوحاً وتحديداً من التي كتبها في كتبه ليقرأها الناس؟... الجواب ملتبس، كما التباس السؤال نفسه.
ما من كاتبٍ يُمسك عن قولٍ يراه صحيحاً إلا مُكرهاً؛ أي إن أسباباً خارجة عن إرادته تحمله على أن يفعل ذلك، اتّقاءً لخطر، أو خوفاً من مساءلة مُحقّقة، أو تفادياً لإساءةٍ لشخصٍ أو جهةٍ لا يرغب في أن يأتيها، لذلك يؤثر الصمت عن بعض ما يعتقده لتجنّب ذلك كلّه أو بعضه.
من هنا يأتي التشديد على شرط الحرية بصفتها ضرورةً للتعبير؛ فحين تكون منظومة التشريعات المعمول بها في مجال التعبير والنشر مثقلةً بالقيود والمحظورات، فإن مساحات التعبير تضيق، ويصبح المسكوت عنه أكبرَ وأكثرَ غنىً بما لا يقاس بما يمكن أن يُقال، أي يُكتب. وبوسعنا أن نُحدّد مساحة الحرية في أيّ مجتمع من المجتمعات بما يتوافر لكتّابه ومبدعيه من حرية قول ما يرون، وهم آمنون.
ليست التشريعات المُقيّدة للحريات (على خطورتها) العائق الوحيد، فمنظومة القيم والأعراف التي تفرضها المجتمعات أو الجماعات تبدو أشدّ خطورةً، حيث سلطة الرأي العام، خصوصاً في مجتمعات يسود فيها الجهل والتخلّف، من أشدّ السلطات قمعيةً؛ إذ يمكن أن يُخلع أيُّ كاتب يقول ما لا ترغبه الجماعة، كما كانت القبائل العربية تخلع أيَّ خارج على إجماعها.
في المقابل، نجد كتّاباً ومبدعين، على مختلف العصور وفي كل الأقوام، امتلكوا الشجاعة في قول ما يرونه غير آبهين لما سيتعرّضون له من أذى، بلغ في كثير من الحالات حدّ التضحية بحياتهم، فانطبق عليهم القول: لا يخافون في الحقّ لومة لائم. صحيح أنّ الحقّ مسألة نسبية، لكنّ المبدعين هم ضمائر الأمم (أوهكذا يُفترض) يرون أبعد ممّا يراه الآخرون، فيُحذّرون من الكوارث قبل وقوعها.
يمكن اعتبار أبي العلاء المعرّي حالاً نموذجيةً للمبدعين الذين حملتهم بصيرتهم النافذة على أن يروا أبعد ممّا يراه بنو قومهم، وكان يدرك أنّ قول كل ما يراه سيكون مُكلفاً، ولكنّه رغم ذلك آثر أن يلمّح إلى هذا مراراً في أبياته الشعرية، كأنّه يقول لقارئيه: ابحثوا تحت سطور ما قلتُ عمّا لم أقله، رغم أني راغبٌ في قوله، ولم أفعل مخافة ما لا تُحمد عقباه.
شعر أبو العلاء المعرّي دائماً بغربتَيْن: واحدة في المكان وأخرى في الزمان. وفي "لزوم ما يلزم"، أنشأ نجيب سرور حوارية مع المعرّي تناولت هذا الشعور، جاء فيها: "أيّها الثائر لمَ لذت بدارك؟"، فيأتي الجواب من المعرّي: "أولو الفضل في أوطانهم غرباء". ويسأل سرور: لمَ لم ترحل؟ فيردّ المعرّي: "إلى أين الرحيل/ أيّ فرق بين أن أُنفى بعصري/ لو ترومَ الصدق أو أُنفى بداري/ أو أراني ضائعاً في غير داري".
عودةً إلى المفتتح، سنعثر في نصوص المعرّي على ما يمكن أن نُطلق عليه الموقف الجدلي، حين يرى أنّ المعنى حمّال أوجه: "ويعتري النفس إنكار ومعرفة/ وكلّ معنى له نفي وإيجاب"، مُحرّضاً قارئه على الذهاب إلى ما هو أبعد من ظاهر الشيء.
لكنّه لا يتردّد في الذهاب أكثر من ذلك، موحياً بأنه يلجأ إلى المواراة والمواربة لتفادي أن يقول صراحةً ما يرغب في قوله: "نقول على المجاز وقد علمنا/ بأنّ الأمر ليس كما نقول"، وفي مكانٍ آخر يقول: "وليس على الحقائق كلّ قولي/ ولكن فيه أصناف المجاز".
ثمّة سرّ يخفيه المعرّي، لكنّه لا يُخفق في إخفائه كليّة، بل إنه يتعمّد الإبلاغ بأن ثمّة سرّاً في صدره، علينا، نحن معشر القرّاء، أن نسعى إلى اكتشافه: "ولديَّ سرّ ليس يمكن ذكره/ يخفي على البُصراء وهو نهار"، وفي مكانٍ آخر يقول: "بني زمني هل تعلمون سرائر/ علمتُ بها ولكنّي بها غير بائح".
ويلحّ المعرّي على حملنا على إمعان النظر في ما يقول، علّنا نمسك بما لا يجاهر به، ولكنّه لا يخفيه أيضاً: "ومن تأمّل أقوالي رأى جُمَلاً/ يظلّ فيها سرّ الناس مشروحاً".
ولأنّ الشيء بالشيء يُذكر، نسأل: أحقاً تراجع طه حسين، المأخوذ بالمعرّي، عمّا قاله في "الشعر الجاهلي" بعد الضجّة التي أثيرت ضدّه، أم أنه حذا حذو مُلهمه المعرّي فآثر التلميح على التصريح؟

كاتب وباحث من البحرين، صدرت له مؤلفات في قضايا الخليج، الثقافة، الأدب، السيرة، اليوميات، وغيرها
حسن مدن
كاتب وباحث من البحرين، صدرت له مؤلفات في قضايا الخليج، الثقافة، الأدب، السيرة، اليوميات، وغيرها.